بيان2: قد لا تكون بلجراد مدينة بديهية لقضاء عطلة، أو مقرا للاستراحة والاستجمام يقصده الناس. فهي لا تضم معالم براغ الهندسية ولا تطور بودابست حيث يمر نهر الدانوب بجلال وسحر بين المدينتين التوأمين «بودا» و«بس»، ولا تتمتع بلجراد حتى بالتجانس الذي يراه المرء في زغرب حيث تكثر ساحات تعود إلى مرحلة أسرة «هابسبورغ» الشهيرة والفن المعماري العائد لأواخر القرن. وبصراحة، لا يوجد في بلجراد أي معلم من ثلاثة نجوم «يتوجب زيارته». وعندما يقول أحدهم انه متوجه إلى العاصمة اليوغسلافية ينظر إليه الناس بشفقة بدلا من أن يكون موضع غيرتهم وحسدهم. في الواقع، تفتقر بلجراد لأشياء كثيرة بما فيها الهواء النقي واللون. فهذه المدينة ربما هي أكثر التجمعات السكنية رمادية في أوروبا الشرقية. وتكاد أن تحاكي بوخارست التي أمعن الرئيس الروماني السابق «نيكولاي تشاوشيسكو» في تخريبها. أما فيما يتعلق بتلوث الهواء فيها، فقد بلغ درجات مرعبة. لكن ما تتمتع به بلجراد في المقابل، هو الحيوية ولديها الكثير منها. وعلى غير العادة، تجذب بلجراد أي شخص كان يتابع نشرات الأخبار وبات منظر شوارعها وأبنيتها مألوفا لديه نتيجة الدور الذي اضطلعت به في نزاعات البلقان على مدى العقد الأخير، ومشاهدو شبكة «سي. أن. أن» الأمريكية لا بد من أن يجدوا بعض الأجزاء من المدينة مألوفة لديهم. ويقول «مارك هاريسون» وهو محام بريطاني يمتلك شقة في وسط المدينة: عشت هنا على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة، وأؤكد لك أنني أعشق هذه المدينة. فالخروج إلى مطاعمها لتناول الطعام هو نوع من الشغف، نظرا إلى جودتها وتحسنها المضطرد. ويؤكد على هذا الولع ببلجراد أحد كبار الديبلوماسيين في السفارة الأميركية في العاصمة الصربية الذي يرفض الادّعاءات التي تتحدث عن رتابة المدينة أو تصفها بأنها كئيبة أو خالية من كل ما يمكن أن يثير الاهتمام. حميمية وكرم ويقول هذا الديبلوماسي بحماسة: هذا المكان عظيم. زرت مدنا عدة وأقمت فيها، لكن هذه العاصمة تتفوق عليها جميعها. الناس هنا يتمتعون بحميمية وكرم، والحياة الليلية رائعة. هناك حماسة فائقة لدى الناس، خصوصا الآن بعدما اصبح (سلوبودان ميلوسيفيتش) من الماضي. رحيل الديكتاتور الذي لم يكن يحظى بشعبية، يبدو أنه حرك الهمم وعزز المعنويات لدى البلجراديين. ورغم أن الخدمة السريعة ما زالت غير موجودة لدى الصرب - كما هو الأمر بالنسبة إلى السلاف - فالناس يتعلمون بسرعة أنهم لو شاءوا أن يكتسبوا عادات جديدة فعليهم أن يعملوا بجدّ من أجل تحقيق ذلك. يحرص العاملون في المطاعم على الترحيب بضيوفهم بالإسم. ويُلاحظ مع انتقال المطاعم والمحلات إلى القطاع الخاص، انخفاض معدل الفظاظة في التعامل، وهذا المنحى كان يُعدّ تهورا قبل أعوام قليلة. أما بالنسبة إلى زائري بلجراد الذين يودّون اتّباع جولة سياحية تقليدية، فإن أفضل ما يمكن البدء به هو ساحة الجمهورية ووسط المدينة الميدان الرئيسي المسمّى «صربسكي فلادارا». هذه المنطقة تنبض بالحياة أربعا وعشرين ساعة ليل نهار، مع وجود أناس يجوبونها على طريقة عابري السبيل. حيوية المكان وازدهاره النسبي غالبا ما يفاجئان الزائر. حتى في الأيام العصيبة الماضية التي كان فيها «ميلوسيفيتش» في السلطة، ولا سيما منها أثناء الحملة التي قادها حلف الأطلسي عليه والتي دامت ثلاثة أشهر، فإن وسط بلجراد لم يتوقف عن النبض بالحياة. مجتمع المقاهي له اعتباره هنا. في الصيف يلتقي المواطنون في باحات المقاهي لمناقشة حديث الساعة، وكثيرون منهم يرتدون آخر صيحات الموضة الباريسية او النيويوركية. والسير على القدمين نزولا في شارع «كنيزا ميهايلا» أو الشارع المحاذي «اوزون ميركوفا» الذي يقود إلى الحي الطالبي وصولا إلى المدينة القديمة «ستاري جراد» وعلى رغم التشابه مع اسم مقاطعة في براغ، فهناك موقع تجدر مشاهدته وهو قلعة «كلماجيدان». فهذه القلعة تطل على منظر خلاب يجسد معظم أنحاء المدينة ونهر الدانوب ونهر «سافا»، وفي الجهة المقابلة، تظهر بلجراد الحديثة بفنادقها العصرية ومجمّع برجها الذي قصفه حلف الأطلسي بالقنابل. هذا المبنى كان مقر قيادة الحزب الاشتراكي الذي كان يتزعمه «سلوبودان ميلوسيفيتش»، وقبله قُصف المقر الرئيسي للحزب الشيوعي ودُمر بقذائف الناتو. ويرى كثيرون أنه يجب إبقاؤه على حاله تذكيرا بماض سيء. متاحف مخيبة للأمل متاحف بلجراد ربما تخيّب آمال الزائرين، لكن، على رغم ذلك، فإنه يتعين زيارة المتحف الوطني في ساحة الجمهورية، والمتحف الإثنوغرافي في «أوزون ميركوفا». ولا بد من رؤية قصر الأميرة «ليوبيتشي» وهو قصر صربي يعود بناؤه إلى القرن التاسع عشر، ويغصّ بمفروشات من تلك الحقبة وتفاصيل عن ماضي مدينة بلجراد، ولسبب ما عن ماضي الكنيسة الصربية الأورثوذكسية. أما فيما يتعلّق بالتاريخ المعاصر، فإن زيارة لضريح الماريشال «جوزف تيتو» الكائن في وسط حديقة تجانب بولفار «ميرا»، فتستحق العناء، فقط للتحقق من مدى التغيير الذي طاوله منذ نحو عشرة أعوام. هذا الضريح الذي كان قبلة السياح فيما مضى، قد يكون اليوم الجزء الأكثر هدوءا في المدينة. إرث هذا الزعيم الفدرالي بات خارج إطار العصر بحيث أن المتحف القريب من الضريح والمخصص لحقبة «تيتو» وإنجازاته في بناء يوغسلافيا السابقة، تمّ إغلاقه العام الماضي. ويقول أحد المشرفين على الضريح بعدما أفاق من قيلولة: «كان يأتينا خمسة زوار يوميا وربما يرتفع عددهم إلى سبعة في عطلة الأسبوع. لم نعد نرى صفوف انتظار طويلة كما كان الأمر عليه في السابق». وللسياح الذين يودّون القاء نظرة سريعة على تاريخ أكثر حداثة، فليس بعيدا من ضريح «تيتو» تقع ضاحية «ديدينييه» وهي الضاحية الأغلى في المدينة، وفيها توجد معظم السفارات، ويمكن تنشق هواء عليل فيها خال من التلوث الذي يخنق الصدر. هنا، خلف بوابات خضر، يقع مجمع محاط بنظام حراسة أمنية مشددة. إنه مقر سكن الرئيس السابق «سلوبودان ميلوسيفيتش» وزوجته «ميرا مركوفيتش». سكان المنطقة يقولون إنهم لم يشاهدوه في الأسابيع القليلة الأخيرة، في الوقت الذي تناقش فيه الحكومة مسألة تسليمه لمحكمة لاهاي كي يُحاكم بتهم ارتكابه جرائم حرب، أو محاكمته في يوغسلافيا على جرائم ضد الدولة والقتل. في الجوار، يمر الزائر في المنطقة التي خُطف فيها ملهم «ميلوسيفيتش» الرئيس السابق «إيفان ستمبوليتش» لم يُعثر من حينه على جثته - وهنا يمكن رؤية منزل «راتكو ملاديتش». وهذا الأخير الذي يُعدّ جزّار البلقان الأكثر شهرة، لم يعد يُشاهد منذ أشهر عدة، بعدما كان يعرّج على سوق قريبة للتبضّع بشكل متواتر، وكأن محكمة جرائم الحرب في لاهاي غير قائمة. انقاض سلطة بائدة وعند العودة إلى وسط مدينة بلجراد، ينتقل الزائر بالسيارة عبر «كنيزا ميلوزا» حيث عدد من مباني المسئولين الصرب ما زال أنقاضا نتيجة الغارات الجوية العام 1999. والمبنى الأكثر تضررا هو مقر قيادة الجيش الصربي الذي لا يبعد كثيرا في الشارع نفسه. كتل من الإسمنت المسلح هوت نحو الشارع، وهذه المكاتب والسراديب التي كانت فيما مضى أقبية سرية وغرف تحقيق، ارتاحت من نزلائها وصارت موطنا تعشش فيه الطيور. مجلس بلدية بلجراد لم يقرر بعد ماذا يفعل بأبنية مدمرة من هذا النوع حتى يتوافر المال اللازم إما لإعادة بنائها أو لتسويتها بالأرض. وهذه لن تكون مسألة سهلة. فتلك الأبنية صُممت لتبقى، لكن ربما ليس لتقاوم هجمات صواريخ الكروز. قبل مغادرة «كنيزا ميلوزا» من المفيد التوقف لرؤية آثار العنف ما زالت جاثمة في الشارع في أواسط فبرايرالماضي نجا وزير الداخلية الصربي «دوسان ميخالوفيتش» من الإصابة بعدما أُمطرت سيارته بوابل من الرصاص، في اعتداء نفّذته كما يُعتقد إحدى المافيات غير الراضية عن الجهود التي تقوم بها الحكومة الديمقراطية الجديدة لتركيع عصابات الجريمة المنظمة. أما بالنسبة إلى زائري بلجراد ممن يهتمون بالشئون المعاصرة، فلا بد لهم من زيارة فندق «انتركونتيننتال». ففي هذا الفندق، تمّ قتل مجرم الحرب الصربي «راكان» قبل نحو عام بعدما تحوّل إلى أعمال الابتزاز. واستنادا إلى «بيدجا ميلوسافلييتش» وهو مصّور لصحيفة «داناس»، كان وصل إلى المكان بعد إطلاق النار، فإن «أركان» كان محاطا بحاشيته في أحد الأكشاك المفتوحة قرب بيت مصعد، عندما اقترب منه رجل، وعانقه طابعا على خدّيه قبلتين على الطريقة المافيوية، ومن ثمّ أجهز عليه بإطلاق النار بين عينيه. زوجته، التي كانت تتبضع في محل مجوهرات داخل الفندق، هرولت إلى المكان عندما سمعت الطلقات وساعدت الآخرين في سحب جثته إلى الباب الأمامي في محاولة لنقله إلى المستشفى. لكن «أركان» الذي ارهب أبرياء كثيرين خلال حياته القصيرة والعنيفة توفّي على الفور. هذه هي بلجراد. لا يمكن للزائر العادي أن يشعر بالملل فيها. والمفارقة أنه ربما يكون هنا في أمان أكثر مما لو كان في إحدى المدن البريطانية والأمريكية. خدمة (و.ن.ل)