بيان الكتب: مما لاشك فيه أن المخرجة والممثلة واحة الراهب تشكل حضورا فنيا وثقافيا مميزا على الساحة الفنية السورية فعلى الرغم من اتجاهها لدراسة الفنون الجميلة في بداية مشوارها الإنساني، إلا أنها استطاعت التوجه نحو الإخراج والتمثيل في آن واحد وحققت عبر المجالين نجاحات فنية وجماهيرية مهمة نالت من خلالها جوائز عديدة من مهرجانات مختلفة. ولعل الجانب الثقافي يبدو غامضا بعض الشيء في حياة واحة الراهب لذلك أحببنا أن يكون هذا اللقاء نافذة يطل منها الجانب المعرفي والثقافي في حياة فنانة كل ما فيها يوحي بالرصانة والعمق والأصالة. فسألناها بداية عن رحلتها مع عالم المطالعة والكتاب وهل تتذكر أول كتاب قرأته؟ فقالت لنا واحة الراهب: أذكر جيدا أن علاقتي مع الكتاب بدأت منذ مرحلة مبكرة خاصة وأنني بدأت مع قصص الأطفال كقصة الأميرة النائمة وسندباد وكنت أعتقد في المدرسة أن القراءة ممنوعة وأتذكر مرة كيف ضبطتني المعلمة وأنا أضع في درج مقعدي قصة كنت أقرأها في أوقات الفرص وسألتني ماذا أخفي في مقعدي وقد ارتعدت حينها ولم استطع اجابتها لكنها عندما عرفت الحقيقة شجعتني على القراءة والمطالعة وطلبت مني أن أحكي لزملائي في الصف ما كنت أقرأه باستمرار. هذا في مرحلة الطفولة أما في مرحلة المراهقة فقد انتقلت مع أسرتي إلى مصر كون والدي كان يعمل في السلك الدبلوماسي ومن حسن حظي أن المنزل الذي استأجرناه كان يحتوي على مكتبة كبيرة فيها كل أنواع الكتب فقرأت أولا الروايات العالمية كرواية «ذهب مع الريح» و«آلة الزمن» وقد انتهيت من هذه الروايات في فصل الصيف أيام العطلة المدرسية. أما بداية علاقتي بالكتب النظرية فقد بدأت مع نوال السعداوي وبدأت أهوى كتب التاريخ والفلسفة وعلم النفس والأدب العربي والعالمي وقد تستغربون لو قلت لكم أنني أحب الاطلاع على كل شيء في هذه الحياة ويهمني أن تكون معارفي متنوعة فعندما أقرأ في الاقتصاد مثلا يهمني كثيرا فهم آلية الحياة وديناميكية السياسة مع الاقتصاد والتاريخ والمجتمع. ـ وماذا عن مطالعاتك في فترة دراستك وهل هناك كتب معينة اتجهت لقراءتها؟ ـ عندما اتجهت لدراسة السينما أصبحت بحاجة للاطلاع قدر الامكان على كل ما يتعلق بالسينما من كتب نظرية كالمونتاج والتصوير وتاريخ السينما وتقنياتها، وقد اضطررت إلى القراءة بشكل مكثف في مجال تقنيات السينما، لأنني ومنذ السنة الدراسية الأولى اضطررت إلى عمل فيلم روائي قصير وعادة ما يتخرج الطالب بفيلم قصير وبالنسبة لي فقد تخرجت بفيلم مدته ثلاث دقائق ولكنني عملت في 16 فيلما مع زملائي ولم يشجعني أحد على دراسة السينما لأنه مجال صعب كما يقولون لذلك قدمت منذ السنة الدراسية الأولى ومنذ الفصل الأول سيناريو فيلم روائي قصير أعجب أستاذي بشكل شجعني على إخراجه في الفصل الثاني وقد اضطرني هذا الفيلم إلى الاطلاع على أكبر قدر ممكن من المعلومات عن السينما وبالفعل نفذت هذا الفيلم وكان اسمه «منفى اختياري» وقد نال الجائزة الفضية في مهرجان القليبة في تونس وقد جعلتني هذه الجائزة أشعر أنني لست متطفلة على مهنة الاخراج وأنني في الموقع الصحيح. ـ على هذا الأساس كيف ترين تأثير الثقافة على الفن وحاجة الفنان والمخرج للمطالعة والكتاب تحديدا؟ ـ برأي أن الموهبة وحدها لا تكفي فمع الوقت كل شيء ينضب حتى العقل وهناك نظرية في الطب تقول: إن العضو الذي لا يستعمل ينضب وأعتقد أن العقل ضمن الأشياء التي يمكن أن تصاب بالضمور إذا لم نستخدمها بالشكل الصحيح، لذلك أرى أن الثقافة هي أداة تطوير الموهبة ويجب على الفنان صقل موهبته بالثقافة النظرية التي تتطور مخيلة الفنان ومنهجية حكمه على الأمور، هذا بالاضافة إلى الثقافة الحياتية والاحتكاك بالبشر ومعرفة طبائعهم وشخصياتهم وأنا شخصيا ورغم أن الوقت المخصص للقراءة هذه الأيام أقل من السابق إلا أنني أجد وقتا كافيا للقراءة فيما بين العمل الفني والآخر لابد أن تكون هناك فسحة لابأس بها للقراءة والمطالعة. ـ لو سألناك إذن عن آخر كتاب قرأته؟ ـ اخر كتاب قرأته كان للكاتبة فاطمة المرنيسي واسمه «سلطانات منسيات» أما في مجال الرواية فكانت رواية «رسمت خطا على الرمال» لعمي الراحل هاني الراهب الذي تأخرت في قراءة روايته الأخيرة لأنني كنت أقرأ أشياء أخرى ولم أكن أتخيل أن الرواية قد نزلت بعد لكنني عندما سافرت إلى فرنسا أخذت نسخة من هذه الرواية لكن زملائي وأصحابي أخذوها مني فكان لابد أن أنتظر حتى أعود إلى دمشق وكان عمي قد توفي وقتها وللأسف لم تتح لي الفرصة لأهنئة على هذا العمل الإبداعي الجميل. ـ هل وجدت اختلافا بين رواية «رسمت خطا على الرمال» وروايات عمك السابقة؟ ـ بالتأكيد فأنا أرى في كل رواية جديدة لعمي إنجازا إبداعيا قائما بحد ذاته فرواية «ألف ليلة وليلتان» لا تشبه رواية «الوباء» و«الوباء» لا تشبه رواية «بلد واحد هو العالم» ولا تشبه «جرائم دونكيشوت» كل هذه الروايات والأعمال المختلفة تماما عن بعضها وعن عمله الروائي الأخير «رسمت خطا على الرمال» فهو عمل إبداعي ناضج لكنني أرى فيه بعض المآخذ كالخطابية والمباشرة في بعض نواحي الرواية لكن هذا لا ينفي الجانب الجديد في الرواية من حيث تداخل الرؤية الواقعية بالأسطورية عبر طريقة ملحمية متميزة فمن الصعوبة في الأدب أن تستطيع السيطرة على كل هذه الأدوات وأن تتطرق كل هذه الأبواب وتتعامل مع بعض شخصيات واقعية ورمزية وأسطورية في وقت واحد وهذا شيء استطاع تقديمه الراحل هاني الراهب بكل براعة واتقان ولا أقول هذا الكلام لأنه عمي لكنني أقول الحقيقة التي سيتفق حولها الكثيرون ممن قرأوا رواية «رسمت خطا على الرمال». ـ هل يمكننا ان اهتماماتك الأدبية والثقافية تتقاطع مع اهتمامات زوجك المخرج مأمون البنى؟ ـ من المؤكد أن هناك الكثير من الاهتمامات التي تتقاطع أحيانا بيننا وأحيانا تختلف فمأمون يقرأ الروايات ويحب التاريخ المعاصر مثلا بينما أحب أنا المواضيع التي لها علاقة بعلم الاجتماع وعلم النفس وعندما يقرأ الواحد منا أي كتاب لاشك أنه يحكي له عن محتوياته ومناقشته لأن المناقشة تغني الحياة بكل تفاصيلها. ـ وهل شجعته مثلا على قراءة كتاب معين أعجبت به وأحببت أن تفتحي مجالا للمناقشة والحوار بينك وبين زوجك؟ ـ ربما تكون رواية عمي الأخيرة «رسمت خطا على الرمال» آخر ما شجعته على قراءتها فقد سافر لفترة وكنت قد سبقته لقراءتها لذلك عندما عاد من سفره حمسته على قراءة الرواية، كذلك رواية نجوى بركات التي أعتبرها كاتبة عظيمة إضافة إلى الصداقة الجميلة التي تربطني بها. ـ وهل هناك أوقات معينة تفضلين القراءة فيها دائما؟ ـ أفضل الصباح للقراءة وبقدر ما يكون نهاري ملكا لي بقدر ما أنجز في مجال القراءة أكثر، فمثلا عندما يكون عندي ساعة أو ساعتين لأوقات الفراغ لا أستطيع القراءة والتركيز بشكل جيد تماما عندما يكون نهارا كاملا للقراءة والمطالعة. ولا أحب القراءة في الليل لأنني غالبا أترك الليل للأحاديث ورؤية الأصدقاء والسهرات الاجتماعية واللقاءات بينما أفضل النهار للعمل والانتاج والثقافة والمطالعة. ـ من خلال مطالعاتك الدائمة وعملك كممثلة ومخرجة هل تعتقدين أن المرأة أخذت حقها سواء أدبيا أو دراميا؟ ـ ربما تكون المرأة قد أخذت حقها في مجال الأدب أكثر من أي مجال آخر بسبب بسيط وهو أن من يناطح للكتابة هو شخص خاسر ماديا ومعنويا، فالاقبال على قراءة الكتاب أصبح محدودا وتقلصت إلى درجة مدهشة نسبة القراءة فيما كانت في السابق نوع من المباهاة والتفاخر فع ازدياد الناس وظروفهم المعيشية أصبح الكتاب نوعا من الترف مع تراجع الثقافة والهم الثقافي، حيث أصبح هناك إقبال على التلفزيون والانترنت ووسائل الثقافة الحديثة مما جعل دور الكتاب والأدب يتراجع قليلا لهذا السبب نجد أن المرأة والرجل في هذا المجال متعادلات في الخسائر المادية والمعنوية نفسها. ـ وهل ينطبق هذا الكلام في مجال الدراما؟ ـ بالتأكيد لا فالصراع في الدراما مكشوف وتأخذ المنافسة بين الرجل والمرأة طابعا شرسا خاصة وأن أغلبية من يكتبون النصوص الدرامية هم من الرجال، فمن الطبيعي أن تكرس أدوار البطولة للرجال ومن النادر أن تجد دور بطولة نسائي مطلق إضافة إلى أن غالبية المخرجين من الرجال وهذا ما سيعطي للدراما المقدمة بعدا آخر في المنافسة بين الرجل والمرأة والتي يمكنني القول أنها تأخذ طابعا مختلفا عن المنافسة بين المرأة والمرأة وباعتقادي أنه لا يوجد رجل يرضى أن تتفوق عليه أي إمرأة في مجال العمل الواحد حتى ولو كانوا أصدقاء وقد تعرضت لهذه التجربة القاسية من خلال تعاملي مع أحد الزملاء في مجال الإخراج والتمثيل. ـ يقال عنك دائما بأنك امرأة مثقفة فماذا تخبرينا عن محتويات مكتبتك؟ ـ لا أعتبر نفسي امرأة مثقفة لدرجة كبيرة، فعلى الرغم من أنني بدأت القراءة والمطالعة منذ وقت مبكر، إلا أنني مازلت أشعر أنني بحاجة لكثير من المعرفة دائما تجد في مكتبتي كتبا جديدة سواء كانت كتبا نظرية أو دراسات أو روايات عربية وأجنبية فكما أن الموهبة ضرورية للفنان أرى دائما أن الثقافة ضرورية لاستمرارية الإنسان وتأقلمه مع ظروف الحياة المتغيرة دائما