بيان الكتب: لقد بات واضحاً اننا شعب لا يقرأ، والدليل الابرز على ذلك ان مئتي مليون شخص يجيدون القراءة والكتابة بالعربية نقدم لهم كتاباً من ألف نسخة فقط وهذا يؤكد ان المعادلة غير متكافئة، او غير واردة ابداً في حساب المقاييس، لذلك سنجد ان الهوة تزداد اتساعاً بين مجتمعنا العربي وبين المجتمع الغربي، والمقايسة تتم عادة بين الشعوب المتخلفة والمتقدمة وليس بين الشعوب المتخلفة ذاتها. فليس منطقياً ان نجري مقايسة بين القاريء العربي وقاريء من دول اسيا الفقيرة، حيث الرغيف اولا كحاجة مادية، والكتاب فائض لا مكان له في مجتمعات جلّ طموحها سقف ورغيف. اجراء المقايسات يكون عادة بقصد تحديد المواقع على الخارطة الجغرافية للثقافة، ولتثبيت النقاط اكثر على تلك الخارطة علينا التوقف عن التفاخر بالاجداد وبحضارتهم التي سادت قروناً ثم تراجعت، والتوقف لا يعني التنكر لها، لان تجاوز الماضي الى عصر جديد هو اعادة خلق انسان جديد في مجتمع جديد، ومن الملاحظ ان مجتمعات متطورة تقنياً ومعرفياً «اوروبا، اليابان، امريكا» مثلاً وضعت المستقبل هدفاً وليس اعادة انتاج الماضي نبراسا ولم تتم تلك التطورات لولا يقظة القراءة التي حملت الانسان من ضفة الظلام الى ضفة النور. وحتى ندعم حديث المقايسات بالحقائق نقول ان الغرب يحمي الكاتب والكتاب وان القاريء هناك له كتابه وله كاتبه وله مواضيعه التي يحبها ومعظمها تبحث في شأن الحياة تصالحاً وتنقيباً حتى تعكس الكتابة وجهاً للحياة التي يعيشها وليس خيالاً يملأ فراغ الورق ويحبّر الصفحات دون جدوى. لذلك هناك قاريء كتاب، وقاريء صحيفة وارقام توزيع عالية تصل الى الملايين ويمكن ان يتحول الكتاب الى شأن يومي يلازم الانسان في تنقلاته واستراحته محققاً الفائدة والتسلية، ومقولة الغرب يقرأ في الطرقات صحيحة تماماً، ويمكن للمرء ان يلمسها حينما يسافر ليجد ان عربة القطار قد تحولت الى قاعة مطالعة وان الحافلة اصبحت مركزاً ثقافياً، والمقهى تحول الى ما يشبه صالة علمية. وببساطة يستطيع واحدنا ان يقر بهذه الحقيقة حينما يرتاد مقهى فيه مجموعة اوروبيين ليجد كتاباً يلازم معظمهم تقريباً بينما ننخرط نحن في حديث «بيزنطي» عن الموبايلات الحديثة وغيرها من التفاصيل التي لا تفيد في شيء سوى تمضية الوقت وقتل المستقبل! ما دفعنا لكل تلك المطولة التي نفتتح بها عدد هذا الاسبوع من ملحق «بيان الكتب» هو عدد النسخ التي يصر الناشر احياناً على تثبيتها في مقدمة الكتاب وكأن رقم «1000» نسخة هو رقم فلكي رغم تواضعه وفضحه لواقع القراءة. وهذه القاعدة «1000 نسخة» يمكن تعميمها على مجمل ما يطبع حديثاً من كتب وهي قاعدة مؤلمة ولكن علينا الاعتراف بها.. او الاعتراف باننا شعب لا يقرأ. حسين درويش