بيان الكتب:انه كتاب توثيقي عن الصادق النيهوم، الكاتب الليبي الاشكالي الذي بزغ فجأة من خلال مجلة «الناقد»، فتابعنا مقالاته الجريئة، ثم بحثنا عن كتبه، وما كدنا نتواصل معه حتى رحل مبكرا تاركا بين ايدينا بعضا من مشروعه التنويري، وبعض رغباته الجامحة في تغيير الواقع الليبي والعربي من خلال الوعي بجملة المستجدات الثقافية والفكرية التي طرأت على العالم، ومدى قبولنا لها بتغيير مسارات الخطاب، وتعديل السلوك بما ينسجم وهذه المستجدات. وذلك من خلال كتبه: «صوت الناس، إسلام في الاسر، إسلام ضد الاسلام». وكنا تناولنا له في «بيان الكتب» كتابه «فرسان بلا معركة» الذي قامت مؤسستا «الانتشار العربي» و«تالة» بجمعه ونشره. وهاهما اليوم تقدمان هذا الكتاب المهم الذي قام بجمعه واعداده الباحث سالم الكبتي بعنوان جميل وذي دلالة: طريق مغطاة بالثلج، جمع بين دفتيه سيرة الراحل، وآراء وانطباعات عنه قدمها مجموعة من الكتاب والباحثين الليبيين، غطت جوانب مهمة من حياته، والى جانب ذلك سيكتب الروائى المعروف ابراهيم الكوني عن الشعرية في كتابات النيهوم النثرية. ثم بعض الاعمال المختارة، له، وبعض رسائله، والحوارات التي اجراها، ثم ملحقا ضم وثائق وصورا عنه. الاعمال المختارة للصادق النيهوم في هذا الكتاب، هي بعض ما نشره في صحيفة (الحقيقة) في الفترة من 1966 ـ 1971، ومن الارشيف الخاص لمعد الكتاب، وقد زادت عن ثلاثين مقالا: بإمكان قارئها ان يستخلص نبذة بانورامية عن افكار الكاتب، وأساليب تعبيره في كتابة المقال تحديدا، فهو من البارعين في هذا المجال، حيث اتسمت مقالاته بالعمق الفكري، وسهولة ووضوح الطرح، وبأسلوب يميل الى سردية رشيقة وممتعة، تمتع القاريء، وتبصره بواقعه في آن، ومعروف لدينا ان فن المقالة انتشر مع الصحافة، وبرع فيه اساتذة كبار من مثل احمد امين، والعقاد، ومارون عبود، وطه حسين.. وغيرهم، وكتابات النيهوم لا تقل براعة عن كتاباتهم، وانما تشكل اضافة نوعية حقيقية، وذلك لجملة ما طرحه من قضايا اشكالية، ومعالجات لمسائل محلية وعالمية ارتكزت بالدرجة الاولى على اعادة بناء الانسان او تأهيله انسانيا. والى ذلك فإننا في هذه القراءة سوف نتوقف عند بعض محطاته. أزلية الصراع الانساني ترتكز رؤية النيهوم للصراع على انه حالة مؤقتة، اقتضتها ظروف محددة تعود الى زمن قديم، بل ربما منذ لحظة مفارقته لحياة القطيع، وبنائه المدن «مشيدا قوقعته حوله بأحجار الفلسفة الصلدة، مغلقا منافذه مستعدا للدفاع عن كل حجر في عالمه إلى آخر لحظة.. ومنذ تلك اللحظة أخذ على عاتقه مهمة نقل الحضارة الى الرعاة، واقحام الفلسفة في رؤوسهم بالقوة، فيما تعهد الرعاة بمهاجمة المدن وتدميرها كلما سنحت لهم الفرصة. واذا كان الصراع الحضاري اتخذ طابعا دمويا منذ بداية الخليقة، إلا أنه ومع تبدل اشكاله ما انفك يرتكز على هذه العدة الجهنمية، الا وهي الغاء الاخر بحجة اعادة ترتيب البيت كما يرغبون. والامثلة التي يسوقها النيهوم كثيرة، ولكن ابرز تحلياتها سيكون في رمي ناجازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية ليبيدوهما خلال دقائق ثلاث، ليبقى السؤال مشرعا: اي بيت اذن يريدون اعماره؟ ومن مقال لاحق سيوضح ان نموذج الحياة الامريكي.. ذلك النموذج الذي صدروه لناعبر السينما والمجلات الملونة عن الحياة السعيدة وحرية الفرد، يواجه اليوم ازمة مريعة والفرد الحر تحول الى مجرد مسمار صغير في آلة عملاقة لا اهداف لها سوى سحق اكبر عدد من الخصوم للحصول على مزيد من السلطة: الحرب في كوريا، فيتنام، الهند الصينية، ومئات المؤامرات المخجلة ودسائس السياسة والجواسيس والقنابل الذرية.. كل ذلك مجرد دلائل متفاوتة الحدة للاشارة الى فساد النظام الامريكي وعجزه عن الخروج من منطقة الخطر القديم، تماما كما عجز نظام (خوفو) عن الاستمرار واكله الصدأ والنمل منذ بضعة قرون اما الشيوعيون، فهم ايضا سيعالجون المشكلة بطريقة مغايرة، وسيبنون نظاما مغايرا يقضي بدمج الانسان في حياة الجماعة، وفي الآن نفسه سوف يتبعون الخطى ذاتها في التسلح والحروب، فأين مكان الانسان من كل ذلك؟ يرى النيهوم ان العالم لا يزال في حاجة الى كثير من التجارب الحقيقية لكي يعرف بالضبط ماذا تعني كلمة انسان، ولكن اذا اتيحت له فرصة ليعرف ذلك ذات يوم، فسوف يضع يده على سلاح لا يمكن قهره لايقاف كل هذه القوة، لبناء العالم من جديد. العرب واسرائيل اما مقالاته التي تناولت حال العروبة بعد النكسة، والموقف الذي ينبغي اتخاذه من اسرائيل، فهي كثيرة وتعبر جميعا عن فهم مغاير لما كان المثقفون العرب ينادون به من شعارات لا تغني ولا تسمن فاسرائيل بالنسبة له عبارة عن مرض غزا الجسد العربي. ولكن في الوقت نفسه سيطالب بأن يكون العلاج نهائيا وحاسما، وليس ان يشفى القسم المصاب، ويترك الداخل الذي امتدت اليه جذور المرض، والى ذلك فإنه سوف يستعرض المشروع الصهيوني من الناحية الفكرية، فلا يرى فيه اية امكانية للاستثمار فيما اذا توقفت آلة الحرب والعدوان، فإسرائيل دولة مفلسة فكريا، ولا تملك شيئا تقدمه لانسان العصر المقبل «سوى ان تضع فوق ظهره نجمة مسدسة مثل بقية المنتجات المحلية، وتقول انه ابن الله، وانه يستطيع ان يثبت ذلك بشهادة البلدية.. والمفارقة واضحة في اللغة الساخرة التي يبني بها النيهوم موضوعه، اذ ما الذي سيقدمه هذا المهاجر الذي ترك بلاده وجاء الى ارض العسل واللبن؟ وبالاسلوب الساخر سيجيب بأنه سوف يرسل الى بقعة ما لكي يزرع الارض ويدفع الضرائب ويعيش بالمزرعة مع الابقار، حتى يكتشف ذات يوم ان انتماءه الى الله مباشرة قد حرمه من انتمائه الى العالم، وان الحياة في المزرعة وحدها لا تكفي، وسيعيش حالة من العزلة المفجعة في رمال النقب الا اذا قرر ان يعبر السياج ويمد يده الى جيرانه، باعتباره لم يعد راغبا في استغلال قرابته مع الله ضد اللاجئين البسطاء. وبوعي مبكر سينوه الى العنصرية الصهيونية، وسوف يدحض مقولاتها بأمثلة من التاريخ البعيد والقريب، وان ما اصاب العرب من نكسة، انما كان لأنهم ارتضوا ان يظلوا متفرجين في ملعب التاريخ ووجودها في المنطقة ليس صدفة، وانما هو مثل وجود الاعشاب البرية في المزرعة المهملة، والمزرعة لا تستطيع ان تتجنب ذلك مادام المزارع مقيد اليدين.. ومن اسلوبه الساخر في وصف حالة المواطن العربي نجتزيء هذا المقطع المعبر: والمواطن العربي كان بقرة في ضيعة الباشا، وكان الله يرسل له المطر عن طريق الفقهاء، وكان يتمسح بقبور الموتى في وضح النهار، ويبيع كرامته في الافتتاحيات الرسمية، ويتعامل مع عفاريت الجن لكي يوفروا له الحماية من شر مواطنيه، ويدفع مرتبات الشرطة كي يدقوا عنقه في وقت الحاجة، والمواطن العربي كان في حاجة دائمة للشرطة. ويتجلى وعيه اكثر من خلال الرسالتين اللتين وجههما الى كل من الرئيس عبدالناصر والرئيس الجزائري بومدين، حيث تكشف لنا هاتان الرسالتان ان النيهوم وفي تلك المرحلة المبكرة كان قد ادرك ان المغامرات الصغيرة التي كان يقوم بها البعض من خطف طائرات وارهاب الناس لن تخدم القضية العربية، وانما ستضرها بالتأكيد، وهو الى ذلك، خاطب الرئيس بومدين عقب اختطاف الفلسطينيين طائرة تابعة لشركة العال الاسرائيلية واحتجزوها في مطار الجزائر صيف 1968 قائلا: سيدي الفاضل. انت تحتجز في بلادك طائرة تخص اسرائيل. وانت تريد ان تقنع العالم ان آلة الصفيح هذه جزء من غنيمة الحرب القائمة ضد عصابة اللصوص التي سرقت ارضنا في الخامس من يونيو. والعالم يهز رأسه ويضحك ملء شدقيه.. والمرء ـ يا سيادة الرئيس ـ لا يعاقب اللص بأن يسرق حذاءه من المسجد.. وكان النيهوم يدرك ما ستجره مثل هذه العمليات المغامرة من اثر بالغ على قضية الحق العربي، حيث ستستثمر اسرائيل هذا الامر احسن استثمار وستجعل دموع العالم تنهمر بغزارة حزنا على هؤلاء المخطوفين الاحد عشر، في الوقت الذي شردت فيه اكثر من مليون انسان خارج اراضيهم التي احتلتها بالقوة. اما رسالته الى عبدالناصر، فهي رسالة مجابهة حقيقية بعدما راجعت فكرة الصلح مع اسرائيل بعيد النكسة واستعادة الاراضي العربية المحتلة، فيستغرب ذلك كل الغرابة فيخاطبه قائلا: نحن لم نتورط في الحرب مع اسرائيل من اجل اراضينا المحتلة بل من اجل فلسطين التي اغتصبها نظام نازي يدعو نفسه دولة يهودية، ونحن لا نحتاج لكسب الرأي العام العالمي لكي نستعيد اراضينا المحتلة، بل لكي نستعيد العدالة في ارض فلسطين. أزمة المثقف العربي وفي هذا الصدد سنلتمس مواقفه الرائعة، من خلال بحثه المقدم الى مؤتمر ادباء وكتاب المغرب العربي، حيث يبين فيه واقع الكاتب العربي في وسط متخلف. وأقل توصيف له انه ليس بإمكانه ان يتقدم خطوة واحدة الى الامام لانه لا ينتج سوى التخلف، وبالتالي فإنه وضمن آلية صراعات هذا المجتمع لن يكون قابلا للنقد مالم يكن هذا النقد يقف في صفه وضد اعدائه، سيما وان مجتمعاتنا العربية لم تعرف هذه المهمة في كل عصورنا الادبية الزاهية. وهو الى ذلك سيوضح ازمات المثقف وهو يواجه كتلا صماء لا ترى في مهنة الكتابة إلا «مهنة من لا مهنة لهم» كدلالة عن احتقار المجتمع لهؤلاء المثقفين، الذين طالما ظل صوتهم غائبا فإن هذه الكتل الصماء ستظل صماء ابد الدهر. وسيستشهد في مقال اخر بسعي هذا الكتلة لتمزيق المثقفين الخارجين عنها، ويستحضر الشاعر نزار قباني الذي اطلقت عليه آلاف النعوت، فيقول: الحب في الشرق لعبة ليلية، ونزار قباني الذي اختار ان يلعب في وضح النهار، مزق الرجال سمعته ودعوه «زانيا مخنثا سييء التربية»، وجلسوا يأكلون جثته في سوق الحميدية ويلقون عظامه للسنانير.. ولو عاش الصادق النيهوم حتى يومنا هذا لرأى العجب العجاب من حال مثقفي الامة، والكتلة، بل الكتل وهي تحاصرهم او تنبذهم، لأن كلام اصحاب النظارات لم يرق لها. لقد كان الصادق النيهوم ظاهرة ادبية وفكرية جديرة بأن يتوقف عندها دارسو ومؤرخو الادب في يومنا هذا، وذلك لكي تحتل كتاباته مكانتها في فنون النثر وادب المقالة العربية تحديدا، اذ ليس على الدوام تنجب الامم شموسا نيرة كالصادق النيهوم. عزت عمر ـ ولد الصادق النيهوم عام 1937 في بنغازي وتلقى تعليمه في مدارسها، وفي عام 1957 التحق لكلية الآداب، قسم اللغة العربية وخلال دراسته بدء بنشر نتاجه الادبي بتوقيع (صادق)، وبعد التخرج عين معيدا في كلية الآداب، ثم اوفد الى المانيا للدراسات العليا، وراسل من هناك مجموعة من الصحف، كتب من خلالها الدراسة الادبية والمقالة، ثم نشر مجموعة قصصية للأطفال، فروايتي (القرود)، (الحيوانات)، ثم يستقر في جنيف عام 1976، ويؤسس دار (التراث) وفي العام 1988 سيبدأ في الكتابة بمجلة الناقد وحتى وفاته.