بيان2: سينهض دائماً قبلي في الصباح، سيعدّ القهوة وهو يغني مع صوت فيروز المنبعث من المذياع، سيقول لي: القهوة جاهزة أيها الكسول، سأتململ في الفراش.. أتثاءب.. أتمطى ثم أتجه الى البلكون، حيث أصص الزرع والزهيرات المنداة بمرش الماء للتو، بينما في تلك اللحظة، تماما سيشرع عصفوره الوحيد بالغناء، سيكتئب قليلا، ثم ما يلبث ان يتجه للقفص، ثم يقول: يا عرص.. يا عرص، من الذي يطعمك؟ من الذي يعتني بك؟ سيحتج على سلوك العصفور دائماً، ولكنه لم يكن يدري أنه يستفز العصفور بصوت فيروز، وأن العصفور ينتقم منه لعدم سماع صوته. سنشرب القهوة معا، وسيلبس بدلته العسكرية، وستتدلى من جانبي كتفيه الضيقتين النجمة الوحيدة، يؤدي التحية لي ثم ينصرف. ما يتوجب عليّ القيام به خلال ذهابه الى المعسكر، سيسجله على ورقة بكل اناقة، ثم يلصقها على باب الثلاجة، لأنه مل من نسياني وقرف من العيشة معي، ولكنه لن يجد شريكاً مناسباً غيري في الشقة التي استأجرناها سوية. سأقرأ الورقة اولاً، ثم أبدأ في التنفيذ اولا بأول كي لا أغضبه: تنظيف البيت، ترتيب الاسرة، الذهاب الى السوق لشراء الخضراوات، وعندها سيفتح اللحام حديثاً معي عن قصف الطيران الاسرائيلي الدائم للجنوب، وسيقول لي لماذا لا تسقطون واحدة؟ وسأهزّ برأسي كالعادة، ثم آخذ منه قطعة اللحم المفرومة، وسأتغاضى عن كمية الدهن الزائدة فيها، كما أتغاضى دائما عما يدسه لي الخضار من حبات طماطم فاسدة، اذ انني لا أهوى معالجة هؤلاء الناس، ولذلك ستكون مشترياتي دائما اردأ بكثير مما يشتريه ماهر، وهي بطبيعة الحال أغلى ثمناً، سأتحمل ثورته وغضبه على أية حال، فهما اهون من الأخذ والرد مع الباعة. في التاسعة تماماً، سيكون الخبز الطازج معرضا للهواء على طاولة البلكون. وبينما اعد الافطار، سوف يناديني ابو سمير اللبان، سيقو لي: الله ينصر الفدائية، ثم يناولني ما أريد، وسيسجل الحساب لآخر الشهر، ثم ينصرف وهو ينادي جملته الممطوطة: حليييب. وعندها سأحمل صينية الإفطار الى حيث الخبز الطازج وأتناول افطاري بهدوء، في التاسعة وعشرين دقيقة، سألتفت يميناً نحو البلكون المقابل، منتظراً اطلالة ملكتي.. وكنت ادمنت انتظارها، ومتابعة حركاتها: هاهي تستيقظ الان، فالستائر تتحرك ببطء من خلف النافذة، لن تفتح النافذة مباشرة، وانما سوف تذهب الى الحمام، وربما ستقف امام المرآة وهي تنظف اسنانها، ستوزع بعضا من خصلات شعرها كما تهوى، ثم تذهب الى المطبخ لتعد القهوة، خلال ذلك ستعود للنافذة، تفتحها وكأنها لا تراني، وفي تمام التاسعة والنصف ستخرج الى البلكون، ستسحب كرسيا، ثم تجلس الى الطاولة البيضاء، سترتشف رشفة مع رفعة بسيطة من العينين لا يلحظهما غيري، ستراني وتطمئن، وعندها سأتشاغل بالأكل، وستتشاغل هي في رشف قهوتها، ولن يجرؤ أحدنا على الابتسام، وان تلاقت النظرات، فإنها سرعان ما تنشاح بادعاء العفوية، وان لا احدا يقصد الاخر. ساعة او بعض الساعة، ثم انهض او تنهض، اتجه الى حيث ملابسي المعلقة على المشجب، وسأفترض انها اتجهت الى خزانتها، سأرى انعكاس اشعة الشمس على المرآة التي انفتحت للتو، وسأتخيل عملية تبديل الثياب، ها هو قميص النوم يرمى على جانب من السرير، وها هي تقف محتارة كعادتها امام مجموعة الفساتين، ستقف طويلا، تختار واحدا، تعيده.. تختار واحدا اخر، وسأعرف انها ملت ثيابها، ولكنها مضطرة اليها، وأخيرا سترتدي فستاناً او تنورة، ثم اخرج مسرعا الى البلكون منتظرا خروجها، وستخرج فعلا في الحادية عشرة، وسأظل واقفا ارقبها بشيء من الجرأة، حتى تستقل سيارة اجرة وتذهب. وعندها سأحمل كتابا فلسفيا من تلك الكتب التي لن استطيع فهمها ما حييت، ثم أذهب الى مقهاي، وهو مقهى يرتاده: صحفيون، كتّاب، مخرجون سينمائيون، شعراء حالمون، وتجار عملة، ومتقاعدون.. سأجلس الى طاولة قريبة من الواجهة الزجاجية، وسأذهب في مراقبة الطريق والمارة، سأتعب، ثم افتح الكتاب لتبدأ معاناتي.. رباه ما هذا الكلام الصعب؟ كيف يكتب هؤلاء المفكرين هذا الكلام الغامض؟ لمن يكتبون؟ سأرغم نفسي على الفهم، وسألخّص ما أقرأ. أكتب وأكتب، ثم أقلب الورقة محاولاً التذكر.. لا شيء فيكون الحل بحفظ مقاطع صما، فأبدأ بمقطع اعجبني لفوكو وهو يتحدث عن التصنيف، سأردد ما قاله المرة تلو المرة، ثم أنظر حولي مخافة ان ينظر اليّ احدهم، ويعرف ما هي مشكلتي، عندها سأخجل، وسيحمرّ خدايّ من توقّعي هذا، ولكن جموع المثقفين ستكون منهمكة في النقاش الدائر هذه الأيام عن أزمة الثقافة العربية، وعن بيانية العقل العربي، التي اثارها محمد عابد الجابري، فأقرر شراء كتبه في أول معرض يقام، ومن كل ذلك فإنني تقت حقيقة الى التعرف اليهم، وسيحدث ذلك بعدما يقرأ أحدهم عنوان كتابي، سيقول: اوه ميشيل فوكو، ثم انضم الى طاولتهم، وسأحاول اثبات ثقافتي عبر ما حفظته صما على هامش فوكو وبورخيس، وسيسرون بي، وعندها سيعرفون أنني ضابط مجنّد في سلاح الصواريخ، وأنني من الشمال السوري، هناك حيث نهر الفرات والبادية والجزيرة السورية الفائضة بالغلال والخيرات، وبعد ذلك سأستفيض بالشرح عن الصواريخ ودورها في اسقاط الطائرات خلال حرب تشرين، وعن ثقتي التامة بالنصر القريب. سيفرح اصدقائي الجدد، وسيعزون تفاؤلي هذا الى صغر سني وقلة تجربتي، اذ انني حتى ذلك اليوم لم أدخل عتبات الرابعة والعشرين، بينما كانوا جميعاً كهولاً وعلى عتبات الشيخوخة، ولكنهم رغم ذلك بدوا لي كأصدقاء حقيقيين، سرعان ما أدخلوني اجواءهم، وبت فردا منهم، اجالسهم في يوم عطلتي التي تأتي بعد يومين من المناوبة في القطعة العسكرية، وهكذا فإنني وزميلي ماهر لن نلتقي الا في يوم ونصف اليوم، وسأوافق على المضيّ معه الى السينما، اما ماعدا ذلك فإنه سيرابض على البلكون كنمر، ولن يغادره الا الى النوم، وسأحاول عامداً تجاهل مراقبته الدائمة لنافذة ملكتي، ولن اعتبر ان ذلك تطاولا على حقوقي، سيما وأنني حتى تلك اللحظة لم أتمكن من الابتسام بوجهها. بل إنني بت حريصاً على مغادرة المنزل، دون ان التزم معه بجولة في شارع «الرايات»، نحاول خلالها استمالة الصبايا الفاتنات، وسأذهب الى المقهى بالطبع، فهو المكان الوحيد الذي بات يجذبني، وسيفرح ماهر بذلك.. أشعر بغبطته من خلال حركة يديه وهما تعالجان السكر في كأس الشاي الشفافة، وسيصدر للملعقة رنين خاص، وعندها سأقول له: لا تسرف كثيرا في السكر، وسيقول لي: الحلو للحلوين، وسينتظر بعدها ما سأقوله، ولكنني سأنصرف، وأنا على قناعة تامة، ان حبيبتي لن تستجيب له، وسأتمادى أكثر، وأقارن بيني وبينه، فأرجّح كفتي من حيث الجاذبية والطول والوسامة، وأذهب الى المقهى باطمئنان. الصحفي المخضرم، والمشرف على الصفحة الثقافية بصحيفة «الأخبار»، سيرفع فنجان القهوة بوقار الى شفتيه، يرشف رشفة، ثم يقول لي: الا تكتب شيئاً، وسأقول له بصوت مرتفع قليلا: أكتب فوضاي، وبعض تخبطاتي. ستعجبه اجابتي، فيمد يده الى حقيبته التي ترافقه اينما حل ورحل، يخرج كتابا، ثم يشير بيده قائلاً: وهذا بعض فوضاي ايضا، سأهديه لك. بعدها سيسألني عن اسمي كاملاً، وسيحرر اهداء مليئاً بالحكمة، سأمد يدي، أتناوله بحبور، وأقرأ عنوان المجموعة القصصية، فيأتيني صوته بنبرة ابوية حقيقية: تستطيع الكتابة عنه لو شئت. وفي تلك اللحظة تماماً، ستتلاشى المسافة بيننا، الطاولة المغطاة بقماش ابيض سوف تزهر، وسأرى الزنابق تحتشد فوقها، وستخرج الحروف من فمي مشتتة في كل اتجاه، ولن يتمكن الصحفي من ضمها في خيط واحد، ولكنه على كل حال سيسعد، عندما أعده بالكتابة بتوفر الظرف المناسب. في الثالثة والنصف وعلى طاولة البلكون، سأضع الكتاب المهدى اليّ، وسيقرأ ماهر الاهداء حتماً، وسيقول لي دون ان يفتح الكتاب: اهذا شعر؟ وسأقول له: ألم تقرأ ما كتب على الغلاف.. انه كتاب قصصي. وسيرمي به جانباً. سيقولك أنا أهوى قراءة نزار قباني وشعر الغزل. وسأعتبر كلامه كلام جهلاء في دنيا الادب، وسأهرع الى كتابي الجديد، بينما يتجه الى عصفوره، فيناجيه بمقطع لنزار: «ويوم أجيء اليك لكي استعير كتاب لأزعم اني أتيت لكي استعير كتاب تمد اصابعك المتعبة الى المكتبة وأبقى أنا في ضباب الضباب كأنيّ سؤال بلا جواب أحدق فيك وفي المكتبة.. تراك اكتشفت؟ تراك عرفت؟ بأني جئت لغير الكتاب وأني لست سوى كاذبة..» ستذهلني هذه اللفتة الذكية من ماهر، وسأعتبره من هذه اللحظة بطلا ينضاف الى قائمة ابطالي، اتجه اليه، احضنه: انت شاعر حقيقي سأقول له. ويجيبك لا، وإنما احفظ سائر اشعار نزار. ارد: لا يهم.. لا يهم، انما اختيارك للمقطع المناسب هو المهم. وسيقطع ماهر عليّ اندفاعي وحماسي، سيعود للطاولة، يقول: هل تريد بعض التفاصيل الاضافية، وسأهز برأسي، فيردف: «يوم كنا في الجامعة، وفي مساء خريفي بائد، التحقت بمجموعتنا طالبة جديدة.. فتاة كسائر الفتيات، ولكنها كانت تتميز عنهن، باثنتين: ابنة دبلوماسي بارز، وتحفظ كل ما كتبه نزار. لقد الهبت مشاعرنا برواياتها الشعرية الفائقة العذوبة، فأحبها سائر طلاب المجموعة، فلم نعد نرى الأشياء حلوة ورائعة الا معها، حتى ان زميلاتنا الاخريات غرن منها، فرحن يفبركن قصصا كثيرة عنها. ذات يوم، أعلنت «نهلة»، وكان هذا هو اسمها، بأن من يحفظ اشعار نزار، سيكون صديقها الأثير، فقبلت التحدي، ورحت استعير كتبه منها، باختصار كانت الكتب تزيد على الثلاثين، فكم تتوقع استغرقني حفظها؟ ربما سنة او بعض سنة، قلت. فضحك ماهر بأسى، ثم تابع: في نهاية الشهر الرابع كنت حفظتها كلها، وكان زملائي قد أعلنوا استسلامهم في وقت مبكر، فكنت البطل.. أنا الضئيل الحجم والجلدة على عظم انتصرت، وكان ذلك انتصاري الأول والأخير.. كان ماهر يروي لي قصته وهو يوشك على البكاء، لم أجسر على حثه لمزيد من الكلام، فقد أدركت ان ثمة مأساة يخبئها عني، وطال الصمت بيننا في تلك الامسية، فملت نحوه مودعاً اخذت كتابي وضممته كفتاة نزار، وخرجت كي اجد مكاناً يتيح لي قراءة الأقاصيص، فأين اتجه؟ حتما لن اذهب الى المقهى والكتاب بيدي، سأقرأه اولا، وسأحاول الكتابة ثانيا، وان نجحت، سأقول للصحفي تفضّل، هذه كتابتي. ولكن الى اي سماء سأذهب؟ كان مساء تاريخيا بكل ما تعنيه كلمة «تاريخيا» من معنى يستخدمه الساسة والمثقفون.. ان التقيها هكذا صدفة في إحدى المكتبات.. أن استقبل ابتسامة طفل هربت من فمها للتو، وان أتقدم نحوها مصافحاً، فأختلج من أعماقي وأأسف لتلك اللحظات الغبية التي جعلتني اتسمر في البلكون، دون ان اتبعها، لأعرف اين تتجه، وماذا تعمل.. لا يهم، فالان عرفت مكان عملها، فماذا تبقى؟ كان عليّ أن اقدم نفسي، وكان عليّ ان أعرف صاحبة المكتبة الودودة اللطيفة الرائعة، ثم أطوف معها ارجاء المكتبة لكي انتقي مجموعة من الكتب، وكل ذلك سار سيرا حسنا وأكثر مما كنت اطلب، بل اكثر بكثير مما كنت احلم، وكان عليّ في تلك اللحظات الأثيرية ان ادعوها لأي مكان، ففعلت، ثم تماسكت يدانا واتجهنا الى الشاطيء. ويا لسماء الشاطيء في تلك اللحظات العابقة بعطرها.. كانت صافية تماما، فتواطأت النجوم مع شعرها المسترسل، اما القمر الفضي فكان أجمل قمر رأيته في حياتي، راح يداعي الأمواج المتتالية بعذوبة وبفيض من أنواره، فمشيت وقافلة الزهر.. مشيت مزهواً، سعيدا كل السعادة باليد الدافئة، برائحة انفاسها، فذبت رقة.. ذبت حتى شعرتني خارج الزمن.. انسان اثيري ما عاد له وزن، فطرت حولها كفراشة.. وتعددت لقاءاتنا بحكم اهتمامي الثقافي، وكان ان حكيت لها كل شيء.. كل شيء بما في ذلك وبثقة اكيدة، حكاية ماهر وحبيبته ونزار، وعن حفظ ماهر لأشعار نزار كتحد رجولي لامرأة فاتنة وعن الألم الصامت الذي يعيشه، كان لابد من أن احكي ذلك، وربما بالغت بعض الشيء. الا ان كل ذلك كان له وقعا حسنا لدى «دنيا»، وهذا يكفيني بالطبع. وعندما نشر الصحفي المخضرم كتابتي عن مجموعته، اعتبرت هذا اليوم هو يوم عيدي الحقيقي، وسأقرر الاحتفال به كل عام بدلا من يوم ولادتي الحقيقي، وسأطير الى «دنيا» لأقول لها ما قاله الأصدقاء في المقهى من أنني مشروع ناقد ممتاز، وستطرب لهذا الكلام كثيراً، وبطبيعة الحال ستكون هذه الدفعة المعنوية من «دنيا» وأصدقاء المقهى ايجابية، وسأخرج من حيز الأحلام والرؤى الهلامية الى حيز الفعل، اليس هذا اسمي مطبوعا بالبنط العريض، اذاً سأشرع من هذه اللحظة في تحرير العالم، هذا العالم الذي تجرأت ونظرت في وجهه لاول مرة دون احساس بالخوف. واذا كانت «دنيا» اكتفت بهزة من رأسها في دلالة على الموافقة، الا ان ماهرا سيهزأ باندفاعي هذا، وسيقول لي انه يعرف كاتبا كتب كتبا كثيرة، ولكن كتاباته لا تطعمه الخبز، وعندما حاولت مناقشته اشاح بوجهه قائلاً: تعلم كار النجارة او الحدادة احسن لك. وسأعتبر كلام ماهر هذا اهانة لي، كيف يقول ذلك وقد اتخذت قراري بالشروع في تحرير العالم، سأخاصمه يومين، ولن يوقظني كعادته، ولن يشتم العصفور، سيذهب حزينا الى المعسكر، وسأنهض بعد ذهابه، ولكن قبل ان تفتك بنا وساوس الشيطان سوف نعود ونتصالح، وعندها سأستغل هذه العواطف التي نشبت بيننا من جديد، وسأصارحه بأنني مازلت منشغلا بنهاية قصته عن صديقته ونزار، سيبتسم بحزن، وسيقول لي لقد ماتت، سيسكت قليلا، ثم يؤكد بأسى نابع من القلب: ماتت فعلا. وسيثيرني الامر: ماتت؟ كيف ماتت؟ سيقول: ماتت خلال الاجتياح الاسرائيلي لبيروت. ولن أسأله أكثر، ولن أسعى مجددا لنكء الجراح، وسيطول بنا الصمت في تلك الأمسية الرطبة، ثم ما يلبث ان يقول: لقد نسيت كل ذلك، فأنا الان اعيش قصة حب حقيقية. وسيفرحني قوله، ولكن المفاجأة سوف تعقد لساني من جديد، عندما سيقول لي: رتب نفسك مساء كي نذهب ونخطب جارتنا. لن أعترف بهزيمتي، وسأحاول تبريرها دائماً بتلك التبريرات التي اعتدنا نحن ـ المثقفين ـ فبركتها مع كل انكسار، وما اكثرها؟ ولكن ماهرا وبدءا من هذا المساء، سينشغل على الدوام مع حبيبته، ولن أعاود للجلوس في البلكون بانتظار خروج الملكة، ولن تمضي أيام محدودة حتى أغادر الشقة الى اخرى، وستتباعد لقاءاتنا، لفترة، ثم تنقطع نهائيا بعدما سرحنا من الجيش بانتهاء خدمتنا العسكرية. كعادته كان الطقس حارا، بل حارا جدا، وعلى الرغم من ذلك فان هاتفي النقال كان قد اصابه الخرس، بعد ان وقع مني وانا ارد تحية احدهم، فذهبت لاسعافه نحو أحد المحلات الكثيرة في شارع «صلاح الدين» وعندما وجدت موقفا مظللا لسيارتي، اتجهت الى أقرب محل هربا من اللهب الذي كانت الشمس ترسله فوق رؤوس المارة القلائل في مثل هذا الوقت من النهار، وسأنتظر صاحب المحل ريثما ينهي مكالمته على التلفون، سيشير اليّ ان اجلس، وسأجلس على كرسي قريب، وعندما ينتهي من حديثه، سأخاطبه بتلك اللغة التي تعلمناها جميعاً هناك رفيك هذا تلفون مو بزين، فيه خراب. ولكن الرجل سيتأملني طويلاً، سيبتسم، وستضيء ابتسامته موجاً بعيداً، وسأتساءل لحظة اين رأيت هذا الوجه، أين؟ وفي تلك اللحظة تماما سيسعفني قائلاً بلغة عربية سليمة: ألست انت الملازم المجند سامر فوزي، وسينهض عن كرسيه فاتحاً ذراعيه.. أنا ماهر، ألم تتذكر صديقك ماهر؟! وتعانقنا.. كان لقاء عاصفاً، فها أنا ألتقيه مجددا بعد ثمانية عشر عاما، صحيح انه تغير كثيرا من ناحية جسده الذي انتفخ وامتلأ شحماً ولحماً، الا انه ظل الرجل الذي اعرفه: الروح المرحة، والطيبة الرائعة، وعندما نشرع في ردم الهوة الزمنية الكبيرة، سيسألني قائلاً: قبل كل شيء هل اصبحت كاتباً. سأهزّ رأسي بالإيجاب. ثم يردف: هل تزوجت؟ وسأقول له بندم حقيقي: مع الأسف لا؟ فيضرب كفا بكف، سيهز رأسه أسفا، فيقول: ابني الكبير في الجامعة، والبقية في مختلف المراحل، بل لدي اثنان اخران لم يدخلا المدرسة بعد. اما الان فتعال اريك مملكتي. سيأخذ بيدي، ونخرج الى الشارع. كانت مملكة حقيقية، بل اسطورية قياسا بدخلي المحدود، ستة محلات تحتل نصف شارع فرعي لبيع الهواتف وزينة السيارات، وكلها تعمل بانتظام بإدارة ماهر، وخلال طوافنا بمملكته سوف يرد على كثير من المكالمات، ثم ما يلبث ان يقفل الخط على طريقة رجال الأعمال الذين يستقبلون ضيفا مهماً. وبعد انتهاء الجولة، سيدعوني لتناول الغداء في بيته، وعندها سأعتذر، ولكنه سيصر على دعوتي للتعرف على زوجته واولاده. وسأخجل، وأوافق بعدما شعرت انه سيحزن كثيرا ان لم الب دعوته. وهكذا مضينا نحو بيته الذي كان مملكة عامرة بجيش من الأبناء والحب، اما الملكة التي لم أجسر على الابتسام بوجهها، فقد كانت تجلس على عرشها هادئة مطمئنة.. لقد كانت ملكة حقيقية. ـ قاص وناقد سوري يعيش في الامارات