كانت ليلة من الليالي المناسبة للضفادع ومن يهتمون، فقد هطلت الامطار بغزارة على احدى غابات بابوا نيو غينيا الكثيفة، وجرت الجداول الصغيرة لتصب من أعالي المنحدرات على الصخور الملساء، محدثة صوتا أشبه ما يكون بالايقاع الموسيقي الجميل، وفي اطار الاحتفال بهطول هذا السائل الثمين، انطلق من كل حدب وصوب نقيق الضفادع وهي تناجي بعضها البعض في ظلام الليل الدامس. «رائع!» تلك هي الكلمة التي عبّر بها عن مشاعره ستيفن ريتشاردز العالم الاسترالي بالزواحف والبرمائيات الذي أمضى جانبا كبيرا من حياته يجوب غابات بابوا نيو غينيا وكوينزلاند واستراليا بحثا عن الضفادع. ويقول ريتشاردز: «انك لا تحظى بسمرة في البشرة من جراء التسفع تحت أشعة الشمس في هذا العمل، واذا أردت ان تمسك بالضفادع فعليك ان تخرج في الليل». ولكن هذا لا يعني الخروج في أي ليلة، كيفما اتفق، فالمطر أمر ضروري ايضا لهذه العملية، وبالنسبة للضفدع فإن وقع قطرات المطر أشبه ما يكون بالايقاع المثير لاحدى أغاني ريكي مارتن، فهو اشارة توحي بأن الوقت قد حان للعثور على شريك حياة. وتجتمع الضفادع الذكور بالقرب من الجداول والبرك لكي تجتذب الاناث، حتى تتواصل استمرارية دائرة الحياة، وهناك أنواع كثيرة من الضفادع تعيش حياة هادئة وخفية. ويقول ريتشاردز: «اذا كانت لا تصدر نقيقا، فإن من الصعب جدا اكتشاف مكانها». ان العثور على الضفادع كان على الدوام احدى المهارات الأساسية التي يتمتع بها عالم البرمائيات، ولكن تلك المهارة اكتسبت في السنوات الأخيرة أهمية اضافية مع تناقص اعداد الضفادع على المستوى العالمي. وأصبحت على نحو متزايد أداة أساسية لمراقبة صحة تجمعات وأنواع الضفادع وللمساعدة في التعرف على أسباب التناقص الخطير في اعداد بعض الأنواع. أما في جبال ستار النائية غربي بابوا نيو غينيا فتبدو الضفادع بصحة جيدة واعدادها مستقرة. يستطيع علماء البرمائيات، شأن علماء الطيور، ان يتعرفوا على نوع معين من الضفادع من خلال نقيقها، ويضع ريتشاردز قائمة من ثلاثة أنواع رئيسية هي «ليتوريا» و«نايسنيميتيس» و«رانا» وهي كلمات لاتينية تعني «ضفدع الاشجار» و«ضفدع الجداول» و«ضفدع الثور». يعتقد العلماء ان الضفادع موجودة على وجه الأرض منذ 195 مليون سنة وان اجدادها الحيوانات البرمائية الأولى ظهرت قبل 350 مليون سنة. ويعتقدون كذلك ان البرمائيات هي الحيوانات الأولى ذات العمود الفقري التي مشت على الأرض. بعضها كان كبير الحجم كالتماسيح، ولكنها تطورت مع مرور الوقت الى الانواع الثلاثة الأصغر حجما المعروفة اليوم، وهي: الانورا (الضفادع والعلجوم) والكواداتا (السلمندر وسمندل الماء) والجمنفيونا (وهي مخلوقات أشبه بالديدان تعيش في الجداول المائية). تعتبر حيوانات «الانورا» التي تضم الضفادع والعلجوم من أنجح البرمائيات الموجودة حاليا، حيث يبلغ عدد أنواعها 4500 نوع معروف، وهو عدد يتزايد باضطراد نظرا لقيام العملاء باكتشاف أنواع جديدة منها كل عام. والضفادع، شأن معظم الحيوانات البرمائية تقضي جانبا من حياتها على الأقل في الماء. وقد يبدو وكأن هذا الامر سيحد من المكان الذي يمكن العيش فيه، لكنها توجد في جميع البيئات الارضية على الاطلاق من التندرا القطبية الى أشد الصحارى جفافا ومن سبخات القرم الواقعة بمستوى سطح البحر الى هضبة التبت الواقعة على ارتفاع 18.000 قدم فوق مستوى سطح البحر. ولكي تعيش في هذه البيئات القاسية، قامت الضفادع بتطوير سلسلة من عناصر التكيّف التي تثير الاعجاب، فضفدع غابات شمال امريكا، على سبيل المثال، يمكنه ان يتحمل درجات حرارة التجمد لمدة سبعة أشهر معتمدا على مادة طبيعية مضادة للتجمد، موجودة في دمه لحماية اعضاء جسمه. وبعض انواع الضفادع التي تعيش في المناطق الجافة من امريكا الجنوبية تلجأ الى افراز طبقة شمعية لحماية نفسها من الجفاف، بينما تقوم الضفادع الخازنة للماء في استراليا بتخزين الماء عمليا في مثانتها وتحت جلدها لاستخدامها اثناء الجفاف. وهناك ضفدع استرالي آخر يشبه في شكله سلحفاة سمينة، يقضي معظم حياته مختبئا تحت بيوت النمل الأبيض في الصحارى الجافة، حيث يكون النمل غذاءها الرئيسي. إن أكثر الامور اثارة للدهشة تتمثل في أساليب التكاثر لدى الضفادع حيث تنقسم حياة الكثير من أنواع الضفادع الى مراحل عديدة، تمر من الشرغوف (صغير الضفدع) الى الضفدع البالغ فيما يسمى بالتحول. وهناك أكثر من عشر طرق تمكن الضفادع من القيام بهذه الرحلة والطريقة المتعارف عليها تبدأ بوضع بيض مخصب في احدى البرك المائية، فتفقس الصغار (الشرغوف) وتتغذى على الطحالب، وتتحول الى ضفادع. غير ان هذا الطريق محفوف بالغموض والمخاطر، حيث ان الكثير من الحيوانات المفترسة تعيش في الماء. ولهذا، فإن أنواع عديدة من الضفادع طورت طرقا للتكاثر تتجاوز البركة. ففي كوينزلاند باستراليا مثلا، هناك نوع من الضفادع تضع الانثى منه بيضها داخل جذع شجرة متآكل، ويقوم الذكر بحراسة هذه البيوض حتى تفقس، حيث يربض فوقها فيبقيها رطبة ويمنع الفطر والبكتيريا من النمو عليها. والشائع لدى العديد من أنواع الضفادع هو ان يقوم الذكر بحماية البيض، بل ان بعض الذكور يذهب الى ما هو أبعد من ذلك، حيث تصعد صغارها بعد ان تفقس على ظهره فيحملها معه لبضعة أيام. وفي أمريكا الجنوبية يقوم ذكر ضفادع داروين بابتلاع البيوض المخصبة والاحتفاظ بها في كيسه الصوتي حتى تفقس ويخرج الصغار من فم أبيهم. وفي أنواع اخرى تقوم الانثى بتقديم الرعاية الابوية، فأنثى الضفدع الوثاب السام لا تكتفي بتوفير الرعاية للبيض، وإنما تقوم ايضا بنقل الصغار الى برك متكونة مليئة بجذوع الاشجار أو داخل الاوراق، وتقوم بعد ذلك بزيارتهم لتضع لهم بيضا غير ملقح كطعام لهم. وتقوم انثى نوع آخر من الضفادع بمساعدة الذكر بوضع البيوض الملقحة في جيوب على ظهرها فينمو جلدها فوق البيوض ويحجزها في الداخل حتى تفقس. ضرار عمير