بيان الكتب: اذا كانت محاولة الاختراق التي تعرض لها الحزب البلشفي الشيوعي الروسي ونفذتها قبل سنة 1917 عناصر البوليس السري التابع للقيصر واحدة من الاسرار ، التي تكتم عليها لينين فإن هذا لم يمنع كاتب السيرة التاريخية رومان براكمان من الافصاح عن وجهة نظره الشخصية المتعلقة بتورط عضو الحزب جوزيف ستالين في تلك المحاولة كواحد من افراد الشرطة السرية المعروفة باسم الاوخرانا. في سنة 1913 تشاور لينين مع مندوبي الحزب البلشفي في ازمة الاختراق التي تعرض لها الحزب على يد عناصر من البوليس السري القيصري كان اهمهم مالينوفسكي واثنان من كبار الضباط وبعد المناقشات استقر رأيه على ابعاده، واسدل الستار على احد اهم التطورات الخطيرة في تاريخ الحزب الشيوعي. وكما يرى براكمان فإن جذور الصراع الخفي الذي كان مالينوفسكي احد اطرافه كانت تستهدف بالدرجة الاولى جوزيف ستالين القائد البارز المعروف بانتمائه الخالص الى الطبقة الكادحة وبعده عن كل ما يثير الشبهات في الوقت الذي كانت تسيطر فيه على الحزب قيادات مثقفة من ابناء الطبقة البرجوازية. وبدوره فإن ما كان يبدو اكثر اغراء في شخصية ستالين باعتباره تجسيداً حقيقياً للإلتزام تجاه البروليتاريا وما حمل الكثير من المؤرخين على الدفاع عنه والدخول في الجدل حول ما اثير عن تورطه في انشطة تجسسية على الحزب لا يبدو كذلك بالنسبة لبراكمان. يذكر براكمان ان ما كان معروفاً لفترة من الزمن هو ان الجزء الاكبر من محتويات ملف ستالين في اثناء عمله في الشرطة السرية كانت قد دمرت بناء على اوامره وبالتالي فإن احداً لا يعرف ما كانت تشتمل عليه من معلومات سرية وعلى الرغم من ذلك فإن شيئا لم يمنع ظهورها بمعنى ان تطفو تلك المعلومات على السطح في سنة 1926 في اكثر المنعطفات التاريخية حسماً في حياة ستالين وهي الفترة التي شهدت صراعه من اجل السلطة في اعقاب موت لينين. في ذلك الوقت ثم تسلم الملف السري لستالين دون ابطاء الى رئيس جهاز الاستخبارات السوفييتية السرية «كي جي بي» فيلكس زرزشينسكي الذي اغتيل على نحو مفاجئ على يد ستالين الذي حسبما يدعي براكمان قال في حفل تأبينه «ان فيلكسي كان مصدراً للرعب بالنسبة للبروجوازيين بوصفه حامياً للبروليتاريا ومدافعا شهما عن الثورة الشيوعية». ومما يقال ايضا« ان احد كبار ضباط جهاز المخابرات الروسية كان قد عثر في سنة 1929 على الملف الذي وجده بين اوراقه الشخصية ليتم اعدامه بعد ذلك. في سنة 1936 اي بعد مرور عامين على وفاة منشينسكي رئيس جهاز الاستخبارات الروسية الذي خلف رابوينوفيتش عثر على الملف في اوراقه الشخصية. لتتوالى سلسلة الاعدامات التي يوردها المؤلف الذي يبدو احياناً عاجزاً عن اثبات صحة فرضيته على الرغم من توفر معلومات جديدة مشوقة بالنسبة للقارئ حيث لا يعتمد في مناقشاته الا على الجانب التفصيلي فقط مما يشعر القارئ بأنه مهما توسع في هذه التفاصيل المتعلقة بملف ستالين كلما امعنت براهنيه في الضعف ليستسلم في النهاية الى شيء يشبه الثرثرة. وفيما يدعي المؤلف انه لم يترك معلومة صغيرة ولا كبيرة الا شملها بالبحث فإن ما يقوله الواقع يبدو شيئاً اخر مختلفا تماماً فبراكمان لم يكلف نفسه مثلاً مشقة البحث عن بعض الحقائق التي اوردتها الابحاث السابقة في المسألة ذاتها والتي ظلت غائبة الى اليوم عن اذهان الغالبية العظمى من المؤرخين الغربيين المعنيين بالشئون الروسية وعلى وجه التحديد شئون الاتحاد السوفييتي. وفي الاعتقاد انه كان من الاولى بمؤرخ في موقع براكمان ان يهتم بالبحث في سياسة ستالين الخارجية وتحديداً في مرحلة الثلاثينيات في مواجهاته مع «تروتسكي» وتعقبه له بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وقتله في «مكسيكو ستي» الذي كان من اولوياته السياسية مقارنة حتى بأمور ربما كانت اكثر اهمية بالنسبة له مثل تعقب اثار الزعيم النازي هتلر وكذلك محاولاته قبل رحيله في سنة 1953 اغتيال المارشال تيتو زعيم الكتلة اليوغسلافية. لكن ادعاءات براكمان على الرغم من مبالغاته وبراهينه الواهية تبدو في الوقت ذاته بحاجة الى التحقيق من صدقها فعلى الرغم من مضي قرن تقريباً على هذه الاحداث الا انه لا يوجد بالمقابل ما يدلل على صحتها. مريم جمعة فرج