أظهرت الأبحاث كيف يمكن لتبدلات طفيفة في جينتين وراثيتين أن تحددا إلى حد كبير احتمالات تعرض الرجال للاصابة بسرطان البروستاتا ومدى سرعة انتشار السرطان في حال ظهوره واحتمال تعرض المصابين به لانتكاسة بعد العلاج. هذه الاكتشافات المهمة ستنقذ حياة وتخفف معاناة العديد من الأشخاص عن طريق إتاحة تصميم العلاجات والاجراءات الوقائية حسب حالة كل مريض على حدة. وقد توصل إلى هذه الاكتشافات علماء من أول معهد لأبحاث السرطانات الذكورية في أوروبا، وهو جزء من المعهد البريطاني لأبحاث السرطان الذي افتتح رسميا العام الماضي في سراي بجنوب انجلترا. ومن المتوقع أن يتخطى سرطان البروستاتا كلا من سرطاني الرئة والثدي ليصبح أكثر أنواع السرطان شيوعا في بريطانيا مع حلول عام 2018. وقد ارتفعت أعداد حالات سرطان الخصيتين التي تشخص هناك بنسبة 70% خلال العقدين المنصرمين، لأسباب لاتزال مجهولة إلى الآن. ويمكن ملاحظة ازدياد مشابه في حالات السرطان الذي يصيب الذكور فقط في بلدان أخرى أيضا. وإذا اكتشف السرطان الخصيوي باكرا فإن نسبة شفائه تبلغ الآن 96%. لكن الرجال بطبعهم أقل ميلا من النساء لمناقشة مشكلاتهم الصحية، خصوصا التي تسبب لهم الاحراج مثل المشكلات التي تصيب البروستاتا أو الخصيتين. اضافة إلى الحاجة للقيام بمزيد من الأبحاث، هناك ضرورة ملحة لتغيير موقف الرجال إزاء مثل هذه المشكلات الصحية، بحيث يتسنى لهم طلب الاستشارة الطبية في وقت مبكر. احدى الجينتين اللتين تمت دراستهما في المعهد البريطاني لأبحاث السرطان (آي سي آر) تحدد بنية الجزيء المتلقي لهرمون جنسي ذكري أو منشط ذكورة (أندروجين) كما يعرف في الأوساط الطبية. هذا الهرمون يحفّز نمو سرطانات البروستاتا. وبالتالي فإن سد طريق امدادات الأندروجين إلى الورم يعتبر من بين الطرق الفعالة جدا في علاج سرطان البروستاتا. ان وجود تبدلات في الجينة المنتجة للجزيء المتلقي لهذا الأنتروجين، والتي تعرف بجينة هار تتسبب بدورها بظهور انحرافات طفيفة في شكل بنية الجزيء المتلقي. ويمكن لهذه الانحرافات أن تؤثر إلى حد بعيد في تسريع أو تبطيء معدل نمو سرطان البروستاتا. ويرجع ذلك لأن أي هرمون لا يستطيع تحفيز الخلايا، سواء الطبية أم الخبيثة، إلا من خلال جزيئات مستقبلة أو متلقيات موجودة على سطوح الخلايا وتنطبق عليها الهرمونات كما ينطبق المفتاح على قفله. إذا لم يكن شكل القفل صحيحا تماما، فإن المفتاح لن ينطبق وحافز النمو الذي يحمله الهرمون سيكون بالتالي أقل فاعلية. وهذا هو السبب في أن الانحرافات المختلفة في بنية جينة «هار» والتي تتسبب بانحرافات في بنية متلقي الاندروجين (الهرمون الذكري)، تساعد في تحديد السرعة التي سيتطور بها سرطان البروستاتا. كما أنها تساعد أيضا على تحديد احتمالات تعرض المريض إلى نكسة بعد العلاج. والمورثة الأخرى التي أظهرت الأبحاث أنها تؤثر على سرطان البروستاتا هي الجينة المسئولة في انتاج الانزيم الذي يساعد في الدفاع عن جسم الإنسان ضد التلف الذي تسببه المواد الكيماوية المسرطنة. تعرف هذه الجينة بـ«جي إس تي» وقد أظهرت الأبحاث أن الرجال الذين يحملون شكلا منحرفا منها يدعى «جي إس تي بي 1» يكونون أكثر من غيرهم بمرتين عرضة للاصابة بسرطان البروستاتا في سن مبكرة. وقد يساعد هذا الاكتشاف في التعرف على الأشخاص المعرضين لنسبة خطر عالية والذين يمكن أن يستفيدوا من المراقبة الصحية الدقيقة والاجراءات الاحترازية. إلى جانب هذه الاكتشافات الجينية حقق علماء معهد «آي سي آر» تقدمات مهمة أخرى على صعيد العلاج والبحث في أسباب سرطان البروستاتا. وقد طور المعهد علاجا جديدا أطلق عليه اسم المعالجة الاشعاعية التكييفية، والتي تكون فيها حزمة الأشعة المستخدمة لقتل النسيج السرطاني، مصاغة بشكل يناسب المحيط الخارجي العشوائي للورم. وهذا يخفف الآثار الجانبية على الأنسجة السليمة ويتيح اعطاء جرعات أعلى من الاشعاع. ويعمل الباحثون في المعهد على تطوير علاجات هرمونية جديدة لسرطان البروستاتا، ويبحثون عن العوامل البيئية والغذائية التي قد تساهم في ظهور المرض. وقال الدكتور، بيتر ريجبي، المدير التنفيذي للمعهد: «لسنوات طويلة ظل سرطان البروستاتا يوصف بأنه مرض الرجال المسنين، لكن يجب أن نستيقظ إلى حقيقة أن الرجال في سن الستين أو السبعين ربما يعيشون عشرين سنة أخرى إذا تم علاجهم على أتم وجه». علي محمد