بيان2: عندما تدنو الشمس من مغربها، وتتطاول الظلال في شبه الجزيرة العربية، تبعث الحياة في الكهوف الجبلية، اذ تتعالى اصوات رفرفرة الاجنحة، بينما تعيد خفافيش الفاكهة ترتيب صفوفها على مجاثمها، وتنشر اجنحتها استعداداً لليلة طويلة حافلة بالولائم، وتصطبغ قمم الاشجار باللون الاسود، بينما تراوغ الخفافيش الاكبر حجمـاً، متنافسـة على المواقع الجيدة للإقلاع. وعند الغسق يتدفق سادة الليل اولئك الخارجين من الكهوف والمغارات ومن قمم الاشجار متجهين الى الاراضي الصحراوية الغنية بالغذاء. ومن المستهجن ان نفكر بإمكانية حصول خفاش الفاكهة على غذائه من البيئة الصحراوية، لكن الواحات والوديان كانت في يوم من الايام غنية بالتين البري والبلح البري وغابات السدر «النبق». الخفافيش وأشجار الفاكهة كلاهما يحتاج الى مصدر جيد، ولذلك تجد انتشارها محصورا في المناطق الاقل جفافاً في شبه الجزيرة العربية. وتقطع هذه الخفافيش خلال ساعات الليل مسافات كبيرة متنقلة من واحة الى أخرى ومن واد الى غيره بحثاً عن الفاكهة، ومع انتشار انواع الاشجار التجارية مكان الانواع الطبيعية، تزايدت اوجه الصراع بين الخفافيش والبشر. ومع ان الخفافيش لا تمانع ابداً في العيش جنباً الى جنب مع الناس فإن البشر يجدون مشكلة في ذلك. ويلعب هذا النوع من القوارض دوراً كبيراً في البيئة الصحراوية، فهي تخصب الازهار، والاهم من ذلك انها تنثر البذور ايضاً، والا فكيف يمكن للاشجار ان تمتد الى مناطق جديدة؟ وعندما تتكدس أعداد كبيرة من الخفافيش في منطقة معينة غنية بالاشجار ذات الثمار. تبدأ المعركة بين المزارع والخفاش. فالمزارعون يعمدون الى لف بعض الثمار الناضجة على الأشجار بأكياس كثيراً ما تكون قاتلة للخفافيش التي تحط على الاشجار للحصول على وجبة سريعة فتعلق بها. وبينما تزداد الفاكهة ندرة بسبب استنزاف المياه وهجوم المدنية على الاراضي البرية، تتجه الخفافيش اكثر فأكثر الى الاشجار الزراعية التجارية، وهو ما يزيد من حدة الصراع بينها وبين البشر. تتشبث الخفافيش بقوة بمواقع مجاثمها، وتقطع مسافات طويلة للوصـول الى الأشجار المثمرة. ويوجد على المجثم الواحد كلا الجنسين من هذه القوارض، وهو ما يشير الى تركيبة اجتماعية تنطوي على تعددية الازواج والزوجات. انها حيوانات لا تهدأ، حيث يمكن سماع رفرفة الاجنحة بلا انقطاع، بينما تتبادل الخفافيش اماكنها خلال ساعات النهار. وهي لا تلجأ الى السبات خلال شهور الشتاء الباردة، بل تنتقل من الكهوف الباردة الرطبة الى مناطق اكثر دفئاً. ومن المؤسف ان الكهوف والاشجار المستخدمة كمواقع لجثوم هذه الحيوانات تتعرض للتخريب المتعمد. الشتاء في شبه الجزيرة العربية بارد نسبيا والضباب والندى يتبخران في وقت متأخر من الصباح عندما تتنامى اشعة الشمس الكسولة لتدفئة الصحراء. وبينما تستيقظ الحيوانات النهارية مرتعشة في هواء الصباح القارس، تتدانى الحيوانات الليلية من بعضها التماساً للدفء وتستسلم للنوم. وتستيقظ في الليالي الباردة الرطبة، حيث تكون النباتات الجافة مثقلة بالندى وتناضل للعودة الى الحياة وتبدأ الاشجار المثمرة بالازدهار في اواخر الشتاء وبداية الربيع. وواقع الامر ان الخفافيش لا تدخل في حالة سبات تام، بل تمضي في نوع من خدار البرد «تنخفض درجة حرارة الجسم ويتقلص معدل الاستقلاب» وتخرج منه بشكل متقطع للبحث عن الازهار. وقد طوّرت الخفافيش استراتيجيات متنوعة للتكيف مع وضعية العيش رأساً على عقب. فكيف لكائن حي ان يأكل في هذه الوضعية من دون ان يصاب بعسر هضم؟ ولماذا يعيش الخفاش متدلياً من قدميه بهذه الطريقة؟ ان التدلي من المجاثم يمكن الخفافيش من الانطلاق بسرعة. فكل ما على الخفاش فعله للتحليق افلات قدميه ونشر جناحيه. كما ان معظم الكائنات الليلية المفترسة «لاسيما البومة» تهاجم من الاعلى. والتعلق رأسا على عقب من غصن الشجرة يسهل على الخفاش الهروب من المفترس بالتحليق الى الاسفل. وللخفاش جهاز هضمي متخصص يمكنه من تناول الطعام وهو مقلوب رأسا على عقب. فقد طوّرت هذه القوارض صمامات وعضلات تسمح بمرور الطعام باتجاه واحد فقط، عكس الجاذبية الارضية. تحوم خفافيش الفاكهة وتملأ افواهها بالفاكهة او تأخذ ثمرة كاملة وتطير الى مجثم قريب فتأكل وهي معلقة رأساً على عقب حيث تسحق الثمرة مستخلصة كل عصيرها وبعض اللب الذي يتم ابتلاعه قبل ان يبصق الخفاش ما تبقى من اللب والبذور. وهناك صمامات خاصة في قاعدة الجمجمة لضمان عدم هبوط كمية زائدة في الدم الى الرأس وضمان وصول ما يكفي من الدم الى القدمين وهو ما يمنع حصول ضغط مفاجيء في الرأس.