بيان2: على الرغم من انهم محاطون بالذهب الا ان اهالي كوكيني المتمسكين ببداءتهم لا يحلمون بالثراء أو الانسلاخ عن هويتهم الصحراوية. هناك على بعد 100 ميل في قلب منطقة مناجم الذهب الاسترالية في غرب استراليا لاشيء يميز المكان سوى فندق «جراند هوتيل» الحانة المبنية على الطراز الاستعماري القديم التي تطل على مفترق الطرق أو المكان الوحيد الذي يصلح لاقامة اي نوع من الحياة الاجتماعية بسبب توفر المياه فيه. وتقول «مارجريت بوزي» مالكة الفندق التي تقيم هناك هي وزوجها «إن المكان مازال يشكل نقطة جذب بالنسبة للمنقبين عن الذهب الذين يأتون إليه بكامل معداتهم ثم ندعو لهم بالتوفيق في مهامهم. وكان احدهم قد عثر خلال الاسبوع الماضي على 5 اونصات من المعدن النفيس ولكن وعلى الرغم من هذا فان ما يجدونه لا يكاد يفي بمتطلبات حياتهم وبالكاد فهو لا يغطي سوى ثمن بعض ما يحتاجون اليه من الطعام والشراب. بعد اكتشاف الذهب في منطقة غرب استراليا في سنة 1882 تدفق الناس على المكان بسرعة طلباً للثروة ووصلت اعداد المنقبين عنه في «كوكيني» الى 7000 باحث وشيدت على ارضه سبعة فنادق ومستشفى ومجمع سكاني. وكانت الهجرة الجماعية قد تزامنت في البداية مع اندلاع الحرب العالمية الاولى عندما تعهدت غالبية عمال الحفر بالمشاركة. في الدفاع عن المنطقة وبالمناسبة كان الانجليز والامريكيون قد اطلقوا اسم «حفار» على الاستراليين لهذا السبب وهو ما يتناقض على نحو صارخ مع وضعها الحالي حيث لا يوجد اليوم سوى انقاض ومناجم وبيوت تعد على الاصابع ووسائل تنقيب بدائية. يشكل الذهب ثاني اكبر منتج تجاري في استراليا ويأتي قبله الفحم وفي سنة 1997 صعدت استراليا الى المرتبة الثالثة على قائمة الدول المصدرة له بعد جنوب افريقيا والولايات المتحدة حيث وصل حجم انتاجها منه الى 3.150 طناً. وتسهم منطقة غرب استراليا في انتاج 75% من معدل اجمالي ناتج الذهب في القارة الذي تشرف على استخراجه الشركات التجارية العملاقة وعلى الرغم من ذلك فان ما يتمناه سكان المنطقة القلائل هو مساهمتها في توفير الاساليب الاكثر تطورا او الاكثر انسانية للتنقيب عن الذهب كالادوات واجهزة الكشف والتنبؤ بالمخزون الحقيقي وقانون يحمي مصالح عمال الحفر ويضمن لهم الحياة الكريمة. وكما يعلق احدهم فإن شركات الذهب العملاقة تستحوذ على كل شيء ولا تترك لهم شيئا. لكن ما يراه الكثيرون هو انه رغم ظروف العمل الصعبة والارتفاع الشديد في درجة الحرارة التي تتجاوز الاربعين درجة مئوية وعدم توفر المخزون الكافي من المياه والكهرباء على الرغم من ذلك فان بارقة الامل مازالت تلوح في الافق ومازال هناك اشخاص يحصلون على مدخولات مغرية نظير تأجير ممتلكاتهم للشركات على نمو اسبوعي بمبالغ تتراوح ما بين 1700 و3500 جنيه ومازال هناك من فتحت له الجنة ابوابها وتحول الى بليونير حقيقي بعد شرائه اراض مثل «دورين روز» بمبلغ زهيد يصل الى 1000 جنيه كما كانت ضربة الحظ مع منقب عجوز يدعى «فريد الفورد» كان بحوزته اكبر مناجم الذهب التي اكتشفت في القرن العشرين يقول الفورد في جملة تعليقه على ما حدث: ما الذي يجعلني في حاجة الى المنجم وإلى المال في هذه السن؟ لقد حصلت على مبلغ للتقاعد ويمكنني ان احصل بواسطته على كفايتي من التبغ والطعام. ومع ذلك فان ما يقوله الآخرون يبدو من المبررات المقنعة للتصديق بأن ما يريده هؤلاء هو العودة الى الطبيعة والى البساطة البعيدة عن الزيف.. تقول «تريش اينسلي»، احدى الكاتبات الصحفيات العاملات في المنطقة منذ فترة طويلة: «إن الامر لا يتعلق برغبة هؤلاء في الثراء والاسراف في الاستمتاع بالملذات». ولا تزال اينسلي تتذكر حكاية عمدة «برود ارو» الجندي السابق الذي فقد احدى عينيه اثناء مشاركته في الحرب العالمية والذي عثر افراد اسرته بعد موته على وسادات محشوة بالاوراق المالية المخبأة تحت المشمع الذي فرشت به ارضية الكوخ الذي كان قد استأجره بمبلغ 10 دولارات اسبوعيا. وفي جعبتها الكثير مع القصص عن اهالي المنطقة الثانية من الحفارين الزاهدين في الحياة رغم ثرائهم الذين لايهمهم شيء سوى نمط الحياة التقليدي البدوي الذين ما ان تعيش بينهم حتى تشعر بالحميمية. وتؤكد اينسل ان مهنة التنقيب عن الذهب لم يتتوقف تماما على الرغم من المواقف الشخصية التي يتخذها اهالي كوكيني ازاء الوجود غير الضروري لهذا المعدن النفيس فهناك الكثير من المنقبين الجدد المفعمين بالأمل والمنتمين الى مشارب مختلفة. وعلى بعد مئات الكيلو مترات في الطريق الى «كالجورلي» يصبح بامكان اي منهم ان يبيع كتلة من المعدن النفيس الخام لاي مقيم في اي من فنادقها الكثيرة في مقابل الحصول على ما يمكن ان يوفر له فرصة الاستمتاع بملذات الحياة في البلدة التي تتوفر فيها كل اصناف التسلية. مريم جمعة فرج