كما كان متوقعاً منذ ساعة عرضه في المسابقة الرسمية للدورة الرابعة والخمسين في مهرجان «كان» السينمائي الدولي، فقد فاز فيلم «غرفة ابني» للمخرج الايطالي ناني موريتي بجائزة السعفة الذهبية. ويأتي فوز موريتي بهذه الجائزة المهمة تتويجاً لنجاحات كبيرة حققها في بلاده، سواء على صعيد الجوائز أو على صعيد شباك التذاكر، إذ كان قد فاز قبل شهر واحد بجائزة «دافيد دوناتيللو» ـ الأوسكار الإيطالي ـ. وتتميز جائزة السعفة الذهبية لهذه الدورة من المهرجان بأهمية خاصة لكونها جاءت بعد سابقة تميزت بحضور مخرجين كبار مثل جان لوك جردار وديفيد لينتش وجاك ريفيت ومانويل دي أوليفيرا وايرمانو أوملي. ويمثل فيلم «غرفة ابني» تطوراً جديداً في انتاج ناني موريتي، الذي كانت جريتا فارايتي الشهيرة قد أسمته بـ «وودي آلين الايطالي» وذلك لأنه الفيلم الأول الذي لا ينطلق من مسيرة الفنان الذاتية ومن تجاربه الحياتية والسياسية. ويعرض الفيلم حياة عائلة متوسطة تعيش حياتها بشكل طبيعي واعتيادي والمأساة التي تقلب ذلك الهدوء، إذ يأتي الموت المفاجئ للابن الأكبر للعائلة بسبب تعرضه إلى الغرق في البحر لتقلب جميع الموازين في تلك العائلة وتحوّل حياتها جحيماً. وقد شحن موريني في فيلمه هذا كماً هائلاً من العواطف الانسانية الجياشة التي يصعب على كل «أب أو أم» مقاومة تأثيرها أضف إلى ذلك القدرة الهائلة التي أدت فيها النجمة الايطالية لاورا مورانتي دور الأم المنكوبة، وهو أداء كان يرشحها بكل تأكيد لنيل جائزة أفضل ممثلة عن جدارة واستحقاق. ويأتي أداء ناني موريتي «الذي كتب سيناريو الفيلم وأدى بطولته» جميلاً وهادئاً ومؤثراً وهي المرة الأولى التي يضع فيها هذا المخرج نفسه في خدمة الفيلم بعد ان تميزت أفالمه السابقة بكونها جميعاً في خدمة الدور الذي يؤديه. ومن خلال استطلاعات الرأي التي كنا قد أجريناها في الأيام السابقة في المهرجان حول احتمال فوز هذا الفيلم بأحد أكبر جائزتي المهرجان، كان الرأي الغالب انه فيلم يستحق الجائزة الكبرى على الرغم من تنافسه مع أفلام أخرى كبيرة، ومن بين هذه الأفلام أعمال مثل «العلم عند الغيب» للفرنسي المخضرم جاك ريفيت و «أنا عائد إلى البيت» للبرتغالي المخضرم مانويل دي أوليفيرا و «معلمة البيانو» للألماني مايكل هانيكيه، والذي حصد ثلاثاً من أهم جوائز المهرجان، فقد نال هذا الفيلم باستحقاق جائزة لجنة التحكيم الكبرى وحصلت ممثلته الأولى الفرنسية ايزابيل هوبير «التي أدت دور معلمة البيانو» جائزة أفضل ممثلة، فيما حصل الممثل الشاب بينوا ماجميل على جائزة أفضل ممثل وإذا كانت ايزابيل هوبير تستحق جائزة أفضل ممثلة عن جدارة فإننا نرى أن اختيار لجنة التحكيم الدولية للممثل ماجميل كأفضل ممثل وليس للنجم الفرنسي ميشيل بيكولي عن دوره في فيلم «أنا عائد إلى البيت» من إخراج مانويل دي أوليفيرا جاء كتشجيع لطاقات هذا الممثل الشاب. وإذا كانت فرنسا وايطاليا قد حصدتا أهم جوائز المهرجان فإن جائزة أفضل مخرج التي منحت مناصفة إلى كل من ديفيد لينتش عن فيلم «طريق مولهولاند» وجويل كوين عن فيلم «الرجل الذي كان هناك» جاءت بمثابة تطييب خاطر الأمريكان الذين حضروا هذه الدورة من المهرجان بثقل كبير، وإذا كنا نتفق مع منح هذه الجائزة إلى جويل كوين فإننا نرى المخرج الروسي اليكساندر سوكوروف، مخرج فيلم «تاوروس» و باز ليهرمان مخرج فيلم «مولان روج» أكثر استحقاقا من لينتش الذي لم يقدم عملا متميزاً كما عودنا في أفلامه السابقة. وكما هي عادة مهرجان كان فإنه سيسجل في سجله الذهبي ميلاد مخرج جديد كبير هو المخرج البوسني دانيس تانوفيتش الذي قدم فيلمه «أرض الحياد» وفاز عنه جائزة أفضل سيناريو، وهو فيلم يتناول حرب البلقان بنظرة سخرية عالية وباتهام كبير موجه الى القوى العظمى التي رتقت نتائج الحرب ولم تضع حداً نهائياً لها. البلدان الآسيوية «ومنها ايران» خرجت من المهرجان خالية الوفاض ولم تفز الا بجائزة جانبية هي جائزة التقنيات وقد منحت مناصفة الى فيلمي «مامبو الألفية» للتايواني هوتسياو تسيانج «وانتم يا من هناك كم الساعة لديكم؟» من اخراج الماليزي تساي ميانج لينج. ومنحت جائزة السعفة الذهبية للأفلام القصيرة الى فيلم «كعكعة الفاصوليا» من اخراج ديفيد جرينسبان وهو انتاج ياباني. ومهما تكن النتائج واتفاق المتابع معها او اختلافه معها فإن الجائزة التي تمنح فيلماً في مسابقة ما ليست الا نتاجاً لرأي مجموعة من الناس الذين تضمهم لجنة التحكيم ويمنح مهرجان كان اي فيلم او مبدع يحضر تظاهراته أهمية استثنائية تصبح الجائزة بحد ذاتها عنصراً مكملاً فـ «كان» هو المهرجان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وبامكان من حضر المهرجان أن يقول بفخر: «لقد كنت هناك وكان فيلمي ضمن المهرجان!» ومن المؤسف انه ليس بإمكان السينما العربية في هذه السنوات ان تردد هذه الجملة فغيابها بات مزمناً. كان ـ عرفان رشيد