بيان الكتب: عندما طلب كرستوفر كولمبس من الملك فردناند والملكة ايزابيلا في اسبانيا تمويل رحلاته، طلب الملك والملكة تكوين لجنة من أكبر العلماء والجغرافيين للبحث في جدوى هذا المشروع، وقد تضمنت الخلاصة السلبية لعمل هذه اللجنةالتي رفعت تقريرها عام 1486م، استشهادات من القديس سانت اوغسطين ومن الفيلسوف المسيحي لاكطانطيوس الذي أعلن: هل هناك شخص بهذا الغباء حتى يصدق ان هناك بشرا في الجهة المقابلة للأرض، اقدامهم معاكسة لاقدامنا، وان هناك اناسا يمشون واقدامهم الى الاعلى ورؤوسهم تتدلى للاسفل.. وان الاشجار تنمو افرعها متجهة للاسفل، والمطر والبرد والثلج يصب نحو الأعلى؟؟ وعندما اعلن لوي داجير اختراعه للتصوير الفوتوغرافي عام 1839م اظهر الخبراء احتقارا له من دون ابداء أي تحقيقات اكثر من ذلك. وقد نشرت صحيفة في لايبزج تقريرا اوضحت عباراته ان الكاتب قد استشار واحدا على الاقل من الخبراء التقنيين قبل كتابته: «ان الرغبة في امساك الانعكاسات سريعة الزوال، ليست فقط مستحيلة كما أوضحت الاختبارات الالمانية الدقيقة، بل ان الرغبة في عمل ذلك ستكون تجديفا. لقد خلق الله الانسان على صورته، ولا يمكن لأي ماكينة يصنعها الانسان ان تقوم بتحديد صورة الرب! ويمكن للمرء بلا تردد ان يصف الفرنسي داجير الذي يفاخر بمثل هذه الاشياء التي لم يسمع بها الناس من قبل بأنه اغبى الأغبياء». اذا كانت ردود الافعال في الماضي قد اخذت هذا المنحى احيانا، ووصلت الى قتل العلماء احيانا اخرى.. فكيف ستكون ردود الافعال في المستقبل ازاء الاكتشافات الجديدة. ان البحث عن عوالم تشبه الارض لن يكون عملا سهلا وسيحتاج الى تلسكوبات قدرتها على التمييز تساوي مئات الآلاف من المرات من قدرة تلك الموجودة في يومنا هذا، لأن الضوء المنعكس الذي يصدره كوكب بحجم الارض من وراء نظامنا الشمسي سيكون باهتا بعشرة ملايين مرة اقل من ضوء شمسه الأم، وحتى اذا بدا نجم معين لوجود عالم يصلح للسكنى، فان ذريتنا لابد لها من فحص الشرك المخبوءة التي قد تجعل من وجود مثل هذا العالم مستحيلا. لماذا؟ هل هناك وباء معين يؤثر في النجوم، حتى تلك التي عدت في الماضي اكثر افضلية للبحث عن ارض جديدة؟ تحيط بنظامنا الشمسي سحابة واسعة، بها نحو 100 مليار مذنب، وتعرف باسم سحابة «اوورت» على اسم مكتشفها جان اوورت، ولحسن حظنا فهذه السحابة المذنبة تبعد عنا مسافة هائلة، وتقع على بعد ثلاثة ترليون كيلو مترات عن الشمس، اي 20.000 مرة أبعد عن المسافة بين الارض والشمس، ولو كانت قريبة اكثر لالتحمت وشكلت نجما قزما بني اللون، وما كانت الارض ستوجد بعد ذلك. ان الاقزام البنية واحدة من الأنواع الشائعة من النجوم في المجرة، وهي اجسام صغيرة جدا تتحرك كالنجوم، وكتلتها اكبر بعشرة الى مئة مرة من كتلة المشتري، بحيث يمكنها بالضغط عن طريق الجاذبية ان ترفع درجة الحرارة بشكل كاف بداخلها لكي يتسنى لها الالتحام النووي وتتحول الى نجم. ان النجم المشابه للشمس «ابسلون اريداني» قد عانى الوباء القاتل لقربه من موقع نجم بني قزم، وهو يبعد 11 سنة ضوئية عن الشمس، وكان بفضله قد تم عام 1970 تدريب تلسكوب راديو ليرى اذا كانت هناك اشارات ذكية تنطلق من اي كوكب في مداره، وبعد عقدين شاهد الفلكيون عن قرب «ابسلون اريداني» ووجدوا ان تلك الاحلام دون أمل، حيث اوضحت الحركات الدقيقة للنجم انه يجّر اماما وخلفا بجسم ضخم غير منظور في مدار قريب حوله، وقد تكون قزم بني مصاحب، اضخم 100 مرة من المشتري، على بعد 50 مليون كيلو متر من «ابسلون اريداني» وهي تقريبا المسافة نفسها من الشمس الى عطارد، ويبدو ان المشتري او زحل او اورانوس أو نبتون، كلا قد ضاعف حجمه، وتشكل في جسم واحد واخذ الحطام المتروك كله بعد تشكيل الشمس، والذي استخدم لتشكيل الارض وكما قال احد الفلكيين «يبدو ان نظامنا الشمسي قد تشكل كما هو بمثل رمية النرد الكوني، واذا كان هذا الجسم الضخم يقع بين الشمس وبيننا فان الارض ما كانت لتوجد، وكان القزم سيستخدم المادة كلها التي تكون عالمنا». هل ثمة نجم سيكون صالحا للسكنى مستقبلا؟ واذا كانت النبوءات تقول ذلك، فأين سيكون وما هي خواصه وميزاته وحدوده وأبعاده...؟! ان النجم المستهدف لرحلة بها بشر لابد ان يتم فحصه مقدما لضمان انه لن يخفي اضطراب الحركة المدارية الدقيقة، والذي سيدل على الوجود القاتل لنجم مصاحب صغير يدور في مدار مقارب، ولكن مقارب من ماذا؟ هنا يكون الاعتراض، الا ان هذه ليست هي العقبة الوحيدة، بينما تشكل الأقزام وعمالقة الغاز الضخمين على قرب النجم عقبة قاتلة امام السكنى في أي واحد من كواكبه، ومطلوب ان تكون في الاقاليم الخارجية للنظام كما في المشتري والبقية، وهي ستعمل على انحراف المذنبات والكويكبات التي كانت ستتجه الى العوالم الداخلية، وتضربها في بعض الأحيان، فالكوكب الصالح للسكنى بدون دروع كهذه لن يكون قادرا على استيعاب حضارة وطنية، وسيجعل الحياة التي ستستقر فيه من الارض في منتهى الخطورة. ولقد شهدنا هذا في عام 1994 عندما تحطم المذنب «شو ميكر ـ ليفي 9» بعنف داخل المشتري، وبسبب جذب كتلة المشتري فان هذا المذنب كان سيتجه نحو الشمس، صوب الكواكب الداخلية، وبعد ملايين الأعوام او حتى آلاف الملايين فقد يصطدم بالارض ويخلق تبعات مدمرة لحضارتنا. قبل 65 مليون عام كان كوكبنا قد ضرب بكوكب كبير، وأباد نسبة هائلة من حيواناته، كالديناصورات مثلا، ويبدو ان مثل هذه الكوارث قد تحدث مرة كل 100 مليون عام، ولكن درع المشتري وغيره من غالقة الغاز تشكل حماية لنا من مثل هذه النكبات التي كانت ستحدث بوتيرة تهدد الحياة كلها كل 100.000 عام، وتحدث دمارا شديدا واكثر تكرارا، لذلك فان النجم المنافس الصالح للسكنى يجب الا يبقى وحيدا في نظامه، ولابد ان يكون له عمالقة غاز في امتداداته الخارجية، ويتعين الا تكون مقاربة او في اي مكان قرب مداره الذي يحتله هو. وايضا خواص النجم نفسه مهمة، ولابد من ان يكون هو الجسم النادر نسبيا في المجرة، نجم واحد دون صاحب ضخم، فنظام النجم الثاني سيحدث تغييرات مناخية عنيفة على الكوكب الدوار، وعندما تشرق الشمسان في السماء ستكون الاحوال مختلفة جدا عن الأوقات التي تقوم واحدة منهما بكسف الاخرى. وبالحكم من تاريخ الارض لابد ان يكون عمر النجم بين 3 او 4 مليارات عام، اذ انه قبل 500 مليون عام فقط كانت الارض والشمس موجودتين لاربعة مليارات عام، كان الاكسجين والحياة النباتية اسسا نفسيهما لأول مرة على هذا الكوكب، ودون هذين المكونين سيكون التنفس او الزراعة من المستحيلات، وكان من غير الممكن ان يصير الكوكب مأهولا، ومن حسن الحظ ان عمر النجوم يسهل احصاؤه، وبمجرد ان نعرف سطوع النجم «الالتماع المطلق الذي سيكون عليه عند مشاهدته من مسافة معينة من الارض» فسيمكننا قياس كتلته، وكلما تعاظمت كتلة النجم قصرت حياته. وقد اوضح ستيفن دول في كتابه «الكواكب الصالحة لسكن الانسان» ان الكوكب نفسه لابد ان تكون له مواصفات محددة بصورة حسنة، ولابد ان تكون كتلته 40% على الاقل من كتلة الارض، واقل من هذا ستكون جاذبيته ضعيفة الى حد انها لن تقدر على المحافظة على جو يمكن تنفسه، ولابد ان تكون مسافته من الشمس مناسبة، طبعا اضافة الى طبيعة الارض ووجود الاوكسجين والنباتات والحيوانات.. الخ. وعندما يتم اكتشاف عالم في حجم الارض في مدار نجم طبيعي على المسافة الصحيحة منه ليكون صالحا للسكنى، ويكشف طيفه الضوئي دلائل عن الاكسجين والماء، فان هذه الاخبار ستكون مثل قصف الرعد، اذ انها ستكون المرة الاولى التي يتم فيها اكتشاف كوكب ليس صحراء لاهبة مثل عطارد، وليس ملفعا بالغاز وذا حرارة جهنمية مثل الزهرة، وليس برده قارسا كالمريخ، او عبارة عن طوفان من الغازات تتقاذفها العواصف، ولا يمكن لأية سفينة فضاء أن تنزل عليه كالمشتري والبقية.. ولكن هل ثمة عالم «ازرق ـ اخضر» من الغابات والمحيطات وبه جو من النيتروجين والاكسجين وكائناته المستوطنة مثل كائناتنا محكومة بالقوانين البيولوجية نفسها؟ يقال إن هناك نجما منافسا للارض على الرغم من بعده، وهو النجم اتش. دي 44594 ويبعد 74 سنة ضوئية من الشمس وليس به اثر لقزم بني اللون. محمود ابو حامد