يختتم مساء اليوم مهرجان كان السينمائي الدولي الرابع والخمسون فيما تكثر التكهنات حول الفيلم الذي سيحوز على السعفة الذهبية. وإذ تعددت الترشيحات لأفضل فيلم والأفضل بين المخرجين والممثلين فان أفلاماً بعينها قد اجتذبت النقاد إليها. وكان لمندوب «البيان» الذي يتابع فعاليات المهرجان هذه القراءة في فيلمين مرشحين لنيل الجائزة العتيدة: حسناً فعل منظمو المهرجان عندما لم ينساقوا وراء الهم القومي في برمجة الأفلام الفرنسية ولم يدفعهم إلى وضع أحدها لحفل الافتتاح واختاروا لذلك الحفل شريط المخرج الأسترالي باز ليهرمان (الطاحونة الحمراء- مولان روج) الجميل والمبهر الأخّاذ. وترسخ لديّ هذا الاستحسان بعد مشاهدتي لشريط المخرج الفرنسي فرانسوا دوبيران (ردهة الضباط) لأنه كان الفيلم الأكثر ترشيحاً لحفل الافتتاح في حال قرار المنظمين الانطلاق بالمهرجان بفيلم فرنسي وذلك لما فيه من استعراضية إنتاجية ومن توجهات سياسية قومية وإنسانية. وكان عرض هذا العمل الجميل والمتكامل في حفل الافتتاح سيضعه في خانة الاحتفالية مبعداً إياه من الاهتمام النقدي الذي تحظى به عادة الأفلام التي تعرض في الجزء الثاني من المهرجان وبعد اكتمال حضور النسبة الغالبة من النقاد. شريط فرانسوا ديبوران يبدو تنويعة ( أو بالأحرى استكمالاً للحديث الذي بدأه قبل أيام المخرجان الإيطالي إيرمانّو أولمي بشريطه ( مهنة السلاح) والبوسني دانيس تانوفيتش ( أرض الحياد) واللذان شكلا إدانة صارخة للحرب ولويلاتها ومآسيها ولا معقولياتها. ففيما كان أيرمانو أولمي يضع أصبعه على الجرح في تحديد مسببات الحرب ودوافع الذين يقفون وراءها ويؤججون أوارها، فإن دانيس تانوفيتش رسم صورة لحرب البلقان مركزاً على مأساوية الوضع الذي نشأت في ظله الحرب البلقانية والأيدي التي أضرمت نيرانها والأطراف التي لم تسعَ بشكل جاد وحقيقي لوقف نزيف الدم الجاري هناك ، بل على العكس فكل الأطراف المتحاربة تخرج مضرجة بالماء خاسرة وكدليل على هشاشة وعدم استقرار الوضع في البلقان يركّز دانيس تانوفيتش على ذلك مرمزاً إليه ببقاء الجندي البوسني الجريح ممدداً على لغم سيؤدي بحياته لمجرد حراكه عنه. يروي شريط فرانسوا ديبوران ( ردهة الضباط ) سنين الحرب العالمية الأولى من خلال مأساة ضابط فرنسي شاب تنفجر بالقرب منه قذيفة مدفع تقتل جنوده وتبقيه على قيد الحياة لكن ترسم على وجهه جرحاً عميقاً لن يندمل أبداً، إذ تزيل شظايا القذيفة الجزء الأيمن من فمه ووجهه. ويسعى الأطباء إلى إعادة ترميم ما تبقى من وجهه وتساعده ممرضة في منتصف العمر (تؤديها النجمة الفرنسية سا بينا عزمي ) على تجاوز الأزمة، بل تصبح الملاك المنقذ عندما يحاول هو الانتحار بعد اكتشاف الحقيقة من خلال تحديقه في انعكاس صورته على زجاج نافذة الردهة بعد أن كان الأطباء قد منعوا عنه أية مرآة. ويؤدي الممثل الشاب إيريك كارافاكّا أحد أجمل مشاهد العذاب البشري خلال محاولة الانتحار هذه بعد أن يعجز عن اطلاق الرصاص وبعد أن تصل الممرضة آناييس وتجرّده من المسدّس، وربما سيكون هذا المشهد (إضافة إلى أدائه الرائع) هو السبب الذي سيدفع لجنة التحكيم الدولية برئاسة النجمة النرويجية ليف أولمان إلى وضعه ضمن قائمة المرشحين الأوفر حظاً لنيل جائزة التمثيل الرجالية في المهرجان. تخف أزمة أدريان عندما تفلح محاولات الطبيب الجرّاح (أدّاه آندرييه دوسوليير) في التقليل من الضرر اللاحق بوجهه واعادته إلى قدرة النطق من خلال جراحة التجميل التي أنجزها عليه، وعندما يكتشف أنه ليس الوحيد الذي تعرّض إلى هذا الدمار بل أن هناك ضباطاً وجنوداً عديدون في وضعه يعانون من أوضاعهم بسبب التشوهات التي أصيبوا بها أكثر منه، وتخف وطأة المأساة أكثر عندما يدخل المخرج إلى المشهد امرأة جميلة للغاية هي الضابطة مارجاريتا (وتؤديها إيزابيل رينولد) تعرضت هي الأخرى إلى تشوه كبير في وجهها الجميل. تشتد قوة شخصية أدريان عندما يبدأ بممارسة تأثيره على زملائه مؤكداً لهم بأن عليهم أن يعودوا إلى الحياة الطبيعية، وعندما تتوقف الحرب يؤكد لهم (إن الحرب بالنسبة لنا لم تنته بعد، فهي ستنتهي عندما نعود نحن ـ ويعني ضحايا الحرب الأحياء والمشوهين ـ إلى الحياة الطبيعية) ويسعى أدريان ، على الرغم من صعوبة التأقلم في هذا الوضع الجديد، إلى تحويل تشوهه من نقطة ضعف إلى مركز قوة ، ويظهر ذلك بجلاء في مشهدين أولهما مشهد مواجهته مع طفلة صغيرة ترتعب منه للوهلة الأولى بسبب تشوهه، ويحوّل ادريان من خلال مزحة طفولية ذلك الخوف لدى الطفلة إلى لعب صداقة بين طفلة وإنسان اعتيادي، أما المشهد الثاني، فهو مشهد (النهاية السعيدة) التي يبدو أن شركة الأنتاج فرضته (أو لنقل اقترحته عليه)، وهو المشهد الذي تدور أحداثه في زقاق باريس ضيّق عندما تصطدم باب سيارة تفتحها فتاة شابة وجميلة بوجه أدريان الذي يخفي وجهه في الحال وعندما تعرب الفتاة عن أسفهها لذلك يقول لها أدريان: ( لقد حطمت وجهي) فتجيب الفتاة قائلة «أنا لا أرى أي شيء في وجههك، فهو طبيعي» فيندهش أدريان لذلك ويطلب من الفتاة أن تكرر ذلك ، فتكرر قولها «إن وجهك طبيعي!» يسألها أدريان «إذن أنت لا ترينني كوحش؟» تجيب بالنفي، فيطلب منها بدهشة مضافة «ألك أن تعيدي قول ذلك؟» تعيد الفتاة نفس الرأي، وينتهي المشهد بخروجهما من الكنيسة وهما يحتفلان بالزواج وبعد ذلك بقليل تولد له ابنة يحملها بين ذراعيه قائلاً لها «أنت سعيدة الحظ لأنك ولدت بعد الحرب ، ولن تجري على العيش في ظل مآسيها». هذا الشريط، وهو العمل الروائي الطويل السابع (وله ثلاثة أفلام قصيرة) لهذا المخرج الشاب. ويضعه هذا العمل في مصاف المخرجين الذين يتنافسون بقوة على السعفة الذهبية وبطله على جائزة أفضل ممثل. الأمبراطور الذي هزّ العالم عارٍ إلاّ من نفاق رفاقه وكانت حظوظ ديبوران وبطل فيلمه إيريك فاكارا قوية في الحصول على هاتين الجائزتن لولا وجود بضعة أفلام في المسابقة الرسمية يجعل من عمل ومهمة لجنة التحكيم الدولية مهمة عسيرة وشائكة. زمن بين هذه الأفلام فيلم (تاوروس) للمخرج الروسي أليكساندر سوكوروف و فيلم (غرفة ابني) للمخرج الإيطالي نانّي موريتّي اللذين يعرضان مأساة بشرية عميقة، ففيما يتناول سوكوروف في فيلمه تاوروس الأيام الأخيرة من حياة قائد الثورة الروسية فلاديمير إيليتش لينين الذي كانت جلطة في الدماغ قد أوقفته عن العمل وأصابت جزءاً كبيراً من أعضائه الحيوية بالعطل والشلل. نحن نرى لينين هنا قبل وفاته ببضعة أيام وقبل قيام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي بإزاحته عن زعامة الحزب (لعجز في قدراته الإدراكية) وتعيين جوسيف ستالين بدلاً عنه. سوكوروف ، الذي كان قد تناول في فيلمه السابق (مولوك) الأيام الأخيرة من حياة هتلر، يعرض لينين في هذا العمل خالياً من أية سلطة وعارياً بشكل يثير الشفقة وبعيداً عن أي من مظاهر السلطة فهو ممنوع من قراءة جريدة أو الاستماع إلى المذياع أو استلا م البريد أو الحديث في الهاتف، والمكالمة الوحيدة التي تصله هي المكالمة التي تخبره فيها اللجنة المركزية أنها انتخبت يوسف ستالين لزعامة الحزب، إلاّ أن لينين يفضل عدم الرد على هذه المكالمة، بل هو يفضل الموت مطلقاً نشيج النزع الأخير كصرخة ليث جريح لكن دون أن يرد على ذلك النشيج أي صوت غير صوت ثغاء بقرة ترعى عند سفح التلة التى مات عليها لينين وحيداً. المأساة الأخرى التي يعرضها المخرج الإيطالي نانّي موريتّي في فيلمه (غرفة ابني) هي مأساة أناس بسطاء يعيشون في كنف عائلة بسيطة وطبيعية، تهزها دوامة كبيرة عندما يموت الابن الأكبر في العائلة في حادث غرق في البحر. وبما أن هذا الفيلم ورائعة الكساندر سوكوروف يمثلان علامتي ضوء كبيرتين في السينما الأوروبية فإننا نفضّل تناولهما بتفصيل أكبر في رسائل لاحقة خلال متابعتنا للدورة الرابعة والخمسين لمهرجان كان السينمائي الدولي. كان ـ عرفان رشيد