يزعم كبار السن ان القصور والمعابد تعاود الظهور لتومض بشكل ساحر أشعة شمس الصباح. ويقول أحد الرعاة ويدعى وي تشانج: «أنا لم أر هذا بنفسي، ولكن ذلك هو ما أخبرني به كبار السن». كان وي تشانج يرعى أغنامه على الهضاب التي تحتضن هياكل مدينة شانجدو، العاصمة الصيفية التي أقامها كوبلاي خان في السهوب الداخلية لمنغوليا على بعد 200 ميل الى الشمال الغربي من بكين. ولايزال الصينيون الى يومنا هذا يتحدثون عن قصر كوبلاي «البلوري» الذي كان بريقه يذهب بالأبصار. كانت شانجدو، على الارجح، هي المدينة التي دخلها ماركو بولو في عام 1275 وانحنى أمام كوبلاي خان حفيد جنكيز خان الذي فرض سيطرته على امبراطورية امتدت من الصين وحتى العراق وروسيا. كان ماركو بولو يبلغ من العمر 21 عاما تقريبا عندما وصل الى شانجدو مرافقا لوالده نيكولو وعمه مافيو اللذين كانا من تجار البندقية. وبوصولهم الى شانجدو، كانوا قد قطعوا أكثر من 7500 ميل في رحلة استغرقت كما كتب ماركو «ثلاث سنوات ونصف السنة». وقلة قليلة جدا من الاوروبيين كانت قد سبقتهم الى التوغل داخل آسيا. ولم يصل أي منهم الى خوض غمار هذه المغامرة الطويلة التي امتدت 24 عاما، واختتمت برحلة بحرية صوب الوطن عبر سومطرة والهند. العضو الوحيد في عائلة بولو الذي يذكر كثيرا لانجازه الكبير هو ماركو الذي سجل أحداث تلك المغامرة في كتابه الذي يحمل العنوان الجريء «وصف العالم». ان هذا الكتاب زاخر بثروة آسيا ـ الحرير، التوابل، المجوهرات، الخزف الصيني ـ وبأسماء أماكن كانت غير معروفة في اوروبا في العصور الوسطى ليس فقط تلك الاماكن الموجودة في الصين وإنما ايضا جاوة وسيبانجو (اليابان)، والكثير غيرها... هل زوّر ماركو الأمر برمته؟ لقد دار شيء من الشك حوله منذ ان وضع كتابه حوالي عام 1298. والمهم في نهاية المطاف هو انه سجل أشياء تتميز بأنه حتى ابناء البندقية، وهم تجار عالميون، لم يروها أبدا، مثل الاوراق المالية والصخر الأسود الذي يحترق، وحتى في الوقت الحاضر، يذهب البعض الى القول ان ماركو لم يصل الى مكان أبعد من القسطنطينية أو البحر الاسود وانه سرق حكاياته من المغامرين العرب والفرس. غير ان معظم الباحثين الذين حللوا عمل ماركو يعتبرونه صادقا وأمينا فيما رواه. وبعض أكاذيبه المبالغ بها ربما كانت من ابتكار الكاتب الذي ساعده على وضع قصته، وهو روتشيلو، وهو مؤلف حكايات عن الفرسان المتسمين بالشهامة. وقد زيد من تشويه عمل ماركو على يد الرهبان والناسخين الآخرين، الذين نسخوا وترجموا عمله في القرن الرابع عشر، ومن قبل المطابع التي بدأت طبعاتها بالظهور في القرن الخامس عشر. وكان هؤلاء يقومون في الغالب باجراء تعديلات على النص من حذف وغيره حسبما يرونه مناسبا، ولهذا فإن هناك اليوم ما يقارب الـ 150 نسخة مختلفة من هذا الكتاب. والنسخة التي يعتقد انها الأقرب الى نسخة ماركو الاصلية هي الموجودة حاليا في متحف بيبليوتيك ناسيونال في باريس. ما كان لماركو ان يقوم برحلته على الأرجح لولا والده وعمه اللذان أقدما على السفر الى عمق الامبراطورية المنغولية وربما الى شانجدو. ففي عام 1260، عندما كان ماركو لايزال في السادسة من عمره، انطلق والده وعمه من مستوطنة للتجار في القرم لبيع حجارة كريمة في نهر فولجا الأدنى، وبعد ستة أعوام وصل الاثنان الى بلاط الامبراطور كوبلاي خان. ويقول ماركو في كتابه ان الامبراطور المنغولي المهتم كثيرا بالمسيحية، طلب من الاخوين بولو بحمل رسالة الى البابا يطلب فيها ارسال «مئة رجل حكيم» لنشر تعاليم المسيحية بين أفراد رعيته. وأراد ايضا زيتا من المصباح الموجود في القدس، ووعد الاخوان بالعودة والزيت معهما. وعندما عاد الاخوان الى البندقية في عام 1269 كانت زوجة نيكولو والد ماركو قد توفيت، فعهد بتربية الصبي ماركو لاحدى العائلات القريبة. في عام 1271 انطلق نيكولو ومافيو مجددا الى الشرق، لكنهما في هذه المرة أخذا ماركو معهما. وفي محاولة منهما لتلبية مطلب كوبلاي المتعلق بالرجال الحكماء والزيت، أبحرا في البداية الى عكا في فلسطين، حيث حصلا على الزيت المطلوب، لكنهم غادروا الى تركيا مصحوبين براهبين اثنين فقط. وسرعان ما ارتد هذان الاثنان على أعقابهما. وبرأي ماركو، فإن هذا الأمر لم يؤثر كثيرا عليهما لأن أباه وعمه كانا مهتمين بالربح والمغامرة أكثر من اهتمامهما بأي شيء آخر. لا أحد يعرف ما اذا كان ماركو يحتفظ بدفتر يوميات أم لا، لكن أوصافه الأولى تبدو وكأنها نابعة من مثل هذا الدفتر، فقد كتب بازدراء عن بعض من صادفهم من الاتراك واصفا إياهم بأنهم «أناس جهلة يتكلمون لغة بربرية». أما في الاسواق، فهناك سجاد جميل وملابس من الحرير القرمزي اللون وألوان اخرى جميلة وغنية جدا، وباتجاه الشرق نحو بحر قزوين كتب ماركو يقول ان هناك نافورة تنفث النفط بوفرة كبيرة، وكان بذلك أول اوروبي يحدد بدقة مصدراً للبترول. لقد وصف ماركو في كتابه الأماكن التي عبرها في طريق رحلته التي أوصلته الى بلاط الامبراطور المغولي كوبلاي خان. ومن هذه الاماكن مدينة تبريز التي كانت مركزا لتجارة الاحجار الكريمة والسلع المختلفة التي تأتي من بلاد بعيدة، وكذلك وصف بلدة سافيه ومضيق هرمز ويزد ونبع كشمش جينو الحار الذي قال عنه ماركوا انه «نافع لعلاج العديد من الامراض». ووصف ماركو أطلال مدينة بلخ التي كانت من أعظم المدن في العالم، قبل ان يغزوها جنكيز خان ويذبح سكانها ويدمر قصورها وبيوتها الجميلة. ضرار عمير