بيان الكتب: تشغل جوانا. ب. سيولا مؤلفة هذا الكتاب منصب استاذ فن الادارة واخلاقياتها بجامعة ريتشموند وهي محاضرة سابقة في جامعة اكسفورد وباحثة في جامعتي هرفارد ووراتن بعد ان كانت قد حصلت على شهاداتها الجامعية، من جامعات تامبل وديلوار وماريلاند، وسبق لها أن مارست التدريس ايضاً في جامعتي بوسطن ولاسال، وهي تعيش حالياً في ريتشموند بفرجينيا. موضوع هذا الكتاب هو العمل والتغيرات الجوهرية التي طرأت على مفاهيمه في المجتمعات الحديثة، وتناقش المؤلفة هذا الموضوع عبر ثلاثة اقسام رئيسية. يخص القسم الاول منها مقاصد العمل، حيث تحاول الاجابة على عدة اسئلة بسيطة وجوهرية بنفس الوقت مثل لماذا نعمل؟ وما هو العمل؟ وتقدم ايضاً في هذا القسم نبذة تاريخية عن الرؤى الرومانسية للعمل. وتكرس المؤلفة القسم الثاني لما اسمته العمل لحساب الاخرين. حيث تتم، تحت هذا العنوان العريض، مناقشة العلاقة بين العمل والحرية وآليات تدجين العاملين ووعود العمل بالنسبة لحياة البشر ومثالبه ايضاً. اما القسم الثالث والاخير من هذا الكتاب فانه يبحث في العلاقة بين العمل والحياة.. حيث تتم مناقشة مفاهيم الزمن واوقات الفراغ والاستهلاك وسبل البحث عن شيء افضل. الخط الناظم للتحليلات التي تقدمها المؤلفة في هذا الكتاب يتمثل في البحث عن دلالات العمل وموقعه في حياتنا. ان العمل يقدم غالباً الكثير من الوعود ولكن لا يحقق الا القليل منها، كما تخلص المؤلفة الى القول وما يبرر بنفس الوقت العنوان الذي للكتاب، وحيث ان مفهوم العمل الحديث يحمل في مضمونه نوعاً من تجاوز المنظومات الاخلاقية التي تعطيه قيمة اخلاقية، لقد اصبحت هذه المنظومات الاخلاقية تابعة الى حد كبير لطبيعة العمل الذي تتم ممارسته. لقد اصبح العمل هو المصدر الرئيسي للسعادة ولاحترام الذات. بل واكثر من هذا اصبح يحل احياناً محل مصادر التعويض الاخرى التقليدية في حياة الانسانية وفي مقدمتها الاسرة والاصدقاء. ان درجة الارتباط القصوى هذه بالعمل تشكل في نهاية المطاف عامل ضغط حيث ان سيف البطالة يبقى مسلطاً دائماً فوق الرقاب. كما تركز المؤلفة على شرح العلاقة بين العمل وهامش الحرية الضيق الذي ينتجه في اطار المجتمعات الاستهلاكية حيث يصبح الانسان خاضعاً في طبيعة العلاقات الاجتماعية التي يقيمها للعمل الذي يمارسه. ان بشراً كثيرين يتابعون مسيرتهم المهنية بطريقة فيها قدر كبير من التزمت، كما لو ان العمل ـ بمعنى الوظيفة التي يشغلها الانسان ـ هو مصدر السعادة الوحيد، تقول المؤلفة. ولعل المشكلة الكبرى التي تحددها المؤلفة، وتحاول دراستها في هذا الكتاب، تتمثل في دراسة الاسباب العميقة التي جعلت اعداداً كبيرة من البشر في العصر الحديث تعطي للعمل، او ربما تترك للعمل، المجال كي يغدو اكثر اهمية من الحياة، بمعنى متع الحياة الاخرى. واذا كان قد بدا، وساد الاعتقاد، لفترة من الزمن بأن التكنولوجيا سوف تحرر البشر من استعباد العمل لهم، فانها في الواقع اطالت من ساعات عمله اذ اصبح الهاتف الخلوي النقال يلاحقهم حتى منازلهم. كذلك تلاشت اكثر فأكثر اوامر العقد الاجتماعي الذي كان العامل يرى عمله من خلاله بمثابة نوع من تحقيق الذات وتأكيد الهوية والانتماء الى مجموعة (شعب او امة) وحيث كان العامل ورب العمل يتقاسمان نفس المفاهيم تقريباً حول اهمية العمل والاستقامة في ممارسته، اما اليوم فقد اصبح بقاء العامل في عمله او فقدانه له مرهوناً بتزايد او تناقص الاسعار في البورصة في كثير من الاحيان. لقد اصبحت السعادة مرتبطة الى حد كبير بالعمل وبهامش الحرية التي يوفرها على صعيد الاستهلاك تحديداً وامتلاك السلع، اي حرية استهلاكية بمعنى ما. وتحدد المؤلفة عدة انماط للسلوك الانساني حيال مثل هذه الحرية حيث يعمل البعض احياناً لمدة تقارب الـ 70 ساعة اسبوعياً كي يستطيعوا جمع ثروة تسمح لهم بتوقيف العمل ـ التقاعد ـ في سن الاربعين للاستمتاع بالحياة. لكن هؤلاء ليسوا سوى قلة من الناس مقابل الاغلبية الذين يعملون ساعات طويلة تحددها القوانين السارية غالباً كي يؤمنون قوت يومهم، وحيث يعيشون باستمرار تحت تهديد فقدان عملهم. وبهذا المعنى اصبحت السعادة بين يدي السوق وارباب العمل. لقد زادت بنفس الوقت مطالب العاملين ووعود ارباب العمل. وبالتوازي مع دراسة تطور مفاهيم العمل، تدرس المؤلفة ايضاً تطور النظم الادارية، او انماط ادارة العمل والتي عرفت هي الاخرى تطوراً كبيراً وحاولت تغيير معنى العمل والسيطرة عليه ضمن اطار المؤسسة. وكانت المدرسة القديمة للادارة العلمية تقول بأن العامل يقوم بما يطلب منه، ويتم الدفع له مقابل ذلك ثم يعود الى بيته، ربما كان الاجر ضعيفاً ومثيراً للضجر ولكن كان كل انسان يعرف ما ينتظره، ما له وما عليه. اما العلاقات اليوم فليست على هذه الدرجة من النزاهة اذ ان العمل يتطلب من العاملين جزءاً من حياتهم الخاصة، وفي الماضي كان هناك كمية عمل اكبر مما ينبغي تقع على كاهل العامل، اما اليوم فهناك كمية عمل اكبر مما ينبغي ولكن ايضاً ادارة اكبر مما ينبغي واصبح العمل اكثر تطلباً مما يدفع الى التساؤل التالي: «هل تحسن العمل فعلاً أم فقط الثياب والاضاءة والنظافة في مواقع العمل؟ ترى المؤلفة بأن العمل قد دخل مرحلة الوعود والتي لم تتحقق خلال عقد التسعينيات الماضي عندما تم صرف الآلاف من العمال في الشركات الامريكية الكبرى، هذا وعلى الرغم من التحسن في الخطاب الذي كان ارباب العمل يستخدمونه والتحسن ايضاً في شروط العمل ومحيطه فإن العاملين ادركوا بانهم ليسوا سوى سلع يمكن استبدالها بحاسوب او بيد عاملة اقل كلفة او بزملاء مستعدين للقبول بأجور اكثر انخفاضاً. الترجمة الفعلية لمثل هذا الادراك هي نوع التشكك الذي بدأ يخامر اذهان العاملين حول اولوية العمل على «اشياء» الحياة الاخرى، وبالتالي التساؤل عما اذا كان من المبرر انفاق ذلك القدر من الوقت والطاقة في العمل. ومن خلال نقد المسار الذي ادى الى نوع من اهتزاز العلاقة «النفسية على الاقل» بين العامل وعمله تحاول المؤلفة ان تقدم بعض الخطوط العريضة للطريقة التي يريد البشر بها «العيش والعمل» وهذا يستدعي بالضروة دراسة تاريخية فكرة العمل ذاتها والقيم الملازمة لها واخلاقيات العمل، وبما ان المشاكل الحقيقية لاتتأتى من العمل الذي يقوم به الناس لمصلحتهم ولانفسهم وانما من العمل الذي يتم القيام به لمصلحة «اخرين» فإن الرهان الحقيقي يرتبط دائما بمسائل الحرية مع السيطرة على آليات العمل. ان ارباب العمل يناضلون من اجل السيطرة على العاملين تحت امرتهم، والعاملون يناضلون من اجل الوصول الى الاستقلال الذاتي والسيطرة على اعمالهم وحياتهم وفي المحصلة العامة، وبعد ان تقوم المؤلفة بنقد لنظريات ادارة الاعمال خلال المئة سنة المنصرمة والطريقة التي شكلت فيها هذه النظريات الاسس الخاصة بفهم مدلول «العمل» تطرح فكرة مفادها ان «العمل» و «الاستهلاك» «توصلا معا الى السيطرة على «نمط الحياة» الذي نعيشه. لقد حاولت المؤلفة ان تشرح المقولات التاريخية والثقافية الكامنة وراء مفهوم العمل وذلك بغية ان تثير لدى قارئها رغبة تفحص افكاره وآرائه الخاصة حيال الخيارات التي تبناها بخصوص «مسيرته المهنية» هذا لاسيما وان اغلبية البشر يرون اليوم بأن التحدي الكبير لايكمن في العمل وانما في طريقة النجاح وتحقيق المصالحة بين «العمل» و «الحياة». وعلى اساس ما سبق تطرح المؤلفة عدة اسئلة حول مفهوم العمل ودوره في حياة الناس، «فهل يتمنى المرء، وهو على فراش موته، لو انه كان قد عمل ساعات اقل»، «ولماذا يعرف البشر انفسهم عبر علاقتهم مع العمل وليس مع شيء اخر»، و «هل هناك امكانية للوصول الى نوع من العقد الاجتماعي الجديد؟» انه كتاب في تاريخ العمل.. وفي تاريخ الافكار حول العمل