بيان الكتب: في وسط «البلدة القديمة» من العاصمة الروسية وعلى مقربة من شارع «أرباط» الشهير، غير بعيد عن حديقة الكرملين العريقة، يقع مبنى من أبهى وأجمل الأبنية القديمة في موسكو، ينتصب شاهدا على عصره، مؤرخا لتفاصيل أحداث عظام عصفت ببلاده وتعدتها لتترك بصماتها الجلية على مجمل التاريخ الإنساني بدءاً من الإمبراطورية القيصرية، مرورا بالدولة السوفييتية وصولا إلى أيامنا هذه. ففي عام 1862 وحسب مخطط أعده المهندس الروسي الموهوب باجينوف، تم تدشين مكتبة قُدر لها مع الأيام أن تصبح الأكبر بين مثيلاتها في أوروبا والثانية في العالم بعد مكتبة الكونجرس الأمريكي. فهي مؤلفة من ستة طوابق ـ اثنان منهما تحت الأرض ـ تحتضن بين جدرانها كثيرا من المؤلفات والموسوعات والكتب والمخطوطات والخرائط والمعاجم والأطالس والشرائط الصوتية والنوتات الموسيقية التي تعود لاكثر من مائة شعب من شعوب روسيا والاتحاد السوفييتي السابق، إلى جانب عشرات الآلاف الأخرى من المؤلفات تتوزعها كتب المعارف العامة واللغات والفنون والآداب والتاريخ والفلسفة والديانات والعلوم الاجتماعية والدقيقة والتقنية والمخطوطات النادرة بـ 247 لغة أجنبية، لتشكل في المحصلة الأخيرة، كما يحلو للبعض تسميته: «ذاكرة روسيا» المؤلفة من 42 مليون أثر محفوظ. المكتبة الوطنية الروسية هي مكتبة عامة مجانية مفتوحة للجميع، إذ يكفي أن يقوم الزائر بتعبئة بعض النماذج ليحصل فورا على بطاقة اشتراك سنوي مجانية تتيح له الدخول إلى حرم المكتبة واستخدام محتوياتها. وتُشير السجلات الداخلية لعام 2000 إلى أن عدد المتقدمين بطلبات اشترا ك يصل يوميا إلى 200 شخص, في حين يتردد عليها يوميا خمسة آلاف زائر , علما أن قاعات المطالعة تتسع لـ 2003 أشخاص... و يعمل في هذه المكتبة 140 من الإداريين والمستخدمين المتخصصين , وتقوم الموظفات والعاملات منهن بتزويد الزائرين بما يقرب من 38 ألف كتاب يوميا بصفة إعارة داخلية فقط، إذ أن المكتبة لا تعير كتبا إلى البيوت. إلا أنها تتوفر على الأجهزة والمعدات الضرورية لاستنساخ المراجع والمقالات لمن يحتاجها في بيته , فضلا عن أن لها موقعا على شبكة «الإنترنت» يجعل الحصول على أي من محتويات المكتبة أمرا في متناول اليد. كما يمكن الاتصال هاتفيا بمكتب خاص في هذه المكتبة مهمته تحضير المراجع التي يطلبها القارئ لتكون في انتظاره عند وصوله، وذلك مقابل مبلغ مالي رمزي. لقد قمنا بجولة في هذه المكتبة رافقنا خلالها المستعرب أناتولي تروفانوف نائب مدير قسم الآداب واللغات الشرقية فحدثنا عن تاريخ المكتبة قائلا : «قاعة المطالعة الأولى التي يعود تاريخها إلى عام 1862 كانت معدة لاستقبال وخدمة 20 شخصا على الأكثر...ولكن نظرا لتزايد عدد رواد المكتبة تم عام 1879 تعديل قاعة المطالعة حيث أصبحت تتسع لنحو 170 فردا، ومع حلول عام 1915 باشرت القاعة الثانية باستقبال الزائرين وتقديم الخدمات لـ 300 زائر...كان من بينهم كما تبين لنا السجلات القديمة أدباء شهيرون هم: تولستوي ودستوفيسكي وتشيخوف وكرالينينكو و والفيزيائي المعروف منديلييفو عالم الأحياء المرموق تميريازوف ومؤسس علم الفضاء تسيولكوفسكي... ويطلعنا الأرشيف أيضا على أن فلاديمير لينين تقدم بطلب حصول على بطاقة اشتراك في المكتبة يوم 26/8/1893 وكان آنذاك يعمل على إنجاز كتابه «تطور الرأسمالية في روسيا». وبين زملائه في قاعة المطالعة نقرأ أسماء شهيرة منها سيماشكو، لون اتشارسكي، أوليانوف...كما تعاقب على إدارة المكتبة بعض من أعلام الفكر في روسيا أولهم داشكوف، ثم تلاه تباعا كل من فينيفنتينوف و تسفيتايف و كاليتسن و فينوغرادوف ونيفسكي...الخ بعد انتصار ثورة اكتوبر بقيادة البلاشفة وانتقال العاصمة من سانت بطرسبورج الى موسكو عام 1918 تم اتخاذ قرار بوضع المكتبة تحت رعاية الدولة مباشرة والعمل على توسيعها ورفدها بكل ما تحتاجه من دعم... ومنذ عام 1925 حتى عام 1992 كانت تعرف بـ«مكتبة لينين العامة». ومع بداية الثلاثينيات باشرت الدولة السوفييتية ببناء مبنى إضافي جديد بمحاذاة البناء الرئيسي للمكتبة. ولكن نظرا لاندلاع نيران الحرب العالمية الثانية، توقفت أعمال البناء نهائيا، و نقل أكبر عدد ممكن من مخازن المكتبة إلى مناطق بعيدة تحسبا لغارات سلاح الجو الألماني أو لسقوط موسكو كاحتمال لم يكن مستبعدا آنذاك... الجدير بالذكر هنا، أن طاقم العمل وموظفي المكتبة لم يتوقفوا بتاتا عن تقديم الخدمات للزائرين...خاصة وأن المكتبة تحولت إبان سنوات الحرب إلى ما يشبه مختبر معلومات للمؤسسات الحكومية وهيئة الأركان والقيادات السياسية. إذ واظب طاقم العاملين في المكتبة على توفير كل ما يلزم من دراسات وأبحاث ومعلومات وخرائط...وما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى اتخذت الحكومة السوفييتية قرارا بتقليد المكتبة وطواقم الموظفين أرفع الأوسمة الوطنية تقديرا لهم على ما أبدوه من «تضحية وشجاعة وتفان». هذا، ولم يمض على تدشين المبنى الجديد عام 1960 بضع سنوات حتى بدئ بإقامة مبنى أخر تابع للمكتبة في ضواحي موسكو خصص لحفظ الجرائد والمجلات ولكتابة الرسائل العلمية بهدف الحصول على الألقاب الأكاديمية المختلفة. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 وبداية المرحلة الجديدة، باشرت الجهات الرسمية تعيد إلى الشوارع والجادات والحدائق أسماءها القديمة. وفي هذا السياق تحول اسم مكتبة لينين العامة رسميا إلى «المكتبة الوطنية الروسية». اللافت للانتباه هنا، أن المكتبة تركت دون العناية اللازمة فحرمت من ميزانيتها السنوية أو مما تحتاجه من الدعم، الأمر الذي وصل حدا خطيرا أصبح يهدد مبانيها بالتصدع والانهيار, وتجلى أحد مظاهره أيضا بعدم دفع رواتب الموظفين لعدة اشهر متتالية! وبدأت مؤخرا السلطة الروسية وبلدية موسكو بتدارك هذا الوضع الخطير بعد قيام المثقفين الوطنيين باحتجاجات واسعة وتقديم عرائض واستغاثات الى مختلف الجهات السياسية والاجتماعية في البلاد. وقد لاحظنا خلال زيارتنا للمكتبة وجود صندوق للتبرعات وبجواره لافتة كُتب عليها: «إدارة المكتبة تعبر لكم عن جزيل شكرها وتقديرها لدعمكم المعنوي و المادي!» هذه المكتبة هي بمثابة «الدماغ» وقاعدة أساسية للمصادر العلمية والتاريخية بالنسبة لجميع الجامعات والمعاهد والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية وللدارسين والباحثين الشباب، بالإضافة إلى كونها المرجع الأساسي للكوادر العاملة في الوزارات المختلفة وقطاعات الصناعة والتجارة ومجالات الثقافة والآداب والفنون... تتألف المكتبة من عدة أقسام: قسم المطبوعات الثمينة والنادرة : ما يقرب من 300 ألف أثر محفوظ. قسم المطبوعات والرسومات : ما يزيد عن 1.5 مليون أثر. قسم الأطالس والخرائط : اكثر من 250 ألف أثر بعدة لغات أجنبية. قسم الكتب والمطبوعات : 16.5 مليون نسخة. قسم المجلات : 13 مليون نسخة. قسم الجرائد : 650 ألف ملف سنوي. سلاسل متنوعة : 1.2 مليون نسخة. قسم النوتات الموسيقية والتسجيلات الصوتية : 350 ألف نسخة، منها ما يعود تاريخه إلى القرن الخامس عشر الميلادي. وثائق ومستندات :3.5 ملايين نسخة قسم الكتب السرية والوثائق غير المنشورة : 1.2 مليون وحدة... قسم الميكروفيلم والأشرطة والاسطوانات : 3.5 ملايين، منها 7.722 ألف وحدة أجنبية. قسم المطبوعات الحربية والعسكرية : 580 ألف اثر محفوظ، منها 191 ألف أثر أجنبي. قسم الآداب الشرقية : 650 ألف وحدة موزعة على 160 لغة من لغات شعوب آسيا وأفريقيا ويعتبر الاثمن والأكبر في روسيا ورابطة الدول المستقلة، وهو متنوع المواضيع والعصور التاريخية... ويضم عددا لا بأس به من المؤلفات والكتب الثمينة والنادرة.. أما اللغة العربية ومؤلفات الأدباء والعلماء والفقهاء والفلاسفة العرب فتحظى، كما أكد لنا المستعرب أناتولي تروفانوف بمكانتها المرموقة، وتوضع الآن اللمسات الأخيرة على المقر الجديد للقسم العربي الذي من المفترض ان تتألف نواته الأساسية من قرابة 19 ألف كتاب و 21 ألف جريدة ومجلة عربية. وعبر محدثنا الروسي عن أمله بأن تعمل الجهات العربية على تزويد «القاعة العربية» بما أمكن من الأجهزة والمعدات اللازمة لتقديم الخدمات العصرية للزائرين ورواد القسم من المستشرقين والباحثين الروس و طلبة العلم والمعرفة بين المغتربين العرب في روسيا. و بصدد قسم المخطوطات، قال: «في مكتبتنا ما يقرب من 550 الف مخطوطة منها ما يعود تاريخه الى القرن السادس الميلادي، بالاضافة الى عدد من المخطوطات اليابانية القديمة المكتوبة على «اوراق الرز» وعدد آخر من المخطوطات الهندية المزخرفة ومجموعات من انفس المخطوطات الفارسية والعربية». على أن الكتب مصنفة وفقا لفهارس مختلفة, منها فهرس المؤلفين، والعناوين، والموضوعات.. ويقع فهرس المطبوعات الروسية (ما لا يقل عن 7.6 ملايين بطاقة) في الطابق الثاني الرخامي الحسن الإضاءة.علما ان هناك عددا آخر من المخازن والفهارس (ما مجموعه 17 مليون بطاقة) في الطوابق الارضية، وهي مخصصة للعاملين وللموظفين. وتُشير معطيات عام 1997 إلى أن عدد البطاقات الاجمالي للفهارس في المكتبة 63.215.139 بطاقة. على صعيد أخر، تصدر ادارة المكتبة نشرات دورية توضح كل ما هو جديد من واردات، مرفقة بإرشادات وتعليمات, تسهيلا لمهمة الباحث... كما تولي المكتبة عناية خاصة بالنشاطات الادبية والفكرية والعلمية، إذ دأبت على استقدام كبار الباحثين والمبدعين والفنانيين الروس والاجانب للمشاركة ببرنامجها الثقافي السنوي، وتقيم عددا من معارض الكتاب , منها معرض الكتاب العربي. فضلا عن تقديم الخدمات للباحثين والزائرين, تعمل المكتبة الوطنية الروسية منذ عدة سنوات على إنجاز عدة مشاريع وطنية عملاقة، كمشروع «ذاكرة روسيا» الذي يقوم بموجبه طاقم من كوادر المكتبة والمتخصصين والعلماء بالبحث والتنقيب عن كل ما هو مكتوب أو مسجل أو مصور بهدف ترتيبه وحفظه وفهرسته...!! بينما يقوم طاقم آخر من المتخصصين بتجميع وثائق الدولة الروسية لترميمها وتجليدها وفهرستها...! وبمبادرة من مكتبة روسيا الوطنية تأسست «منظمة المكتبة الاورو اسيوية» لاستعادة العلاقات وزيادة حجم التبادل المعلوماتي والثقافي بين مكتبات رابطة الدول المستقلة. وأكد لنا موظف المكتبة الذي رافقنا في جولتنا: ان المكتبة على تواصل دائم مع مثيلاتها في العالم، بما في ذلك مكتبات في وطننا العربي الكبير!