بيان الكتب: جون كنث جالبرايت هو استاذ مشرف للعلوم الاقتصادية في جامعة هارفارد الامريكية. وكان رئيساً للاكاديمية الامريكية للفنون والآداب وللجمعية الاقتصادية الامريكية. وكان رئيساً للاكاديمية الامريكية، للفنون والآداب وللجمعية الاقتصادية الامريكية. قرّبه الرئيس الامريكي الاسبق فرانكلين روزفلت الى مواقع المسئولية حيث لعب دوراً هاماً داخل الحكومة الامريكية بوصفه نائباً لرئيس مكتب ادارة الاسعار. كان ذلك بمثابة مدخل له لولوج عالم السياسة ودهاليزه والتعرف على اهم شخصياته. سبق له ونشر العديد من الكتب التي نالت شهرة عالمية وتمت ترجمتها الى العديد من لغات العالم مثل عصر الوفرة والدولة الصناعية الجديدة، ومن اجل مجتمع افضل والازمة الاقتصادية لعام 1929.. الخ. هذا الكتاب اصدقاء في مواقع المسئولية هو مزيج بين السيرة الذاتية.. والشهادة على العصر. ان جالبرايت يقدم في الواقع لقراء هذا الكتاب رواية شخصية جداً للاحداث الكبرى التي عايشها وعاصرها. والصلات العديدة التي اقامها مع قادة سياسيين امريكيين او غير امريكيين ممن ساهموا في توجيه المسيرة التاريخية للقرن العشرين.. ومن هؤلاء هاري ترومان وجون وجاكي كندي وليندون جونسون وبييراليوت ترودو (رئيس وزراء كندي سابق) وجواهر لال نهرو احد زعماء الهند الكبار السابقين. الكتابة عن اصدقاء في مواقع المسئولية تتضمن حكماً نوعاً من تمجيد السيرة الذاتية للكاتب، هذه مسألة يناقشها جالبرايت في الصفحات الاولى من هذا الكتاب مؤكداً ان هدفه هو الاعلام وتوضيح الحقائق حول مسارات ماضية يعود قسم كبير منها الى النصف الاول من القرن العشرين ثم ان معرفته لهؤلاء الكبار الذين يتحدث عنهم لا تدفعه الى الشعور بالذنب. ومن الملاحظ ايضاً ان الكتابة عن اصدقاء تواجه مباشرة مشكلة الاختيار ولماذا هذا.. وليس ذاك؟ يقول جالبرايت: انني اتحدث عن اناس عرفتهم وخبرتهم استطيع ان اقدم حول مسارات حياتهم وعملهم معلومات دقيقة جديدة. ومن بين الذين يتحدث عنهم جالبرايت الرئيس الامريكي دوايت ايزنهاور الذي يكرس له الفصلين الاولين من كتابه، ولا يتردد في القول بأنه الرئيس الامريكي الذي كان ولايزال، الذي لم يعط حق قدره في القرن العشرين. ويرى ان القضية الكبيرة التي تحلى بها تمثلت في انه، وهو الجمهوري تحمل الارث الثقيل الذي تركه فرانكلين روزفلت وجعله جزءاً لا يتجزأ من نمط الحياة الامريكية، اذ ان ما شرع به روزفلت وأكمله ترومان جاء ايزنهاور كي يعززه ويقويه. ومن الفضائل الاساسية الاخرى التي يؤكد عليها جالبرايت في مسيرة ايزنهاور الرئاسية هناك تحذيره المستمر والملح آنذاك من تنامي الهيمنة التي يمارسها القطاع العسكري، الصناعي في ظل خطط الاصلاح الاقتصادي الجديد التي كان روزفلت وراء انطلاقها. ويؤكد جالبرايت على معطيين اساسيين شهدتهما حقبة روزفلت وهما الاثار النفسية السيئة الكبيرة التي تركتها الازمة الاقتصادية الهائلة لعام 1929 على الامريكيين والتي لا يتردد المؤلف في القول بأنها كانت اشد وقعاً وايلاماً من الحرب العالمية الثانية فيما بعد، لأن الاذاعة اصابت الجميع بينما ان الحرب التي يصفها جالبرايت بأنها كانت مرادفاً لـ «الرعب» فانها اصابت مباشرة شريحة اقل نسبياً من الامريكيين. المعطى الاخر هو التعارض بين روزفلت وعالم رجال الاعمال الامريكيين الذين كانوا قد حصلوا على امتيازات مبالغ بها في ظل عهد هربرت هوفر وكانوا بالتالي يريدون الاحتفاظ بها فيما بعد. وبما ان «كل سلطة سياسية تحتاج الى وجود خصم» حسب تعبير جالبرايت، فإن عالم رجال الاعمال قدم خدمة جليلة بهذا المعنى للرئيس روزفلت، بل وانه ما كان له ان يتمنى معارضة افضل في سياق تلك الفترة». وفي وصفه لشخصية ايزنهاور، يقول جالبرايت: «كان يقدم صورة رجل صلب لا يعاني من ضعف، وكانت ايضاً تلك هي ملامح الصورة التي رسمتها البلاد له، كنا على قناعة كاملة، كلنا، حتى ذلك اليوم الحزين من شهر ابريل حيث علمنا نبأ وفاته المفاجئة. لم يكن هناك من يعلم انه كان مريضاً، بل ولم يتصور احد ذلك. ان مؤلف هذا الكتاب يسهب في حديثه عن تجربته السياسية الاولى حقيقة وفعلاً، في احد مواقع المسئولية كعضو في الفريق المكلف بكتابة الخطابات المكرسة للانتخابات الرئاسية. وحيث يبدو بوضوح ان الصيغة النهائية لمثل هذه الخطابات تمر عبر عدة تصفيات قبل ان تصل الى الرئيس الذي يمكن ان يقوم بدوره بحذف او اضافة بعض الافكار منها او عليها. كان القرار الامريكي بالتدخل في الحرب العالمية الثانية على الساحة الاوروبية احد اخطر القرارات التي كان ينبغي على الادارة الامريكية اتخاذها. وحيث ان الرئيس روزفلت كان طيلة عامي 1940 و 1941 متحفظاً فيما يتعلق بالتدخل العسكري الامريكي في اوروبا، لاسيما وان مشاعر الانطواء على الذات والعزلة عما يجري في العالم من احداث كما يبدو من خلال الشعار السائد، امريكا اولاً، كانت ـ اي المشاعر ـ هي الاكثر رواجاً في البلاد وقد احترم الرئيس روزفلت مثل ذلك التوجه. لكن هذا لم يمنعة اعتباراً من عام 1940 واحتلال الجيوش النازية لفرنسا من الاعتقاد بأنه قد حان الوقت لزيادة كفاءات الجيش الامريكي الذي كان يكافئ الى هذه الدرجة او تلك الجيش البرتغالي. هكذا تم تنشيط وتوسيع صناعات الاسلحة والذخائر في اطار الاستعداد، ولكن روزفلت بقي متأنيا، في اتخاذ اي قرار خاص بالمشاركة الفعلية بالعمليات العسكرية. او كان لا يتقدم الا بالمقدار الذي كان متأكداً فيه بأن الرأي العام الامريكي سيتبعه، ويؤكد جالبرايت في هذا السياق بأن ايزنهاور لم يكن ابداً العنصر المحفز الذي دفع امريكا للدخول الى ساحات الحرب وانما الاعمال غير المسئولة التي قام بها العدو، وعلى رأسها الهجوم الياباني على بيرل هاربور في شهر ديسمبر من عام 1941. ساهم ذلك الهجوم الياباني على القوات الامريكية التي كانت متواجدة في المحيط الهادئ في امكانية مواجهة المواقف المترددة التي كان يقول بها اصحاب امريكا اولاً، ثم جاء اعلان هتلر الحرب على الولايات المتحدة الامريكية ليحسم الامر لصالح التدخل. يقول جالبرايت: «يصعب علي ان اصف الارتياح الذي خامرنا عند الاعلان عن ذلك العمل الجنوني الذي لا يصدق». وضمن سياق الحرب العالمية الثانية والهجوم الياباني على بيرل هاربور يشرح جالبرايت الاهمية المركزية لمادة المطاط في رهانات القوى المعنية. اذ بعد فترة قليلة من ذلك الهجوم بدا ان اليابانيين يتقدمون بسرعة نحو جنوب شرق اسيا حيث سيحتلون مزارع المطاط في ماليزيا، واندونيسيا، وهذا يعني ان تزود امريكا بمادة المطاط «الكاوتشوك» الطبيعي قد يتوقف وبالتالي لابد من الانتظار القلق لمدة أشهر طويلة قبل ان يتم التوصل الى توفير المطاط الصناعي. وكان الاجراء الامريكي الاول هو تجميد بيع المخزون من هذه المادة وخاصة في المستودعات المكرسة لبيع اطارات السيارات لتجار الجملة والمفرق، وتقرر بنفس الوقت ترشيد التعامل بكل ما يمت لهذه المادة «المطاط» بصلة بحيث اصبح لا يمكن بيع اطار واحد لسيارة الا اذا كان ذلك لا يمثل ضرورة للدفاع الوطني. الشخصية الامريكية الاخرى التي يراها جديرة بالمقارنة مع الرئيس الاسبق دوايت ايزنهاور تتمثل في الرئيس الامريكي الاسبق الاخر رونالد ريجان الذي ساهم معه المؤلف جون كنت جالبرايت بتأسيس «الامريكيون من اجل العمل الديمقراطي» وهي هيئة لاتزال حتى الان بمثابة صوت تقدمي مسموع في الولايات المتحدة الامريكية كما يصفها جالبرايت نفسه. ومن اهم الصفات التي يطلقها المؤلف على ريجان، انه استطاع ان يعطي اندفاعة كبيرة للاقتصاد الامريكي وخلق فرص عمل جديدة كثيرة جرى تمويلها عبر قروض كبيرة قدمتها الدولة، هذا مع العلم بأن هذه القروض كانت فيما بعد احد اسباب ارتفاع نسبة العجز في ميزانية الدولة. باختصار يرى مؤلف هذا الكتاب بأن ريجان نجح في تطبيق السياسات الاقتصادية التي كان حزبه قد حاربها طويلاً. وهذا هو الامر الذي فشل به رئيس امريكي اخر هو جيمي كارتر الذي لم يكن امامه اي حظ في الفوز ثانية بالانتخابات الرئاسية الامريكية. اما الشخصية السياسية الامريكية التي اثارت لدى جون كنت جالبرايت اكبر قدر من الاعجاب فانها تتمثل في جورج ماكجفرن منافس الرئيس الامريكي الاسبق ريتشارد نيكسون في الانتخابات الرئاسية لعام 1972. ويؤكد بأنه كان قد لعب دوراً في ترشيح الحزب الديمقراطي له، دوراً متواضعاً يقول، ولكن ايضاً دوراً لا يستهان به في هزيمته. بكل الاحوال لا يتعرض المؤلف في هذا الكتاب للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون حصراً الا عبر علاقاته مع آخرين تحدث عنهم. وقد كرس مؤلف هذا الكتاب احد فصوله للحديث عن صديق في موقع المسئولية هو رئيس وزراء الهند الاسبق جواهر لال نهرو، وحيث كان هو السياسي الاجنبي الذي اقام معه اعمق الصلات. ويرى بأنه اذا كان غاندي قد مثل ماضي الهند فإن نهرو كان يمثل حاضرها، بعد الاستقلال. ويؤكد جالبرايت انه كان مأخوذاً باستمرار بفكرة ايجاد منظومة اجتماعية جديدة في بلاد جديدة. منظومة اخرى ليست رأسمالية ومتمايزة عن الاشتراكية، وكان البحث عن نموذج اقتصادي وعن مجتمع لا يشكل مفهوم الاقتصاد الحر او الاشتراكية الكاملة اساسهما بمثابة الهم العميق الذي كان متأصلاً في عقد نهرو حتى وفاته عام 1964. واذا كان القادة السياسيون يجدون انفسهم عادة في وضع يكون مطلوباً منهم تبرير اعمالهم ويثبتون بأنهم يستحقون الموقع الذي يشغلونه، كان نهرو واثقاً بأهميته ليس في الهند وحدها ولكن على الصعيد العالمي. وكان يرى زعامته بمثابة امر واقع بدا بمثابة مسلمة: يقول جالبرايت. وبعد ان يرسم مؤلف هذا الكتاب صورة فذة لهذه الشخصية الهندية الكبيرة من خلال احداث ووقائع كان شاهداً عليها، يؤكد بأن نهرو قد فقد في اواخر ايامه قناعته القديمة بأنه زعيم الشعب الهندي كله. وعند وفاته ارسلت وزارة الخارجية الامريكية للمشاركة في تشييعه، وقد انضم بعض اولئك الذين كانوا سبباً في حالة اليأس التي عرفها اذ انهم كانوا متحمسين لبيع الاسلحة الى شبه القارة الهندية، وبأسرع وقت ممكن، كما يختم جالبرايت، كتابته عن صديقه الراحل. المرأتان الوحيدتان اللتان يتعرض المؤلف للحديث عنهما في هذا الكتاب هما اليانور روزفلت، وجاكلين كندي ذلك ان الحضور النسائى كان متواضعاً في الحياة السياسية خلال الفترة المدروسة، يقول جالبرايت مبرراً هذا الغياب، ويضيف في معرض تبريره ايضاً بأن النفوذ الذي مارسته نانسي ريجان خلال رئاسة زوجها كان سبباً في عدم اقامة اية روابط معها. واين الحديث عن ونستون تشرشل وشارل ديجول؟ يجيب جالبرايت: «لقد قابلت تشرشل وديجول لكن بعد الحرب وليس لأسباب ذات اهمية كبيرة. لذلك ان اي شيء اتفوه به عن هذه اللقاءات سيكون بالفعل استعراضاً لعلاقاتي. كتاب عن المشهد السياسي خلال ثلاثة ارباع قرن من الزمن بقلم احد أعلى المراقبين في عصرنا