بيان2: مع مغيب الشمس على الحدود الامريكية المكسيكية أطل رجلان من بين الاشجار الكثيفة المجاورة لامتداد ضيق من النهر. كانا يرتديان ملابس داخلية فقط، ويمسكان بأكياس مبطنة ومحشوة بأمتعتهما واطارين داخليين، منفوخين بالهواء، وبعد انسلالهما الى مياه النهر، سرعان ما يسبحان الى ما وراء السور الذي يمثل الفاصل بين العالم الثالث والعالم الأكثر ثراء على وجه الارض. لقد نجحا في الوصول الى الأراضي الامريكية، لكن سرعان ما يتم اكتشافهما من قبل حرس الحدود الذين يصرخون لهما ان يعودا من حيث اقبلا، هذا هو كل ما بوسع السلطات الامريكية ان تفعله والقفز مجددا الى الماء هو الخيار الوحيد. انه نهر «نيو ريفر» الذي يفوح قذارة وعفونة ويطفو على سطحه ركام التلوث وكأنه حمام من الفقاعات السامة، وهو يعد بقعة المياه الأكثر تلوثا في سائر أنحاء امريكا، ومع ذلك ففي كل عام يقطعه ألوف الاشخاص سباحة وبشكل غير شرعي من المكسيك الى ولاية كاليفورنيا الامريكية المجاورة. وفي هذه الحادثة يهلع الرجلان عندما يسمعان صراخ حرس الحدود ويعودان ادراجهما سابحين ضد التيار الى الضفة المكسيكية. وعندما يخرجان من الماء وقد كستهما عناصر التلوث تؤخذ بصماتهما ويطلب منهما الرجوع الى المنزل والاغتسال جيدا. وحالما يتأكد الحرس من خلال قواعد البيانات الحاسوبية انهما ليسا مطلوبين للعدالة فإنهم يحرصون على اخراجهما من مكاتبهم بأسرع ما يمكن خشية انتقال التلوث اليه. «نيو ريفر» أو «النهر الجديد» تم ايجاده صناعيا في أوائل القرن الماضي في مشروع سيء التنفيذ لتمويل مجرى نهر كولورادو، بغية تأمين الري لمزارعي وادي «امبريال فالي» بولاية كاليفورنيا. ولتجنب الاصطدام بعقبات الانظمة الفيدرالية الامريكية شق المهندسون القناة ابتداء من اراض مكسيكية، لكن كانت هناك عيوب كبيرة، وانهارت ضفاف النهر الجديد فظل يتدفق بشكل خارج عن السيطرة طيلة عام ونصف العام. واليوم هناك ثلاثة مصادر للتلوث هي مياه المجاري غير المعالجة من بلدة مكسيكالي على الجانب المكسيكي ومياه الامطار الجارية في المزارع المجاورة على كلا جانبي الحدود ومصبات المصانع التي تملكها شركات امريكية. خطورة الخوض ويقول فيل جرونبرج من ادارة موارد المياه في ولاية كاليفورنيا: «ان الخوض في هذه المياه خطر جدا على البشر، لأنها محمل بالكائنات الدقيقة المسببة للأمراض، لكن من الصعب معرفة عدد الأشخاص الذين يصابون بالجراثيم خلال عبورهم النهر لأنهم حالما لا يصلون الى كاليفورنيا فإنهم نادرا ما يطلبون المساعدة في الدوائر الصحية الرسمية. وما بين شهري اكتوبر 1999 ويوليو 2000 قضى 50 شخصا خلال عبور الحدود بما في ذلك 28 لقوا حتفهم غرقا وسبعة ماتوا من فرط الانهاك والحرارة في الصحراء. وتأوي مياه «النهر الجديد» 28 فيروسا مختلفا بما في ذلك شيجيلا والسالمونيلا والتيفوئيد وكولي وشلل الاطفال والتهاب الكبد الوبائي والمكورات العنقودية، كما يوجد ايضا مواد كيماوية عالية السمية مثل «د.د.ت» والمبيدات الحشرية. وقد أظهر اختبار اجري مؤخرا في الموقع ان مستويات بكتيريا البراز البشري في النهر أعلى بـ 40 الف مرة من المستوى المطلوب لاغلاق أي شاطيء امريكي، كما تبين ان مستويات جرثومة أي كـولي تزيد بـ 400 مرة عن حد السلامة. بعض المهاجرين غير الشرعيين يدركون المخاطر التي يخوضون غمارها، لكنهم قد لا يقدرون مدى خطورة الوضع، وقد شاهد حرس الحدود بعض الآباء والامهات يغطون صغارهم بعناصر التلوث السامة كنوع من التمويه. وهناك ايضا العديد من الناس الذين لا يعرفون شيئا عن البيئة التي يسبحون فيها. لكن حتى لو كانت المخاطرة تصل الى حد المغامرة بالحياة، فإن العديد من المكسيكيين يعتقدون ان ليس أمامهم خيار آخر اذا كانوا يرغبون بالعمل، فنسبة البطالة في المكسيك مستمرة حاليا في حدود 60%، وحسب توقعات لجنة الامن الاجتماعي في المكسيك فإن النسبة قد تصل الى 70% مع حلول عام 2010 اذا واصلت ارتفاعها على الرقم الحالي. وفي الوقت الحاضر يعتقد ان حوالي الف مكسيكي يعبرون الحدود (بمجملها وليـس فقـط منطقـة مكسـيكالي) كـل يـوم وتدرج الدراسات ان تستمر هذا الوضع لخمسة عشر عاما اخرى على أقل تقدير. ولأن اجور العمالة في امريكا أعلى بعشر مرات من افضل الاجور في المكسيك فإن أسرا بأكملها تشد أحزمتها وتقدم على مغامرة عبور الحدود جمعاء أو فرادى. وقد انشأت السلطات المكسيكية هيئة لتحذير الذين يفكرون بالهجرة غير الشرعية في دخول المياه السامة في النهر الجديد، لكن بسبب نقص الكوادر والتمويل فإن نشاط الهيئة يقتصر على توزيع المنشورات ونشر التحذيرات بين السكان المحليين. وتعتقد الدكتورة يوجينا مكناوتن من وكالة حماية البيئة الامريكية انه بدلا من التركيز على وسائل منع المهاجرين غير الشرعيين في عبور الحدود والتي يبدو انها غير مجدية يجب النظر في ايجاد حلول أعمق تنطوي على تغييرات جذرية في الطريقة التي تنظر فيها امريكا الى جيرانها وراء الحدود وتقول مكناوتن: «أقل ما يمكن قوله عن سياستنا في قضية الهجرة انها سياسة مضادة للانتاج، فنحن نحتاج الى عمال لكننا نجعل وصولهم بطرق قويمة الى الولايات المتحدة أمرا مستحيلا ونرفض معاملتهم على انهم قوة عاملة حيوية مع انهم في حقيقة الأمر كذلك شئنا أم أبينا. علي محمد