بيان الكتب: هذا الكتاب يعود المساهمون فيه الى دراسة فترة تاريخية قديمة تعود الى الحقبة الرومانية. ولاشك بأن الاهتمام اليوم بهذه الحقبة القديمة يثير التساؤل، حول ما يمكن تقديمه من جديد. وتزداد التساؤلات عندما ندرك بأن عدد صفحات هذا العمل يفوق الألف صفحة. لكن مع ذلك يبدو ان القراءة التاريخية المقدمة فيها الكثير من التجديد اذ حاول المساهمون الاستفادة من الابحاث والاكتشافات الحديثة. ان قراءة هذا الكتاب ترسم سياقاً جديداً لتاريخ روما وامبراطوريتها حيث يبدو سبارتاكوس قائد ثورة العبيد أبعد ما يكون عن الثورية بل ويكاد يقترب من مجرد مجرم عادي بعيداً عن الاسطورة البطولية السائدة عنه. ونفس التشكك يواجه ايضاً شخصيات كبيرة اخرى من الحقبة الرومانية ومن رموزها مثل الخطيب الكبير شيشرون الذي رفع اسمى المبادئ من فوق المنابر وحيث يتم تقديمه بصورة اقرب الى الارض والى مصالحه كانسان. وفي اطار نفس المنطق النقدي لتاريخ تلك الحقبة يتم نزع جميع أقنعة قيصر. ان هذه الشخصيات كلها والكثير غيرها تبقى محاطة بكثير من الاهتمام والاهمية ولكن من مواقع بعيدة عن الاسطورة وعن الذهنية التي أسست لها. هذا الكتاب هو في واقع الامر اعادة لقراءة التاريخ الروماني، مع تقديم رؤية جديدة لروما في التاريخ الاوروبي بمواطن قوتها ونقاط ضعفها، وفي عظمتها وما هو اقل بكثير من هذه العظمة واساطيرها وواقعها.. وقلق سكانها، كما حدث في عام 73 عندما كان المصارعون الرومانيون الهاربون ينهبون ويسلبون. كان ذلك بعد هربهم من السجن وكان عددهم (74) عبداً تسلحوا قبل ان يغادروا مواقعهم بكل ما وقعت عليه ايديهم وخاصة ادوات المطبخ. وكانوا قد اصطحبوا معهم بعض النساء ذلك لأن الوضعية القانونية لهؤلاء العبيد ـ المصارعين كانت تخولهم حق التمتع بنوع من الحياة العائلية. وكان الهدف الوحيد لأولئك الهاربين هو التمتع بقدر من الحرية او الهرب من اجل الهرب حيث اقاموا على سفح جبل فيزوف. ان مؤلف هذا الكتاب يكتب بشكل عام تاريخ القرن الاول الميلادي في روما ويتوقف طويلاً عند الدلالات العميقة لتلك المجابهات الرامية التي كان يفقد فيها احد المتصارعين حياته بينما ينقذ الآخر حياته. ويشير المؤلف الى ان مثل هذه الممارسات ظلت جارية حتى القرن الرابع حيث كان اليونانيون هم الذين وضعوا حداً لها، لكنها كانت تعود للبروز بين فترة واخرى مع بعض التغيير مع الاحتفاظ دائماً بجوهرها وهو الصراع حتى موت احد الطرفين. ومن السمات الاساسية التي يؤكد المؤلف بأنها كانت سائدة في روما، والمدن الرومانية الاخرى، هناك غياب اي نوع من انواع الشرطة الحقيقية لحماية الامن الذي كان يتم العمل على تحقيقه عبر الرقابة الاجتماعية، اي ان يقوم المواطنون هم انفسهم بتلك المهمة. بالطبع كان هناك الجيش، ان قواتاً من هذا الجيش قوامها ثلاثة آلاف مقاتل هي التي قصدت جبل فيزوف كي تنهي تمرد العبيد، المصارعين الذين كانوا تحت امرة سبارتاكوس. لقد قام الجيش بحصار الفارين عبر التمركز في اسفل الجبل وتم الانتظار الى ان يفعل الجوع فعله ويدفع المحاصرين للخروج من المواقع المحصنة التي كانوا قد جعلوها مقراً لهم. لكن هؤلاء لم يخرجوا بالطريقة التي كان الجيش الروماني قد ترقبها وانما قاموا بصناعة سلالم طويلة، من اغصان الكرمة البرية المديدة وهربوا واحداً واحداً تحت جنح الظلام في احد المواقع الصخرية وغير المحروسة لانها لم تكن صالحة للمرور. وهاجم الهاربون الجيش من الوراء وقتلوا كل من لم ينج بحياته عبر الفرار! شاعت اخبار الانتصار الذي حققه العبيد المصارعون والتحق بهم عبيد اخرون كثيرو العدد من مختلف المناطق والذين كانوا بأغلبيتهم من الرعاة، اي كانوا يحملون اسلحة للدفاع عن قطعانهم. هكذا تشكل جيش من هؤلاء جميعاً في قيادة سبارتاكوس، مما شكل النواة لما عُرف فيما بعد بثورة العبيد جهزت روما قوة اكبر لم يكن مصيرها افضل من القوة السابقة وزادت نفس الوقت غنائم سبارتاكوس ورفاقه واصبحوا افضل تسليحاً نتيجة لما استولوا عليه من اسلحة. اصبح الوضع مأساوياً بالنسبة لروما؛ التي اصبحت في مواجهة جيش من عشرات الآلاف من المقاتلين الذين كانوا قد تحولوا في الواقع الى نوع من المتمردين الخارجين على القانون ودون اي مشروع تحرري او ثوري. بل كان همهم، كما تدل ممارساتهم، التخريب والسلب والنهب وحرق المواسم وشل اية مبادلات ممكنة بين المناطق الرومانية المختلفة. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق بأن انقسامات ظهرت بسرعة في معسكر المتمردين وخاصة بين اولئك الذين كانوا يريدون العودة الى بلدانهم الاصلية (وخاصة بلاد الغال) وآخرون كانوا قد استمرأوا حياتهم الجديدة واعلنوا عن رغبتهم في البقاء حيث هم كي يتابعوا نهبهم تحت اسم «الثأر» هكذا كانوا يهاجمون المدن دون ان تكون لديهم اية نية لاحتلالها والبقاء فيها بل من اجل القتل والنهب ثم الانسحاب. وبعد عدة جولات تالية انتصر في نهايتها الجيش الروماني حيث كانت درجة الحقد كبيرة الى درجة انهم ـ اي الجنود الرومانيين ـ، قطعوا المتمردين المهزومين ارباً ارباً، بحيث لم يعثر احد على جثة سبارتاكوس. في المحصلة يقدم مؤلف هذا الكتاب حركة سبارتاكوس العبد ـ المصارع ورفاقه والمعروفة باسم «ثورة العبيد» بأنها قد بدأت برغبة في الهرب والخلاص من شبح الموت الذي كان يحيق بهم، لكنها تحولت الى جيش احترف السلب والنهب والقتل بعيداً عن اي مشروع ذي طبيعة ثورية يرمي الى تغيير المجتمع. انها قراءة جديدة لتاريخ روما القديمة، قدمها مؤرخون عديدون وكل من وجهة نظره