بيان الكتب: هناك فرق شاسع بين السودانيين كأفراد والسودانيين كجماعات، أي في مجال العمل الجماعي، وهو أمر يدعو للحيرة والحزن معاً، فبينما نحن كأفراد نعتبر نموذجا رائعا للعزيمة الصلبة والمروءة، إلا أننا في مجال السلوك الجماعي، قد برهنا في كثير من الأحيان على تقاعس وإخفاق، والخلاف بيننا أكثر من الوفاق كأنما الشخص منا شخصان والفرد منا فردان. هذا مما جاء في التمهيد لكتابه «قراءات في دفاتر الغربة»، محمد أبشر حسن يقلب دفاتر الأوجاع، أوجاع كل المغتربين، وفي كل صفحة نعتقد أنها تلامس مشكلات السودانيين، كان «يفقأ دمامل» أغلب المغتربين بعيدا عن مشاربهم وحتى انتماءاتهم. ولكن هل يكفينا تصفح دفاتر الأوجاع؟ هل استطاع المؤلف أن يتناول جانبا معينا من غربتنا ويحيط بكل تفاصيلها وأسباب ونتائج ما آلت إليه أوضاعنا؟ بعيدا عن الخلط بين الغربة والاغتراب الذي كان لابد من توضيح خيوطهما المتداخلة لأن القراءة تتناول دفاتر الغربة، فإن ما فعله محمد ابشر حسن يعد في أغلبه ابداعا، وربما هذا قد يجعلنا في «بيان الكتب»، نفتح أبوابا جديدة للحوار، أي هل يدخل اكتشاف الأفكار في مجالات السبق؟ إذا كان ثمة سبق صحفي، فهل هناك سبق للأفكار؟ إن هذا السؤال رغم شرعيته يعد ضربا من «التأمل» فربما فكرة ما داخل قصة لكاتب مبتديء، استطاع كاتب كبير أن يحولها إلى رواية عظيمة، من سيبحث حينها عن منبع الفكرة؟ إن الذي كنا نريد توضيحه تماما هو أن مؤلف هذا الكتاب يقدم لنا مفاتيح ذهبية لبوابات كثيرة، وله في ذلك شرف السبق، ونعتقد أن أسباب تعدد الموضوعات في هذا الكتاب ـ رغم ترابطها الداخلي ـ يندرج تحت تشعب مشكلات المغتربين، وليس كما قيل «في بعض الفصول غلب الفنان اللاهب على الدارس الهاديء فاحتد احتدادا قد لا يرضاه المنهج العلمي أو هذا ما أراد لكن من المؤكد أن حجارة الخطيئة التي رماها أصابت رؤوسا كثيرة قد لا يكون الكاتب نفسه قصد إليها». لأنه بكل بساطة لا يمكن للغة المعبرة عن الاحصاءات الجافة أن تعبر عن أوجاع الغربة الاجتماعية أو الحنين للوطن. يبدأ محمد أبشر كتابه بقراءة أولى يسلط بها الأضواء على مؤتمر السودانيين العاملين في الخارج، ويوضح حقائق عدة عن الهجرة، بداياتها، أسبابها، أشكالها، دوافعها.. ومن ثم ينتقل لعرض حقائق وأرقام عن المغتربين ضمن احصائيات متغيرة، يصعب رصدها بدقة، وتحتاج إلى مؤسسات قائمة بذاتها! بعد ذلك يعود لتوضيح بعض القضايا والآراء قائلا: «انني كمغترب عاش تجربة الاغتراب بكل معطياتها السلبية والايجابية، أحس بأن هناك قضايا ينبغي أن نقف عندها طويلا لأنها تهم، بل وتؤرق مضجع كل حادب على مصلحة الإنسان السوداني مغتربا كان أم مقيما، ففي إطار الملاحظة والاستقراء للتجارب والمعايشة لسلوكنا وممارساتنا كسودانيين في الغربة، وعلاقة ذلك بخصائصنا وعاداتنا وتقاليد مجتمعنا السوداني الذي ننتمي إليه، ثم مقارنة ذلك بمن حولنا من الشعوب الأخرى التي تعايشنا معها في الغربة، في إطار ذلك تبرز مؤشرات معينة وأسئلة تحتاج إلى إجابة، إضافة إلى ما يتضح من سمات التناقض والتناسق، والأمر في آخره يدعو للحيرة والارتباك حينا، بل إلى الألم والأسى حينا آخر. وظلال الأسى والحيرة حتى لا تبدو الصورة مأساوية لا يمكن في جوهر الحقائق وأصل الأخلاق السودانية فنحن أمة لها من أرصدة الخلق الكريم ما يغنينا عن الدفاع عنها، وهو ما عرفنا به، وعرفه كل من عاشرناه وتميزنا به، ويشهد لنا به العدو قبل الصديق، الأمر إذا ليس أمر مبدأ، بل هو مسألة سلوك وممارسة، وأرى أن ثمة أمرين لهما أثر مباشر انعكس في واقع ممارستنا وسلوكنا في الغربة، الأمر الأول هو أن الترابط الأسري في السودان أحدث في عموميته بعدا اجتماعيا تبلور على مر الزمن ليحدث الترابط القومي، غير أن ذلك البعد الاجتماعي لم يتمخض عنه بعد اقتصادي، وهذه في نظرنا إحدى أكثر مشكلات السودان الآن.. والأمر الثاني له وجهان الأول يتمثل في الفرق الشاسع بين السودانيين كأفراد والسودانيين كجماعة، والوجه الثاني يتمثل في عدم وجود التوازن في ديناميكية السلوك الجماعي والفردي بين الحس والحركة أو أن الاحساس الفردي الذي لم يتمخض عنه جماعية في السلوك أحدث نوعا من التناقض من حيث ترتيب الأولويات. في القراءة الثانية يطرح المؤلف تساؤلات ـ ربما ـ كل سؤال منها يحتاج إلى كتاب بحد ذاته، كالسؤال العاشر مثلا: علاقاتنا بالوطن، أبعاد النظرة الفردية والقومية، حدود الالتزام القومي؟ القراءة الثالثة تأخذ طابعها الاجتماعي المميز، حيث يفصل في أثر الغربة على الشرائح الاجتماعية والعمرية، رابطا ذلك بخصوصيات كل شريحة، موضحا الجوانب السلبية والايجابية للغربة على الأطفال والشباب والنساء. القراءة الرابعة مسك الختام فعلا، وتعتبر من أهم المفاتيح، فالتراكمات التصاعدية التي تؤدي إلى الهجرة، هل تحدث أيضا بالوتيرة ذاتها وتؤدي إلى العودة؟ هل الهجرة والعودة وجهان لعملة واحدة كما يقول المؤلف؟ إن أهمية هذه القراءة تكمن في أن التفكير بالهجرة قد يكون به نقاط عدة مشتركة بين المهاجرين، ولكن هل الحنين وحده يكفي ليشكل تلك النقاط عند العائدين؟ وما هو دور المكان وعلاقته بتحديد الزمان ـ أي زمن الغربة ـ وهل يصل التفكير في العودة إلى هاجس قد يحدد أو يؤثر على سلوك المغترب؟