بيان الكتب: يتناول هذا الكتاب احدى القضايا المزمنة في ملف السياسة الدولية وبشكل خاص الشرق الاوسط الا وهي القضية الكردية ويركز في تناوله لهذه القضية على تطوراتها الأخيرة الخاصة بالقبض ، على زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله اوجلان وما بدا من بوادر ومؤشرات حرب بين تركيا وسوريا. ورغم الأهمية التي يمثلها الموضوع الا أن مستوى تناوله من خلال الكتاب يبدو متواضعا حيث يمثل الكتاب نموذجا لموجة من الكتب ظهرت أو انتشرت في السنوات الأخيرة وهي الكتب الحديثة بمعني تلك التي تتناول حدثا انيا أو مجموعة من الأحداث وهو ما يجعلها تفتقد التحليل وتكون أقرب إلى الكتابات الصحفية وفي بعض الأحيان تكون هذه الأخيرة أفضل وأعمق كثيرا مما يرد في مثل هذا النوع من الكتب. ويصل المستوي السردي في أغلب أجزاء الكتاب إلى الحد الذي يمكن اعتباره يعكس أزمة في اعداد المادة أو في التصور لمفهوم الكتاب لدرجة يمكن أن نعتبره معها ملفا ارشيفيا لتطورات الأزمة الكردية في السنوات الأخيرة وهو ما سيتضح من خلال السطور التالية. على مدى 422 صفحة تتناول المؤلفة عايدة العلي سري الدين موضوعها مقسمة إياه الى سبعة فصول تعرض خلالها لتطورات الأزمة الكردية. ففي الفصل الأول تعرض للعلاقات العربية التركية عبر التاريخ مركزة على هذه العلاقات خلال القرن الماضي وتنتهي من هذا العرض إلى أن هناك مجموعة من المصالح المتشابكة التي تفرض على الطرفين نهجا تعاونيا غير أن ما يعكر صفو هذه العلاقات مخاوف وأسباب قلق لدى كل طرف منها قضايا المياه والروابط التركية الاطلسية ومشكلة لواء الاسكندرون .. وغير ذلك، ثم تعرض لمشكلات تركيا بشكل خاص مع سوريا وموقع التحالف التركي الاسرائيلي من تعزيز احساس انقرة بها وتقويتها في مواجهة دمشق خاصة والعرب عامة وهو ما انعكس في اعلان انقرة ان صبرها بدأ ينفد بسبب دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني وأن للصبر حدود ووصل الامر إلى حد حشد قوات تركية على الحدود مع سوريا إلى أن جاء تدخل الرئيس المصري حسني مبارك وهو التدخل الذي نجح في تلطيف الأجواء وتهدئة الأزمة. ثم تعرض المؤلفة في الفصل الثاني للمواقف السورية إزاء التهديدات التركية مشيرة إلى ما اعتبرته دمشق من وجود رابط بين تهديدات انقرة ودعوة نتانياهو إلى نظام اقليمي وكان مجمل الرؤية السورية عدم فصل ما يجري عن مجريات نزاعها مع اسرائيل ولهذا مارست اقصى درجات ضبط النفس السياسي والعسكري. ومن خلال مقتطفات الصحف بنصها تواصل المؤلفة عرض الموقف واقتناع سوريا بضرورة حل الخلاف عن طريق الحوار وهو ما تم إقراره فعلا بين الطرفين حيث عقد في 18 أكتوبر 98 أول لقاء تركي سوري للبحث في الأزمة والمشكلات الأمنية. واستطاعت دمشق بفضل إدراكها لأبعاد الأزمة إلى جانب الوساطة المصرية تجاوز هذه المرحلة وتم التوصل إلى اتفاق أضنة والذي يقضي بعدم السماح بأي أنشطة من أراضي أي طرف تستهدف الطرف الأخر وهو الاتفاق الذي اعتبرته سوريا اتفاقا متوازنا وكان للاتفاق اثره في انحسار الازمة التركية السورية حيث أقرت انقرة أن اوجلان لم يعد في سوريا وأن هذه الأخيرة أغلقت معسكرات الثوار الأكراد وهنا يبدأ فصل جديد في الأزمة وهو مرحلة ترتيبات القبض على اوجلان، وهنا تشير المؤلفة على لسان دبلوماسي كبير إلى أن أبعاد التحرك التركي إنما كان يتمثل في الخوف من وجود نية أمريكية لانشاء كيان كردي. ثم تعرض المؤلفة في الفصل الثالث لمواقف الأطراف العربية والإقليمية والدولية من الأزمة، بداية تعرض لموقف لبنان الذي أعلن مساندته لسوريا وخصوصا دعوتها إلى حل أي خلاف مع تركيا في اطار الحوار السلمي مع التأكيد في الوقت ذاته على أن التهديدات التركية إن هي إلا نتيجة أولية للتحالف الاستراتيجي التركي الاسرائيلي. أما الموقف المصري فقد اتسم بالفعالية والتحرك النشط السريع باعتبار أن سوريا دولة عربية وتركيا دولة اسلامية صديقة مع التأكيد على أن مصر والعرب يرفضون أي تحرك عسكري محتمل ضد سوريا، وكان لزيارة مبارك لكل من دمشق وانقرة وزيارة وزير الخارجية المصري عمرو موسى حاملين مواقف الطرفين لكل منهما لأخر اثره في نزع فتيل الأزمة وتجنب اندلاع حرب حتى أن الأزمة فعليا أصبحت شيئا من تراث الماضي بعد مرور فترة محدودة من اندلاعها وان كانت جهود مصر لم تنجح في جمع الطرفين في قمة ثنائية أو حتى ثلاثية باشتراكها. أما موقف الجامعة العربية فكان امتدادا لخط التهدئة المصري حيث دعا مجلس الجامعة انذاك تركيا إلى التبصر واعادة تقويم الموقف لتنأى بنفسها عن طرف يحتل القدس الشريف .. ولم يتضمن بيان المجلس ادانة صريحة لتركيا .. في ذات الوقت كانت بقية المواقف العربية مماثلة .. الاستثناء الوحيد كان موقف الأردن الذي كانت توجد شبهات بشأن اشتراكه في تحالف مع تركيا وهو ما نفته عمان رسميا. أما ايران فقد ساندت سوريا معبرة عن قلقها من التصريحات والتهديدات التركية الموجهة إلى سوريا ومن هنا سعت طهران للوساطة بين الجانبين. ودخلت روسيا على خط الأزمة حيث طالب الدوما الروسي الحكومة بمنح اوجلان حق اللجوء السياسي وهو ما رأى فيه البعض مسعي من موسكو للضغط على تركيا لعدم مد خط أنابيب النفط الآذري عبر الأراضي التركية لمصلحة استمرار تدفقه إلى ميناء نوفوراسيسك الروسي وكذا الضغط على أنقرة لوقف دعمها للشيشان. أما الولايات المتحدة فقد راحت تحث الطرفين على تسوية خلافاتهما دبلوماسيا! أما اسرائيل فقد حرصت على أن تنفي أي مصلحة لها في الأزمة التركية الاسرائيلية في ذات الوقت الذي بدا فيه أن تل أبيب تؤيد عملية عسكرية محتملة ضد سوريا .. في هذه الأثناء تم الإعلان عن مناورات مشتركة بين اسرائيل وتركيا والولايات المتحدة. ومن ملف الأزمة التركية السورية على خلفية النزاع بينهما بشأن ادعاءات انقرة مساندة دمشق لحزب العمال الكردستاني تنتقل المؤلفة في الفصل الرابع إلى تناول القضية الكردية فتعرض للأكراد عبر التاريخ العربي وواقع الأكراد الانساني والثقافي والسياسي والاقتصادي، وبعيدا عن الإيغال في التاريخ تشير المؤلفة إلى أن القبائل الكردية في الفترة التي سبقت الفتوحات العربية كانت تعيش في المنطقة التي نسميها الآن منطقة كردستان العراقية والإيرانية وبعض المناطق الإيرانية، ومع الفتوحات خضعت المناطق الكردية للخلافة العربية. وتعرض المؤلفة بعد ذلك لوضع الأكراد في ظل الحكم العربي حيث اندلعت انتفاضات كردية، ومن هنا تشير الى النشوء العرقي للأكراد إلى أن الاتجاه الأغلب أنهم ينحدرون من أصل عربي، ثم تعرض لواقع الأكراد في تركيا والتي تحاول طمس هويتهم رافضة الاعتراف بوجود قضية كردية رغم أن عدد الأكراد 12 مليونا ومع ذلك لا تسمح تركيا لهم بفتح مدارس خاصة بهم لتعليم اللغة الكردية والطالب التركي يستطيع أن يتعلم أي لغة إلا الكردية و تحارب في الوقت ذاته أي نزعة استقلالية أو انفصالية للأكراد وترفض منحهم حكما ذاتيا على غرار ما فعل العراق عام 74. ويتناول الفصل الخامس من الكتاب موقف تركيا من حزب العمال الكردستاني بزعامة عبدالله اوجلان .. فلم تقتنع انقرة بما حققته من اتفاق مع دمشق بشأن وقف نشاطات حزب العمال الكردستاني وتأكيد سوريا أن اوجلان غير موجود على أراضيها وإنما راحت تطارد الزعيم الكردي حتى نجحت في القبض عليه .. فبمجرد ظهوره في ايطاليا مارست ضغوطا عليها لتسليمه اليها دون جدوى ووصلت الأزمة بين البلدين ذروتها حتى قررت انقرة مقاطعة الشركات الايطالية، وإزاء اليأس من تسليمه لها طالبت انقرة روما بمحاكمة اوجلان ثم جرى الحديث عن ابعاده إلى كوريا الشمالية أو جنوب افريقيا إلى ان ظهر في موسكو ومارست تركيا ضغوطا كبيرة على دول اوروبية عديدة لعدم استقبال اوجلان. وأمام هذه الضغوط وما بدا من عدم وجود فرصة للإفلات راح اوجلان يعلن عن رغبته في التوصل إلى سلام مع تركيا عارضا مقترحات محددة في هذا الخصوص داعيا إلى مؤتمر سلام في روما في شأن المسألة الكردية، وفي اوائل فبراير 99 تقاذفت هولندا واليونان وسويسرا وايطاليا طائرة اوجلان ومنعته من الهبوط في أراضيها، وسط هذه الأجواء لعبت واشنطن دورا كبيرا في مساندة تركيا فراحت تطالب روما بتسليم اوجلان لأنقرة وتشكك في تصريحاته بشأن اعتماد السلام كسياسة لحركته. ثم تتناول المؤلفة القبض على اوجلان في الفصل السادس وذلك في فبراير وسوقه إلى تركيا ووضعه في أحد سجون اسطنبول ومع اعتقاله تكون طويت صفحة لطريقة ما في مزاولة العمل السياسي في المرحلة الأخيرة من القرن العشرين وتعرض للروايات المعروفة بشأن قصة الاعتقال وتشير إلى تعاون استخباراتي امريكي اسرائيلي تركي حقق هدف اعتقال اوجلان في كينيا مع تواطؤ من هذه الأخيرة واليونان، وكان لهذا الاعتقال فعل الشرارة في أوساط الأكراد بمختلف أنحاء العالم حيث سادت احتجاجاتهم وتظاهراتهم .. وبغض النظر عن المصير النهائي لاوجلان فقد كان فصلا دراميا من فصول الأزمة الكردية من المؤكد أنه سيتبعه فصول أخرى لن تنتهي سوى بالوصول إلى تسوية ترضي الأكراد وتحقق لهم بعض طموحاتهم. مصطفى عبدالرازق