"بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب من مواليد شيكاغو. نال شهاداته العلمية من جامعة «ايلينوي ». عمل محررا في مجلة «شيكاغو ماجزين» ثم في «شيكاغو ريدر». ألّف عملا شهيرا عن العنف في ايرلندا الشمالية تحت عنوان "يوميات بلفاست الحرب وسبل الحياة». يساهم في عدد من الصحف والمجلات منها «نيويورك تايم» و«دالاس مورنينج نيوز» و«واشنطن بوست»، و«شيكاغو تريبيون».. الخ. هذا الكتاب موضوعه «التعذيب» ولكن ينبغي التوضيح منذ البداية بأنه ليس موجها ـ ولا يخص أولئك الذين عاشوا تجربة التعذيب. وليس أيضا من نوع تلك الكتب التي تصف أشكال الرعب التي ترافق ممارسات التعذيب وآلياته بحيث يمكن لأولئك الذين عرفوه أن يؤكدوا بأنه وصف ملخص للآلام التي عاشواها. إن قراءة هذا الكتاب لا تذهب في الاتجاه الذي يمكن أن يوحي به عنوانه وبأنه شهادة تدمي القلوب وتغرق العيون بالدموع. وهذا الكتاب أيضا ليس وثيقة اتهام. أو محاولة لمحاكمة الأنظمة الأكثر شراسة وقمعا في عالم اليوم، إذ ان المؤلف يتعرض لثلاث حالات محدودة لا تعني أية واحدة منها دولة من دول العالم الثالث كما يمكن أن يقفز إلى الذهن عند الحديث عن التعذيب، وخاصة بالنسبة للقراء الغربيين المعنيين أساسا بهذا العمل والذين ترافق مفهوم التعذيب نفسه في أذهانهم ببعض البلدان التي قدّمتها وسائل إعلامهم لهم بأنها رموز لممارسة التعذيب، وبحيث ان مثل هذه الممارسة تخص بنظرهم ـ وعن حسن نية ـ حضارات بلغت بالكاد المستوى الإنساني، وتتمتع بقدر كبير من الجهل. إن أحد الأفكار الأساسية التي يحتويها هذا الكتاب ويطورها المؤلف بأطروحة مركزية هي أن التعذيب ممارسة يحمل السواد الأعظم من الناس امكانيات ممارسته. ولذلك تم اختيار دراسة حالات ثلاث لا تخص أية واحدة منها دول العالم الثالث.. أو العوالم الأكثر توحشا وإنما تنتمي إلى العالم المتمدن، وتخص الولايات المتحدة الأمريكية وايرلندا الشمالية وإسرائيل. كذلك اختار المؤلف أشخاصا درس خلفيات ممارساتهم للتعذيب والذهنية التي مارسوه بها، أي انه اختار بشرا عاديين، كما جاء في عنوان الكتاب أو على الأقل الذين يراهم الغرب كبشر عاديين، لكنهم مع ذلك استخدموا طرقا بربرية وقاموا بأفعال تفوق الوصف ترتبط، حصرا، بالعالم الثالث لدى شعوب الغرب والعالم المتمدن. الحالة الأولى التي يتعرض المؤلف لها بالدراسة تخص ايرلندا الشمالية وهو يعود إلى شهر نوفمبر في عام 1971، أي في الفترة التي سمح فيها وزير الدفاع البريطاني آنذاك اللورد بيتر كارينتون بممارسة تعذيب أربعة عشر ايرلنديا لم يكن أحدا منهم قد اقترف أية جريمة محددة. لكن كان من الواضح بانهم يمثلون أهدافا مختارة، وكأنها بمثابة عينة علمية، إن المؤلف يصفهم بأنهم كانوا متعاطفين مع الجيش الجمهوري الايرلندي أو مناضلين من أجل المساواة بالحقوق المدنية للجميع. لقد عاد إلى دراسة التقنيات الخمس التي اتبعها البريطانيون في ممارستهم لتعذيب الايرلنديين من أصحاب القلنسوات، أي الجمهوريين، كما عاد بعدد من ضحايا التعذيب عشرين عاما إلى الوراء عندما التقى بهم لإجراء مقابلات معهم بغية معرفة التحولات التي عرفوها. ضمن هذا السياق يؤكد المؤلف بأن أغلبية الشعوب والبشر عندما يتصورون التعذيب يتصورون أيضا بأنهم هم أنفسهم ضحاياه. ويبدو دائما من يقوم به، الجلاد، بمثابة وحش لا إنساني وعديم الحضارة ومفرط في ساديته وشيطاني النزعة وذي لكنه غريبة، لكن أغلبية الذين يقومون به، كما يعد المؤلف في تحليلاته، هم بشر عاديون، وبات أغلبية الجلادين يمارسون التعذيب كمهنة وليس أي شيء آخر. بهذا المعنى يتحدث المؤلف عن مجموعة من الجنود الاسرائيليين دخلوا إلى قرية «بيتا» الفلسطينية الصغيرة بتاريخ 20 يناير 1988 وقاموا بعمليات تعذيب تنفيذا لأوامر حكومية عليا كانت قد صدرت له بقمع الانتفاضة الفلسطينية بمختلف السبل. كانت تلك المجموعة بقيادة العقيد يهودا مائير، الذي كان قد خدم في لبنان وسيناء ووادي الأردن. كان التنسيق كاملا بين الجيش وجنود الاستخبارات الاسرائيليين «شين بيت»، إن المؤلف يقدم توصيفا دقيقا لما شهدته قرية «بيتا» وأيضا قرية «هوارة» التي تبعد عنها مسافة كيلومتر واحد، من عمليات تعذيب. إنه يصف كيف دخل الجنود وكيف تصرفوا مع جهاد وحمدان هواري، مختار الهوارة وأبنائه العشرين، والذي كان يملك محطة لبيع البنزين على طريق نابلس المار في قريته. كانت الأوامر العليا صريحة بقمع الانتفاضة. لكن أحداث بيتا والهوارة مرت دون أي ذكر لها في الصحافة الاسرائيلية، بل إن الضباط الذين شاركوا فيها نالوا ترقية في رتبهم العسكرية. وضمن هذا السياق أيضا يناقش المؤلف أيضا آلية اتخاذ القرارات غير الشرعية في اسرائيل من مذبحة كفر قاسم في عام 1956 حيث أصدر الميجور صموئيل مالينكي أوامره باطلاق النار على الفلاحين الفلسطينيين العائدين من حقولهم بحجة انهم لم يحترموا أوامر منع التجول التي لم يكونوا قد سمعوا بها. كان المنطق نفسه والخلفيات نفسها قد حكما تلك العملية والعمليات بعدها بما فيها تلك التي كانت قريتا «بيتا» و«الهوارة» ضحية لها. وكانت أيضا بالمحاكمات الصورية نفسها والأحكام نفسها ومنطق الدفاع نفسه، وحيث كان اسحق رابين هو وزير دفاع اسرائيل قبل أن ينال فيما بعد جائزة نوبل للسلام عام 1994 وحيث اغتيل في الرابع من شهر نوفمبر 1995 من قبل أحد طلبة الجامعة اليمينيين المتطرفين. الحالة الثالثة التي يدرس المؤلف مسرحها مدينة «شيكاغو»، مسقط رأس المؤلف وحيث تم اتهام ضابط في الشرطة ذي رتبة عالية من قبل أحد الناس العاديين ادعى بأن ذلك الضابط كان قد قام بتعذيبه. ويبيّن المؤلف من خلال هذه المحاكمة كيف انه من السهل أكثر أن يجد المجتمع نفسه في شخصية «الجلاد، وليس في شخصية الضحية»، كما يبيّن الآليات التي تجعل نظام المحاكم في الغرب يبدو عادلا في نظر الرأي العام، وحيث انه من النادر اصدار عقوبات صارمة بحق الجلادين بل ومن النادر أيضا اثبات واقع ممارسة التعذيب مهما كان الجرم باديا في بعض الأحيان. ومن الملفت للانتباه مثلا أن محاكمة شيكاغو لضباط الشرطة المعني بها قد استمرت مدة خمس عشرة سنة. ومن هنا كان اختيار المؤلف لأحداث ووقائع متعلقة بالتعذيب تعود إلى سنوات الثمانينيات وتعني قضايا قد انتهت وبتت الأحكام بها. ولاشك بأن هذا الكتاب سيثير خيبة أمل أولئك الذين يعملون في صفوف منظمات حقوق الإنسان وفي المراكز الطبية المختصة بمعالجة ضحايا التعذيب. ذلك انه كتاب لا يتعلق بمسائل راهنة ولا يتسم أيضا بأية صفة نضالية، وإنما يتركز على تحليل ديناميكية التعذيب وعلى الآليات التي تصنع من بشر عاديين جلادين، وأيضا على نتائج التعذيب على ضحاياه وأيضا على تحليل الأسباب العميقة التي تجعل من النادر معاقبة الجلادين بل وتميل المجتمعات إلى تبرير أفعالهم. انه كتاب يدرس ثلاث حالات في ستة عشر فصلا تتناوب فيها دراسة كل حالة مع دراسة الحالتين الآخريين، وبواقع أربع فصول لكل حالة تتخللها فصول ذات طابع نظري وتحليلي. وتخص هذه الحالات الثلاث بلدانا تنتمي إلى الغرب المتمدن، وتخص ممارسات الاستجواب في مراكز الشرطة الأمريكية في شيكاغو من خلال دراسة حالة محدودة، كما تخص أعمال عنف وغارات منظمة قام بها الجيش الاسرائيلي في نهاية عقد الثمانينيات الماضي ضد قريتين عربيتين فلسطينيتين، وأخيرا يخص حالة التعذيب التي مارسها الجيش البريطاني ضد أعضاء الجيش الجمهوري أو المتعاطفين معهم، انطلاقا من مطلع عقد السبعينيات. ومن خلال الخوض في تحليل ذهنية الضحية، وذهنية الجلاد، وأمام اللامبالاة العلنية لـ «المتفرجين»، يبين جون كونروي، كيف يمكن أن يصبح البشر العاديون جلادين يمارسون عمليات التعذيب كأنها مجرد مهنة، أو تنفيذا آليا لأوامر صادرة لا يتحملون أية مسئولية حيالها، لاسيما وأن المجتمعات المتقدمة خاصة توفر المناخ والمحاكمات العقلية التي تشكل قاعدة لتبرير التعذيب المخبوء في حالة كمون في أعماق كل منا. ان الهدف الأساسي الذي يسعى مؤلف هذا الكتاب لتحقيقه يتمثل في مساعدة القاريء كي يفهم ديناميكية التعذيب، كخطوة أولى من أجل حذفه من ممارسات البشر وبحيث لا تتكرر مآس مثل تلك التي مثّلتها مؤخرا عمليات التنقية الاثنية في كوسوفو ومثلها كل يوم تقريبا أشكال مختلفة من العنف تمارسها أجهزة الشرطة في عدد كبير جدا من بلدان العالم. ممارسة التعذيب جريمة كاملة.. والضحايا هم الذين يدفعون الثمن غالبا