بيان2: اقتصر اطلاع قراء العربية على ما يتعلق بما بعد الحداثة على ما نشرته حفنة قليلة من المتابعين لكتابات غربية فى الاغلب يعيدون تدوير ما يقرأون، إما بانبهار وباعتقاد ان هذا هو الطريق الوحيد لرفعة الفكر واللحاق بحضارة المتسيد. ولا يتعسف المرء كثيرا اذا ادعى ان معظم ما كتب عن ما بعد الحداثة باللغة العربية، ـ باستثناءات قليلة مثل شذرات للدكتور عبد الوهاب المسيرى ضمن عمله الضخم «موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية» ـ هو احادى الجانب، لا يحمل اى نقد او تحليل وانما هو اقرب للنقل، واختلافه هو فى مدى الفهم والتعمق. من هنا تأتي اهمية الكتاب الذى نناقشه هنا لمؤلفه بروفسور ضياء الدين سردار الذي أنجزه اثناء عمله كأستاذ زائر للدراسات الثقافية فى جامعة ميدلسكس ببريطانيا. ولان الكاتب عمل فى مجالات مختلفة تدور كلها حول الثقافة، من أهمها الاعلام المكتوب والمرئي، فان رؤيته النقدية للافكار ما بعد الحداثية تكتسب اهمية خاصة. كما ان الرجل لا ينفصل عن خلفيته الحضارية، فرغم انه ولد وتربى فى بريطانيا، الا ان جذوره الباكستانية المسلمة تجعله مثقفا بريطانيا من نوع خاص. ويمكن الزعم بسهولة ان كتاب سردار عن ما بعد الحداثة يعد من اهم ما كتب عنها من زاوية مختلفة عن زاوية مروجيها الامريكيين والغربيين وتابعيهم من كتاب الشرق المتفرنجين. والخط الرئيسى الحاكم للكتاب هو محاولة تلمس الجذور الأولية لفلسفة ما بعد الحداثة من داخل عمليات التحديث وادبياتها ومن خلال الكتابات النظرية للمتحمسين لها فى النصف الثانى من القرن العشرين، ليس بنقل النصوص ورصها والربط بينها بمهارة بحثية لتكون كتابا، لكن بتمثل عميق لهذه الافكار ثم تناولها بشكل نقدى، خاصة فى علاقتها بالاخر ـ أي الثقافات والحضارات الاخرى غير الغربية. وإذا كان الاعلام اداة تبدو رئيسية فى تناول سردار لمقولات ما بعد الحداثة، فذلك لان الاعلام والنشر من اهم واخطر دعائم ترويج وترسيخ افكار ما بعد الحداثة وعلاقتها بالثقافات الاخرى غير الغربية. لذا يبدأ سردار الكتاب بمقدمة عنوانها جملة من اللغة الغريبة التى بدات تنتشر بين الناطقين بالانجليزية ومصدرها اساسا الولايات المتحدة، ثم بريطانيا هي: ٌُّ هَيمم م أو «سأراك» وذلك تخريج ما بعد حداثى للتراكيب اللغوية معقد الشكل اجوف المضمون يتسق تماما مع لغة ما بعد الحداثة، ويقترب من اللغة الجديدة فى رواية جورج اورويل «1984». الحكاية من أولها يمكن القول ان اول ظهور لمصطلح «ما بعد الحداثة» جاء فى عمل ادبى. وكان الكاتب الإسبانى فيدريكو دي اونيس قد استخدم هذا المصطلح عام 1934 ليصف حركة رد فعل على، وفى اطار، الحداثة. بعد ذلك، استخدمه المؤرخ ارنولد توينبى فى كتابه «دراسة للتاريخ» المنشور عام 1947، واستخدمه الناقدان الأدبيان إرفنج هاوِ وهارولد لفاين والكاتب ليزلى فيلدر فى الستينيات. الا ان ما بعد الحداثة، كنظرية متكاملة وممارسة، كانت لا تزال على بعد عقد من الزمان على الأقل. اما اول عمل فنى يتمثل ما بعد الحداثة كما يتم الترويج لها الان فهو مسلسل قديم يعود الى ما قبل نحو نصف قرن. كانت عبارة «سأراك» التحية التقليدية فى المسلسل التلفزيونى لباتريك ماكجوهان بعنوان: «السجين»، الذى بث لأول مرة فى اكتوبر 1967 ولم تكن ما بعد الحداثة حينذاك سوى مجرد طرفة فى عينى ابطالها الرئيسيين.. وهكذا لا نفاجأ كثيرا بأن مسلسل السجين لا يُنظَر اليه كمنتج ما بعد حداثى. مع ذلك قدم المسلسل ومهد لعدد من الملامح التى تم ربطها فيما بعد باسلوب ما بعد الحداثة. كانت افتتاحية كل حلقة من حلقات المسلسل تتضمن الحوار التالى: سجين: أين أنا؟ صوت: فى القرية. سجين: ماذا تريد؟ صوت: معلومات. سجين: مع أى طرف أنت؟ صوت: هذا سيكون تقديم معلومات. نحن نريد معلومات.. معلومات.. معلومات.. سجين: لن تحصل عليها. صوت: سنحصل عليها بأية وسيلة. سجين: من أنت؟ صوت: أنا نمرة اتنين الجديد. سجين: مَن نمرة واحد؟ صوت: أنت نمرة ستة. سجين: أنا لست نمرة، أنا رجل حر. إلا أنه لا يوجد شئ فى المسلسل، كما يبدو من مقدمته، فكل شئ محاط بطبقات متعددة من المعانى. وينعكس التعدد الهائل للمعانى فى اضطراب أو لخبطة الطرز المعمارية. فالقرية هى بورتميريون الواقعة على مصب نهر ماوداش فى شمال ويلز، وهى لا تتعدى كونها حماقة كبرى. ومعظم صروحها وزخارفها المنمقة ليست سوى مجرد دعامات، فالقبة البصيلية اعلى البرج هى لوح من النحاس يغطى فتحة مدخنة؛ ومبنى جلورييت مقام على شاكلة قصر شونبراون فى فيينا، وكله عبارة عن واجهة وليست له خلفية كما فى ديكورات السينما، ومبنى شاتسورث الصغير على الهضبة ليس الا كوخا مُفخما باعمدة مدخل من الجص. كذلك تقدم قرية بورتميريون نموذجا لمعمار ما بعد الحداثة فى اكثر صوره سخرية ومفارقة: فهى تضم ـ كما يقول تشارلز جنكز ـ «تقنيات حديثة مع شئ اخر (غالبا مبانى تقليدية) كى يتواصل المعمار مع الجمهور والاقلية المعنية. وتتحول الاصطناعية الحقيقية لبورتميريون الى حقيقة مُتخَيلة فى القرية عالمية الطابع فى مسلسل «السجين». يتسم مسلسل «السجين» فى تذويب المعنى وتزييف الحقيقة. وتاتى قمة المسلسل فى الحلقة الاخيرة، النهاية التى توهم بالكشف عن هوية «نمرة واحد» ومن ثم ازاحة الغموض عن كل ما حدث من قبل. وها هنا يذوب الحكى الخطى للحلقات السابقة فى فوضى اللامعنى. فليس هناك بناء، ولا منطق، مجرد مباراة كلمات ووعد بالعودة الى البداية اى ان تكرر كل الدائرة نفسها. فى الاعمال الدرامية التلفزيونية التقليدية، يبحث ابطال العمل عن امور اكثر حياتية، ويعد القاتل وحيد الذراع فى الهارب نموذجا على ذلك. وفى الاعمال ما بعد الحداثية المماثلة هذه الايام، يصبح المقصد الرئيسى اكثر ايهاما: فـ «انسان اللامكان» يبحث عن هويته التى مُحيت تماما من قبل المصالح الكونية القوية، والبطل الشاب فى مسلسل «ميت قبل سن الحادية والعشرين»، والذى يحيا بشريحة كمبيوترية صغيرة مزروعة فى راسه كعينة فى تجربة حكومية، يبحث عن ماضيه الفضائى، والناجون الذين تمكنوا من الهبوط على كوكب جديد فى مسلسل «الارض 2» يبحثون عن ارض للمستقبل. الا ان مسلسل السجين قدم صورة للنموذج ما بعد الحداثى قبل ذلك بثلاثين عاما، قبل ان تصبح ملامح النموذج نموذجية فعلا. الوهم والحقيقة بعد ثلاثة عقود تقريبا من مسلسل السجين اصبح ما بعد الحداثة مصطلحا اساسيا من مصطلحاتنا المعاصرة. فهى تحدد افكارنا وسياساتنا، وتدخل فى تكوين فنوننا و معمارنا، وتؤطر القدر الاكبر من صناعة الترفيه لدينا، وتعمل بنشاط على تشكيل مستقبلنا. وبامكاننا مشاهدتها، وسماعها، وقراءتها، والتسوق فى فضاءاتها، ونصدم بها بعنف ـ باختصار نحن نعيشها ونتنفسها. وببطء لكن بثقة، تحكم ما بعد الحداثة سيطرتها على العالم الذى نعيش فيه، والافكار التى تدور فى اذهاننا، والافعال التى نأتيها، وما نعرفه وما لا نعرفه، وما عرفناه بالفعل وما لا يمكننا معرفته، وما يشكل طبيعتنا ووجودنا. انها نظرية الخلاص الشاملة الجديدة، او ربما غير الجديدة تماما. لقد برزت ما بعد الحداثة من الحركات النقدية الغربية فى الفن والعمارة. وكانت، ولا تزال، الى حد بعيد رد فعل ضد الشمول الخانق للحداثة وعقلانيتها الاداتية، وضد الفكرة التغريبية عن التقدم الخطى المضطرد والمفاهيم النخبوية للثقافة. ونمت ما بعد الحداثة كثورة على التنويرية، تلك الحركة الاوروبية فى القرن الثامن عشر، التى ارجعت كل الفكر والسلوك الانسانى الى مفهوم معين للعقل وسعت لتقديم المجتمع والحضارة والثقافة الغربية كمقياس كونى تقاس عليه كل الحضارات والمجتمعات وانماط التفكير والسلوك الاخرى. وتقف ما بعد الحداثة ضد شمولية العقل، وضد المفهوم الاوروبى العنصرى للحضارة والثقافة، وتسعى لان تمثل كل الطبقات والاجناس. وهى تدافع عن التنوع والتعددية والخلط الانتقائى بين مختلف التقاليد والحداثة. الا ان طبيعة ما بعد الحداثة تحولت تحولا كاملا. وادى عدد من التطورات الفكرية والاجتماعية الرئيسية فى العقدين الاخيرين ليس فقط للقضاء على الحداثة بل الى تغيير طبيعة ما بعد الحداثة ذاتها. وتشمل هذه التطورات: فض الغموض عن الموضوعية العلمية على يد كوهن وفايرابند وعدد من نقاد العلم الماركسيين،. انهيار الفلسفة الغربية كمؤسسة راسخة بفضل جهود فيتجنشتاين ودريدا ورورتى. التركيز على اللاحتمية فى فيزياء الكم والرياضيات، التأكيد على عدم الاستمرارية والاختلاف فى التاريخ، على يد ميشيل فوكو اساسا ثم على يد مؤرخين آخرين. ظهور مدرسة «الواقعية السحرية» فى الادب التى من روادها جورج بورخيس وجابريل جارسيا ماركيز وكتاب آخرون من امريكا اللاتينية. المخاوف من طريقة تمثيل «الاخر» فى التاريخ والسياسة وعلم الاجناس. علمنة المسيحية وازاحتها من المجتمع كقوة اخلاقية. غلبة اقتصاد السوق وبروز الاهتمام المرضى بـ «خيار» المستهلك. ووفرت تلك التطورات الاساس الجديد لما بعد الحداثة. وهكذا لم تعد ما بعد الحداثة المعاصرة معنية ببساطة بازاحة العقل التنويرى عن عرشه، ولا بأن تكون صوت من لا صوت له. كما انها لم تعد قاصرة على الفن والعمارة. فالنظرية ما بعد الحداثية مشتقة من نقد الفلسفة والعلم والتاريخ والادب والثقافة، بالاضافة الى العديد من المنظومات الاخرى، وأدت النظرية بدورها الى ظهور الفلسفة والتاريخ وعلم الاجناس والادب، وهكذا اخترقت ما بعد الحداثة كل دوائر الفكر المنظومى وارست جذورا عميقة فى تفاصيل الحياة اليومية، فيما اصبحت قوة ثقافية عالمية مدفوعة بالسوق الحر والليبرالية البرجوازية. وتقوم وسائل الاعلام والاتصال ببناء العالم ما بعد الحداثى. اما المادة اللاصقة التى تجمع كل الاشتات فهى الاقتصاد ما بعد الحداثى. الأنا والآخر يرى والتر اندرسون ان الانتقال من الحداثة الى ما بعد الحداثة مدفوع بثلاث قوى رئيسية هى: 1ـ نسف سبل الاعتقاد القديمة، وهذا ما يتم عبر القرن الماضى. 2ـ ميلاد الحضارة الكونية/العالمية، بنظرة عالمية هى عالمية حقا. 3ـ نشوء الصراع حول طبيعة الواقعية والحقيقة الاجتماعية ونظرية المعرفة، وهو ما اصبح محل نقاش كل مجموعات اى مجتمع الان مثل مقولات الطبقة والعرق والقومية. وتبدو هذه القوى جبارة الى الحد الذى لا يمكن فيه وقفها، ومن ثم فعملية الانتقال الى ما بعد الحداثة غير قابلة للمقاومة. وتوصف ما بعد الحداثة بانها قمة التعددية واتساع الخيارات امام الفرد الى مدى غير محدود. وبالنسبة للاخر، يضيع معنى الآخر كثقافة او حضارة اخرى غير الحضارة الغربية، فكل شئ لا يتحقق الا باخر فى داخله ومن ثم فالاخر دائما هناك. هذه الخيارات الفردية الليبرالية لا يمكن تصورها الا للفرد الغربى، المطلوب ان يكون العالم كله على شاكلته كى تصبح الخيارات كونية. ويكشف ذلك الى حد كبير وهم التعددية الزائف الذى توصف به ما بعد الحداثة. فـ نحن و الافراد الذين يملكون الخيارات التى يخلقونها لانفسهم فى ليبرالية مطلقة ليسوا الجماعات التى تموت جوعا فى افريقيا ـ وبالتحديد يستبعد من الـ نحن مليار شخص، اى خمس سكان الارض، يعيشون تحت خط الفقر. كما تستبعد الـ نحن بالضرورة كذلك ثلاثة مليارات شخص يعيشون فى نطاق الحضارات الاخرى فى الهند والصين والعالم الاسلامى. اذا كانت الحداثة وجدت سبيلها فى تهميش الاخر استعماريا عبر تسييد فكرة الفرد والعقل الوسيلى ـ وهذا ما يسميه عبد الوهاب المسيرى «الحوسلة» ـ فان ما بعد الحداثة تعتمد الازدواجية بالايهام كاداة للقمع والسيطرة الثقافية. و لا يختلف ذلك فى الجوهر عن ادوات الحداثة للتسيد وتهميش الاخر. من هنا نجد ان الموجة السائدة فى الاعلام الان هى «النقاش» بغض النظر عن النتيجة من هذا النقاش، فكل شئ له وجهان ـ وربما اكثر من وجه ـ ومن ثم لا حقيقة هناك ولا مضمون. وهذا كاف عند مروجى ما بعد الحداثة لتمييع أبرز الأفكار التي تشكل أهم مقومات ثقافة الآخر. ليس معنى ذلك ان الثقافات الاخرى لا تدرك فى جوهرها تباين اشكال الحقيقة ـ وان لم تعبر عن ذلك بمصطلحات الحداثة وما بعدها. ففى الاسلام هناك الحقيقة والحقيقة الاحادية وحقيقة الحقائق والحقيقة المقيدة والحقيقة المطلقة وحقيقة الانسان وحقيقة الشئ. تميزت الحداثة بوحشية غير مسبوقة فى التاريخ ـ خاصة تجاه الاخر ـ فالقتل الجماعى والتطهير العرقى والتعذيب والاغتصاب وعنصرية تفوق البيض كلها مميزات للقرن العشرين. ففيما بين 1914 و1990 قتل نحو 187 مليون شخص فى حروب العالم. هذه الوحشية ادت الى ردة اخلاقية تحاول ما بعد الحداثة تجاوزها عبر تمييع الاخلاق كقيمة مجردة، فليس هناك مطلق وكل شئ نسبى ولا وجه واحد للحقيقة ـ وربما لا حقيقة هناك فكل شئ متمثل وصورة شبه دقيقة للواقع! وهنا تاتى المقولة التى تتردد سياسيا: «المعايير المزدوجة، فالعالم الغربى يجمع قواه لتدمير العراق اذا تعرض للكويت حماية لمصالحه، ويترك الصرب يتخلصون من البوسنيين مع بلادة عامين من مشاهدة الغرب لعمليات القتل على شاشات التلفزيون ـ ثم يتدخل لضبط ميزان القوى فى البلقان، ناهيك عما يجرى فى فلسطين منذ نصف قرن. انها ليست معايير مزدوجة، بل متعددة، ولا رادع اخلاقى هناك، بل ان ذلك منطقى تماما فى سياق ما بعد الحداثة. وتلعب المنظمات غير الحكومية الكبرى الدور المكمل لدور الاعلام فى ترسيخ الافكار ما بعد الحداثية. وبالنظر الى نشاطها فى السودان وبنجلاديش وغيرها يمكن ان يخلص المرء بسهولة الى ان معايير حقوق الانسان انما تستخدم فقط من منظور غربى ولخدمة مصالح الغرب، وتحديدا نحو مئتى شركة عالمية كبرى من الشركات متعددة الجنسية التى تعمل معظم حكومات الدول الغربية الكبرى فى خدمتها وتسهيل عملها وحماية مصالحها. نهاية التاريخ كما نعرفه نعرف التاريخ بأنه تسجيل للوقائع والاحداث التاريخية على مر الزمن. وحداثيا شاعت مقولة ان التاريخ غالبا ما يكتبه المنتصر ـ او الحضارة المتسيدة ـ بمعنى انه احادى وجهة النظر وليس موضوعيا تماما. اما فيما بعد الحداثة فالمنطق هو «نهاية التاريخ، بمعنى نهاية التاريخ كما نعرفه، حتى نهاية التاريخ بالمعنى الخطى الذى رسخته الماركسية مثلا. تعمل ما بعد الحداثة على اعادة تمثيل التاريخ بانتقائية مقصودة وبتشكيل ما بعد حداثى يفرغ التاريخ من مضمونه كسجل للوقائع الزمنية. وفى اطار تحويل كل شئ الى سلعة والاهتمام بالاسلوب تعتبر افلام هوليود، وخاصة الرسوم المتحركة (الكارتون) المصدر الاساسى لمعرفة التاريخ ـ كما يعاد تشكيله طبعا. فى احد افلام والت ديزنى الشهيرة تعاد صياغة إحدى اساطير الهنود الحمر فى القارة الامريكية بشكل يصور الانجلوساكسون كمنقذين لتلك القبائل الاصلية، وليسوا جيوش ابادة استولت على اراضيهم. ومع محافظة فيلم ديزنى على الرموز الاساسية للحكاية «بوكاهونتاس» التى حدثت فى بداية القرن السابع الميلادى، يعيد صياغة كل شئ ليصور انجلترا كرافعة تحديث وتطوير لتلك البقعة المكتشفة من العالم. كذلك فى فيلم «الاغواء الاخير للمسيح» للمخرج مارتين سكورسيزى يعتمد الفيلم الخط الاساسى لرواية نيكوس كازانتزاكيس فى تمثل المعالم الاساسية للمسيحية. وعند نهاية الفيلم، ومن خلال الرؤية الحلمية للمسيح على الصليب، يركز سكورسيزى خلاصة رواية كازنتزاكيس فى الصراع بين الارضى والسماوى او الجسمانى والروحى. وهنا يبدو المسيح، وجوهر المسيحية، وكانهما مرآة لتمحور الاوروبى حول الذات. ولأن ما بعد الحداثة تعتمد التفكيك واعادة التركيب، فهى تنزع القيمة الاساسية للتاريخ فى الحضارات والثقافات غير الغربية ـ الاخر. فالتاريخ فى الحضارات الاخرى يوفر، مع التقاليد، وسيلة للمعرفة وحتى لتغيير الحاضر. اما ما بعد الحداثة فهى معنية بالحاضر فقط، والحاضر اللحظى تحديدا، فهى تنفى بالتالى الاستمرارية التاريخية والذاكرة التاريخية. لا يقتصر الامر هنا على تاريخ الفكر والفلسفة، وانما يمتد كذلك الى تاريخ العلم. وتعتمد ما بعد الحداثة على هاتين الدعامتين فى تأكيد تمحور الغرب حول ذاته باعتباره البداية والنهاية، فلا قبله شئ ولا بعده شئ. من هنا ياتى العلم باعتباره اوروبيا، وكانما لم يسبقه اسهام من اى حضارة اخرى، وهكذا يمحى علم الاخرين من سجل التاريخ. فالعلم قبل الاوروبيين كان براجماتيا لا سياق نظرياً له ولا اسساً مفاهيمية. ويتم هنا التماهى المقصود بين العلم والسحر، فعلم غير الغرب بني على مجرد الملاحظة والضرورة الحياتية، اما الابتكار والتطوير فهو نتاج الفلسفة الغربية للعلم. يدعم ذلك، ويروج له سيل ادبيات الخيال العلمى، مثل افلام هوليود، التي تعيد صياغة فلسفة العلم باعتباره اوروبيا صرفا. وهنا يذكر الادب بشكل عام، باعتبار ان ما بعد الحداثة انما تبرز اكثر ما تبرز فى الادب. فالخيال العلمى يمزج بين السحر والعلم فى محاولة تمييع ونزع من السياق تتسق الى حد كبير مع الخط الاساسى لما بعد الحداثة: لا قيمة حقيقية لاى شئ. هناك فصل كامل من الكتاب ـ هو الفصل الرابع ـ خصصه الكاتب للحديث عن نموذج اعادة تدوير التاريخ والعلم من خلال تجربة تجارية استهلاكية هى سلسلة محلات ذى بودى شوب لصاحبتها انيتا روديك. فقد نقلت انيتا من بلاد اسيا والعرب وامريكا اللاتينية وصفات طبيعية ما زال الناس يستخدمونها منذ ألوف السنين لعلاج الجلد والشعر والمحافظة على الصحة عامة. وتلك هى المنتجات التى تبيعها سلسلة المحلات البريطانية هذه، طبعا بعد تغليفها فى شكل استهلاكى ما بعد حداثي. المهم هنا ان هذا التاريخ العلمى للآخر مباح ومشاع لروديك وغيرها من اهل الغرب، لكن هل يمكن تصور سيدة اعمال من البرازيل تزور لندن ـ ان امكن ان تحصل على تاشيرة اصلا ـ وتطلع على منتجات اى شركة من شركات المستحضرات الطبية لتعود الى بلادها وتستخدم تقنياتها الانتاجية؟. هذا مستحيل طبعا، فامام البرازيلية سلسلة طويلة من رسوم الترخيص وحقوق الملكية الفكرية وحق الاستغلال، وسينتهى الامر بالحصول على مكونات وليس سر المنتج باعتبار ذلك حكرا للغرب وحده. اعادة انتاج الآخر فى صيف عام 1990، انتشرت لوحة اعلانية فى الاماكن المهمة فى لندن والمدن البريطانية الرئيسية الاخرى تحمل صورة مطبوعة لسجادة اسلامية الطراز تتوسطها ثلاثة اسطر باللغة الاوردو، وعلى الطرف الداخلى للسجادة مكتوب ايات ذهبية .وعلى الاطار الخارجى لصورة السجادة ترجمة انجليزية للمكتوب بالاوردو: «البيض أناس فى غاية الطيبة. بشرتهم بيضاء وناعمة جدا. شعرهم ذهبى وعيونهم زرقاء. حضارتهم هى افضل حضارة. فى بلادهم يعيشون حياتهم بالحب والود. لا يعرفون شيئا اسمه التفرقة العنصرية. البيض اناس فى غاية الطيبة». وعلى الرغم من ان الايات الذهبية كتبها فنان بريطانى من اصل باكستانى هو رشيد ارايين، فانها تدور اساسا حول المفهوم الغربى للذات والاخر. واستخدام السجادة والخط الاسلامى الشرقى على لوحة الاعلان ـ ما بعد الحداثية ـ يكمل الرسالة المقصودة. انها تبرز وتمحو الشرقى النمطى فى التصور الغربى فى آن. فهى تعكس شعور الاخر بالدونية تجاه الغرب وثقافته، وان ابرزت ملامح الاخر فى الصورة المقاربة للحقيقة برسم السجادة والخط على لوحة الاعلان المعاصرة. من المعروف ان الغرب مولع بالسجاد الشرقى، لكنه يميل دائما الى تدمير ما يسعى اليه ويطلبه. فالسمة الاساسية المبتغاة فى مثل هذا المطلب هى الاصالة، والاصالة فى الشرق ليست هدفا فى حد ذاته كما هى فى الغرب، بل هى عملية مستمرة لتاكيد الذات التى هى بالتالى ذات الجماعة/الامة، وليس التاكيد للذات الفردية كما فى حداثة الغرب. تمد ما بعد الحداثة الامر الى منتهاه بتدمير ذلك المبتغى: الاصالة. هكذا لا يمكن تصور مواجهة ما بعد الحداثى الا بالعودة للتقاليد والاصول عند الثقافات والحضارات الاخرى، وهذا ما يفسر تصاعد موجات الاصولية والسلفية فى العقود الاخيرة من القرن العشرين. لم يكن سردار اول من يدفع الى هذا التفسير للمد الاصولى، بل ان هناك من المفكرين الغربيين من اشار قبل عقد من الزمان الى ان القرن الحادى والعشرين هو قرن الدين. الا ان هؤلاء بداوا طروحاتهم بهذه الخلاصة مفسرين استنتاجهم بان ذلك انما ياتى كرد فعل على وصول الانهيار والتفكك» الاخلاقى فى الحضارة الغربية الى حده الاقصى ولا يتوقع ان تستمر البشرية فى هذا المنحدر ولديها ما يمكنها التمسك به كالدين. والقصد فى كتابات هؤلاء لا يقتصر على الدين المسيحى فحسب الذى شكل سياجا اخلاقيا لما قبل الحداثة وبدايات الحداثة فى فترة النهضة. من هنا تأتي اهمية الفصل الاخير فى كتاب بروفيسور ضياء الدين سردار، حيث يشير الى ان التقاليد والاصول سلاح ذو حدين. وثقافة الآخر لمقاومة ما بعد الحداثة ومواجهتها انما تكون بالابتكار الموازى بإعادة النظر فى التقاليد والاصول لتفادى التحجر والاندثار والتقوقع فى محميات ثقافية لا علاقة لها بمسيرة البشر. وعلى الرغم من ان الموضوع الذى يتناوله البروفيسور سردار يبدو على شيء من التعقيد، الا ان كتابه ممتع الى حد ان المرء يقرأه اكثر من مرة مكتشفا جديدا فى كل مرة. وربما يعود ذلك ايضا الى براعة المؤلف الذى عمل فى الاعلام وتمثل الثقافة العامة المعاصرة للمجتمع الذى يعيش فيه فجاءت لغة الكتاب ـ مثل بقية كتب سردار ـ سريعة وحاسمة (وما بعد حداثية بدرجة ما). والخلاصة التى ينتهى اليها قارئ الكتاب ان ما بعد الحداثة كمحاولة فلسفة التوجه ما بعد الصناعى للراسمالية الحديثة هى تمييع لكل شئ ونسف لكل ما ترسخ من قيم عبر تطور الانسان الحضارى. انها محاولة لتصوير كل شئ على طريقة نظرية «البصلة: طبقات متعددة من المعانى التى تصغر كلما ادركنا احداها بنزعها ثم فى القلب/الجوهر لاشيء. من الفوائد الاخرى التى يخرج بها قارئ الكتاب انه ربما يعيد قراءة اعمال ادباء ـ مثل ماركيز وأمين معلوف وميلان كونديرا ـ بعد اطلاعه على تشريح ما بعد الحداثة، ليكتشف ان هذه الاعمال لا تتسم باصالة شديدة، امريكية لاتينية او عربية او اوروبية شرقية. لكن من المهم الاشارة الى ان ذلك لا يقتصر على الادب والفن فقط، وانما يمتد ليشمل كل مناحى الحياة بدرجة او بأخرى.