بيان الكتب: مؤلفان فرنسيان شغفا بالهند وحضارتها، وبعد «مدينة الفرح» العمل الكبير لدومينيك لابيير الذي نال شهرة عالمية كبيرة وتم اخراجه في فيلم سينمائي عن حياة اهل بومباي، كرس أيضاً اعمالاً اخرى للهند مثل «اكبر من الحب» و«الف شمس»، اما جافييه مورو فله «دروب الحرية» و«جبال بوذا».. لم يكن القرن العشرون هو الفترة التي شهدت حربين كونيتين، بفاصل عشرين عاماً فقط، فحسب ولكنه ايضاً لم يكن «بخيلاً» في تقديم البراهين على ان اخطاراً كبيرة وكثيرة اخرى تتهدد البشر وبان المصدر الرئيسي لهذه الاخطار هو عدم قدرة هؤلاء البشر على التحكم بالتقدم العلمي والتكنولوجي الذي كانوا هم انفسهم الذين انتجوه. ان القائمة طويلة وزاخرة بالاحداث المرعبة وليس غرق السفينة «تايتانيك» وانفجار المفاعل النووي «تشيرنوبيل» سوى مثالين صارخين على مدى ما يمكن ان يحمله عدم السيطرة الإنسانية على التكنولوجيات او خلل آليات عملها من مخاطر وآلام. هذا الكتاب: «كان منتصف الليل وخمس دقائق في بوبال» يخص احد تلك الاحداث ـ من المآسي التي لا تزال آثارها تعبث بحياة الالاف من البشر بعد ان كانت قد قتلت الكثيرين منهم. كان ذلك في ليلة 2 ـ 3 ديسمبر من عام 1984 عندما شهد احد مصانع الغازات السامة بالقرب من مدينة «بوبال» الهندية، وحملت الرياح التي كانت تهب باتجاه المدينة الغيوم السامة التي كانت قد تعالت في الفضاء نحو الاحياء الفقيرة لتلك المدينة التي يعود تاريخها إلى قرون عديدة وتقع في اواسط شبه القارة الهندية. وهي مدينة عريقة معروفة بجمال قصورها وعظمة مساجدها العديدة وحدائقها الغناء. ان «بوبال» باختصار تحمل لقب «بغداد الهند».. وبالطبع بغداد ايام زهوها وزهوتها في عصور ازدهارها، وليس بغداد المحاصرة اليوم. وهذا الكتاب هو أيضاً ثمرة تحقيقات ميدانية قام بها المؤلفان «دومينيك لابيير وجافييه مورو» لمدة ثلاث سنوات كاملة بقصد الوصول إلى اعادة «تركيب» الظروف التي وقع فيها ذلك الحادث ـ المأساة، وكانت نتائج تلك التحقيقات المعروضة في هذا الكتاب مرعبة اذ ابرزت مدى الاهمال الذي تعامل به القائمون على ذلك المصنع من حيث الاجراءات الوقائية والامنية ولكن أيضاً مدى نقص المسئولية لدى أصحاب القرار في تلك المدينة المنكوبة، وقبل هذا وذاك مدى «العبث» الذي تعامل فيه مسئولو شركة «يونيون كاربيد» الأمريكية التي تحتل الموقع الثالث عالمياً في ميدان الانتاج الكيميائي. كانت حصيلة تلك الليلة ليلة 2 ـ 3 ديسمبر 1984، او الليلة، الكابوس، كما يطلق عليها مؤلفا هذا الكتاب، هي كما تدل الارقام المقدّمة، ما بين ستة عشر ألفا إلى ثلاثين الف ضحية لاقوا حتفهم على الفور وما يزيد على ثلاثمائة الف مصاب أصبحت حياتهم جحيماً منذ ذلك التاريخ. هكذا يمكن القول بان هذه الأرقام تدل على أكبر كارثة كيميائية شهدتها الانسانية خلال تاريخها الطويل. وتشاء الصدف ان ليلة 2 ـ 3 ديسمبر 1984 كانت مكرسة للاحتفال العام بعدد من الزيجات، الأمر الذي يفسر وجود اعداد كبيرة من الناس في الشوارع حتى ساعة متأخرة من الليل مما عرّضهم للاصابة المباشرة بالغازات السامة التي نقلتها الرياح. وكانت صفارات الانذار قد اثارت بعض القلق لدى اولئك الساهرين المبتهجين، لكنه كان قلقاً عابراً لم يستمر سوى لحظات سريعة، اذ لم تكن المرّة الأولى التي يتم سماعها بها وحيث تعددت التعليقات المنظمة مثل قول احدهم: «لا تقلقوا ايها الاصدقاء. فمنذ الانذار الأخير قرروا هدم مصنعهم. لكن يبدو انه قد وصل إلى حالة من التلف تجعلهم يخافون حتى من تهديمه. انه مخرّم في كل مكان». واذا كان المؤلفان يركزان على ما اثاره الانفجار من آلام انسانية فانهما يستعرضهان في كتابهما ايضاً «قصة» ذلك المصنع المشئوم الذي يعود بناؤه إلى عام 1978 اثر اتفاق تم توقيعه بين السلطات الهندية المحلية ومسئولي الشركة الأمريكية العملاقة لصناعة المنتوجات الكيميائية. وكان مقرراً ان ينتج ذلك المصنع سنوياً خمسة آلاف طن من من مبيدات الحشرات، وخاصة من غاز «سيفين» ذي السمية العالية والشديد الخطورة بالنسبة للانسان بحيث ينبغي تخزينه دائماً بصورة «سائل» والا فانه يمكن ان يتحول في ظل حرارة مرتفعة «أكثر من 25 درجة» إلى غاز أكثر كثافة من الهواء وبالتالي يتسبب عبر ابخرته بتخريب الجهاز التنفسي الانساني. وقد اجريت تجارب على مدى تأثير هذا الغاز على الكائنات الحية «على الفئران» كانت نتائجها مرعبة إلى درجة ان الشركة الامريكية لم تتجرأ على نشر ما تم التوصل اليه في نهاية ابحاثها. وكانت الحكومة الهندية تجهل مثل هذه الحقائق حيث لم تكن ترى في السلعة التي ينتجها المصنع سوى «دواء من اجل النباتات». وقد عرف ذلك المصنع عدة «حوادث» قبل ليلة 2 ـ 3 ديسمبر 1984. وقد كشفت عملية تفتيش «تقني» في شهر مايو من عام 1982 الكثير من «نقاط الضعف» في عمله. ويقدم المؤلفان فقرات من تقرير المهندسين الذين قاموا بعملية التفتيش تلك، كان صحفي هندي شاب قد حصل عليها بـ «التواطؤ» مع بعض العاملين في المصنع. وقد جاء في ذلك التقرير انه كان هناك «عمل غير دقيق في عمليات التوصيل وبعض الخلل في قطع التجهيزات وصدأ عدة آلات وغياب المطافيء الآلية ـ الاوتوماتيكية ـ ومخاطر انفجارات في نهايات انابيب خروج الغاز... بل وكان مؤشر ضغط خزان احد الغازات يشير باستمرار إلى الصفر في الوقت الذي كان فيه ذلك الخزان مليئاً بالغاز». وفي المحصلة يصل الصحفي الهندي إلى القول بان المصنع هو في حالة انذار مستمر بوقوع الكارثة باية لحظة. ولذلك لم يتردد في كتابة سلسلة من المقالات وحيث قال في احداها: «اذا وقعت المأساة ذات يوم فلا تقولوا بانكم كنتم تجهلون ذلك» لكن تلك النداءات كلها ظلّت دون اجابات من احد سوى استمرار حالة اللامبالاة والعماء الشامل. ومما زاد في حالة اللامبالاة تلك الخسائر التي كانت تترتب على تشغيل المصنع بسبب الرواج الطفيف الذي عرفته مبيعات غاز الـ «سيفين» في الأسواق مما دفع الإدارة المركزية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى التفكير جدّياً باغلاقه. وكانت قد قررت منح فترة اضافية قبل اتخاذ القرار النهائي بعد ان عيّنت مديراً جديداً له كانت مهمته الاساسية هي تخفيض النفقات وكانت القرارات الأولى للمدير الجديد هي اللجوء إلى صرف اعداد كبيرة من العاملين وأيضاً، والأكثر خطراً، عدم تبديل بعض القطع الا بعد عام بينما كان يتم استبدالها عادة كل ستة اشهر، وكذلك استبدال الانابيب الفولاذية المصنوعة من فولاذ غير قابل للتأكسد بأنابيب اخرى مصنوعة من الفولاذ العادي. وضمن هذا المنطق من توفير النفقات وصل الأمر إلى توقيف منظومات «سلامة التشغيل وامنه». كانت رؤية المدير الجديد تعتمد بكل بساطة على منطق صحيح «شكلياً» اذ انه لم يكن يرى اية فائدة من الانفاق على حماية منشآت «حرق الغازات السامة» و«التبريد»، في الوقت الذي كانت فيه هذه المنشآت لا تعمل. باختصار كانت الكارثة ترتسم بوضوح في الافق كنتيجة لمقدمات سبقت حدوثها بفترة طويلة. بالطبع يجهل ابناء مدينة «بوبال» كل هذه التفاصيل التقنية وكل المقدمات والاخطاء البشرية وخلل آلات وآليات عمل المصنع المشئوم. لكنهم يعيشون آثار الكارثة باجسادهم وبكل دقائق حياتهم ويتذكرون موتاهم. ان مؤلفي هذا الكتاب لا يترددان في وصف ماجرى بانه كان «مذبحة صامتة» و«كريهة» وانها الاكثر «فتكاً» في تاريخ الكوارث الكيميائية حيث بلغ عدد ضحاياها اضعافاً مضاعفة ضحايا انفجار المفاعل النووي الروسي السوفييتي سابقاً، في تشيرنوبيل أو ضحايا غرق السفينة «تايتانيك» التي غدت قصة غرقها حكاية اسطورية.. وموضوعاً لاحد اكبر الاعمال السينمائية في القرن العشرين ولعلّ من الفضائل «الاخلاقية» لهذا الكتاب هو انه يعيد للذاكرة وللاهتمام ما عرفته مدينة «بوبال» الهندية ليلة 2 ـ 3 ديسمبر 1984. أما الشركة الأمريكية العملاقة «يونيون كاربيد» صاحبة ذلك المصنع المشئوم فانها، وعلى الرغم من بعض التعويضات التي قدّمتها كـ «مساهمة انسانية»، لم تعترف في أي يوم من الأيام باقترافها اي خطأ. بل انها حاولت ان تعيد انفجارات 1984 إلى عمليات «تخريب». ويمكن القول في النهاية بان هذا العمل يتمتع بقدر كبير من «النزاهة الفكرية» لدى مؤلفيه لما قاما به من عمليات تقصّي وتحقيق وتحقق بالاعتماد على شهادات حية وعلى «اراشيف» مختلفة وليس مجرد «التنظير» من بعيد. هذا فضلاً عن انهما يطرحان احد أكثر الاشكاليات راهنية في هذا العصر، اي علاقة الانسان بالتكنولوجيا والمنظور الذي يرسمه العلم.. للعالم. وتبقى هناك امنية.. يمكن استشفافها من خلال قراءة هذا الكتاب، وهي ان يتصالح الانسان.. والطبيعة