بيان 2: من زمان.. ومن يوم تفتحت عيناي ومعها أذناي على نشرات الأخبار مقروءة.. ومسموعة.. ثم مرئية، وعبارة «في هذه الظروف الحاسمة.. أو «الحرجة» او «الصعبة».. التي تمر بها أمتنا» تكاد تصبح الاستهلال التقليدي الذي لا يتغير لكل خطاب هام ـ وهو أيضا دائما هام ـ لأي مسئول او متحدث عربي كبير الشأن والمنصب في كل مناسبة وفي كل لقاء جماهيري..، لم أقرأ.. ولم أسمع.. ولم أشاهد أبداً وحتى كتابة هذه السطور مسئولا يخطب فيقول: «في هذه الظروف السعيدة التي نمر بها»، فالظروف عند كبارنا وزعمائنا دائما اما «حرجة» واما «حاسمة».. وإما «صعبة».. وإما «دقيقة»، وهي على هذا الحال في كل الاحوال، سلما وحربا.. رخاء وعسرا.. استقراراً او عدم استقرار، وسبحان من يغيّر ولا يتغير..! ولما كان من القواعد المسلم بها في دول عالمنا الثالث ان «الحكومة هي الشعب» وليس العكس، فإن كل حكومة تعتبر نفسها تلقائيا ـ وبمجرد جلوس اعضائها على كراسي الحكم ـ ممثلة للشعب ومعبرة عن آرائه «التي هي اساسا آراؤها» وممثلة لاتجاهاته «التي هي أصلاً تجاهاتها»، ان تداعى عضو من أعضائها يصبح لزاما على الشعب ان يتداعى له بالسهر والحمى والسؤال عن صحته، اما اذا تداعى بعض الشعب او كله فمسألة تخصه وحده، لا تلزم الحكومة ولا تهمها في شيء، وبناء على ذلك فإنه اذا كانت الحكومة «تعبانة» فواجب الشعب ان يصبح «تعبانا» تضامنا مع الحكومة، واذا كانت الحكومة «مبسوطة» يصبح لزاماً على الشعب ـ مهما كانت همومه ومتاعبه ـ ان ينبسط ويعلن انبساطه على الملأ، زعل الحكومة وانبساطها يجب ان ينعكس تلقائيا على الشعب، اما زعل الشعب او فرحه ـ اذا تصادف وكان فرحاناً ـ فأمر لا يخص الحكومة ولا يلزمها بشيء، بل انه قد يعد نوعاً من التسيب والخروج على السلطة، لأنها هي الوحيدة المخولة بحق السماح للشعب بالفرح والانبساط.. او بالحزن ولطم الخدود، انطلاقا من حالة الحكومة النفسية في هذا الوقت او ذاك..! ومن هنا ندرك تلقائيا ان بيان الحكومة.. او خطاب المسئول الحكومي الكبير اذا اعلن في يوم من الأيام ان «الظروف التي تمر بها البلاد صعبة.. او حرجة» فمعنى ذلك ـ ودون الحاجة الى ذكاء من أي نوع ـ ان ظروف الحكم والحكومة هي التي «صعبة او حرجة»، وعلى الشعب في مثل هذه الأحوال ان يكون ـ ذوق ـ وأن يقدر ظروف حكامه وحكومته الصعبة، فلا يرفع صوته بالشكوى من الغلاء او البطالة مثلا، ولا ينكش في المسائل التي تثير حساسيتها او تعكر دمها، كالكلام عن الديمقراطية.. اوالمطالبة بحرية الرأي، فهذا ليس وقته، لأن الظروف التي تمر بها أمتنا ـ والتي اوضحها بيان الحكومة او خطاب الحاكم ـ حاسمة.. وحرجة.. وصعبة..! الغريب في الأمر انه في الوقت الذي يتم فيه الاعلان عن هذه الظروف التي هي «مش ولابد»، ترى من اعلنها مطالبا الناس بالتأهب والاستعداد لمعركة المصير، تراه يتصرف وكأنه لا يعلم شيئا عن الظروف التي تفضل بإعلانها والتي افاض في الحديث عن صعوبتها، وكأنما هي مسئولية الشعب ان يحس وحده.. وان يقدر وحده.. وان يكون عند حسن ظن الحكومة، فلا «يوجع» قلبها بمطالبه، ولا يزيد ظروفها صعوبة بالحديث عن مشاكله ومتاعبه،.. كل شيء يجب ان يؤجل.. وان يوضع على الرف ـ وما أكثر الرفوف الجاهزة ـ الى ان يفرجها الكريم بظروف احسن، اما متى يحدث هذا الفرج.. ومتى تنتهي صعوبة هذه الظروف، فعلم ذلك عند الله وحده.. واللهم لا اعتراض..! في هذه «الظروف الصعبة» التي تطالب الشعب بالانضباط.. وبترشيد الانفاق.. وبربط الأحزمة على البطون، نرى من رفعوا شعاراتها وطالبوا الشعب بمراعاتها، يعيشون في رفاهية.. وتقام لهم الحفلات والاستقبالات وليالي الف ليلة وليلة بمناسبة وبغير مناسبة، ونراهم يطوفون العالم من اقصاه الى أقصاه بمواكب ووفود تكفي مصاريفها لحل كل مشاكل البلاد، بحجة شرح ابعاد القضية.. او الدعوة لإقرار السلام الذي هو عادل.. او عقد الاتفاقيات الثنائية.. والثلاثية.. وما هو أكثر، ثم لا ينسون طبعا في كل لقاء او زيارة مد الايادي لتلقي المعونات.. والهبات.. والقروض.. تحت شعار «من قدم شيئاً بيديه التقاه».. و«حسنة قليلة تمنع بلاوي كثيرة».. و«هنيالك يا فاعل الخير».. وكله بثوابه عند الله..!! ويا أيتها الظروف.. الصعبة.. او الحرجة.. او الدقيقة.. او الحاسمة، كم انت صعبة. ومتعبة.. وشاقة على الناس الغلابة، وكم انت فرصة ذكية ومتجددة لاسكات كل صوت تسول له نفس صاحبه ان يرتفع فوق صوت المعركة.. معركة البقاء على الكرسي.. ومعركة كتم انفاس الشعب.. ومعركة الشعلقة لاطول مدى بأستار السلطة والسلطان، وكلها ـ كما هو معلوم ـ معارك صعبة.. ودقيقة.. وحرجة.. وحاسمة..!!