عندما سقطت طائرة الكونكورد رقم ايه أف 4590 على ضاحية جونيس القريبة من باريس في 25 يوليو الماضي، مما أدى الى مقتل 113 شخصا، هددت تلك الحادثة بأن تكون النهاية لأكثر الطائرات سحرا وجمالا في العالم. وفي غضون اسابيع من وقوع الحادثة، تم وقف جميع اساطيل الكونكورد التي تديرها الخطوط الجوية البريطانية (بيريتيش ايرويز) والخطوط الجوية الفرنسية (إير فرانس) عن العمل واصدر المراقبون المتشائمون تنبؤات رهيبة بأن الطائرة ستمنح تقاعدا نهائيا ودائما. غير ان «بريتيش ايروز» كانت متلهفة لاعادة طائراتها إلى الجو مجددا، وقضت العديد من الشهور منذ وقوع الحادثة تجري تعديلات اساسية لمستوى الامان على متن الكونكورد. وعلى الرغم من المخاوف القائلة إن هذه الطائرات تعد الآن قديمة جدا وينبغي ايقافها من الخدمة، الا ان المطلعين على بواطن الامور في «بيريتيش إيرويز» يتوقعون ان تستأنف الكونكورد رحلاتها لنقل المسافرين بين لندن ونيويورك في اواخر يونيو المقبل. وقال متحدث باسم الشركة: هذا هو أملنا، ولكن في النهاية القرار ليس قرارنا. ويمثل الوقت الراهن مصدر قلق للشركة البريطانية. فلايزال هناك احتمال بأن يقوم مسئولو السلامة برفض منح الطائرة شهادة بالصلاحية للطيران، مع ان احد المدراء البارزين لبريتيش ايروز يضع احتمالات تحليق الكونكورد في المستقبل القريب عند نسبة 70% مقابل 30% لعدم طيرانها. ويقول هذا المسئول: «إنها إحدى اكثر الطائرات أمنا في العالم. وبعد الانتهاء من التعديلات، فإنني لا ارى اي سبب يمنع الكونكورد من استئناف رحلاتها التجارية. ويذهب مسئولو «بريتيش ايرويز» الى القول ان حادث التحطم في باريس كان حادثا استثنائيا. فعندما اقلعت طائرة نفاثة من طراز دي سي ـ 15 تابعة لخطوط جوية اوروبية من مطار شارل ديجول، سقطت قطعة معدنية ـ قيل إنه تم تركيبها في اسرائيل قبل ذلك بثلاثة اسابيع باستخدام عدد غير صحيح من المسامير ـ من هيكل الطائرة. وعندما سارت طائرة الكونكورد رقم إيه أف 4590 التابعة للخطوط الجوية الفرنسية (إيرفرانس) على المدرج نفسه، قامت تلك القطعة بخرق احد اطارات الطائرة المقوى بالمعدن، مما ادى الى انفجاره وقذفه للمخلفات على خزانات الوقود الواقعة على الجانب السفلي من الجناح. وهناك فرضية تقول ان اجزاء الاطار المنفجر ادت الى انبعاج خزانات الوقود مما تسبب في «موجة صدمية» وحدوث حريق انتشر في الطائرة كلها. أيا كان السبب، فان الاثار المتخلفة عنه كانت كارثية. ومع اندلاع الحريق حذر برج المراقبة قائد الطائرة كريستيان مارتي من اندلاع السنة لهب من مؤخرة طائرته. وبعد ثوان من ذلك، قال ملاح الطائرة ان المحرك رقم 2 معطل عن العمل، فأمر قائد الطائرة الذي اعتقد على مايبدو ان المحرك يحترق، باطفاء المحرك. وبينما كان مارتي يكافح لابقاء الطائرة محلقة في السماء، قام المسئولون الفرنسيون بجمع فرق الاطفاء واخلاء المدرج، وابلغوا الطائرة عبر برج المراقبة قائلين: الى الطائرة رقم 4590، لديك السنة لهب هائلة وراءك. ومن اجل سلامتك، فان لك الأولوية بالعودة الى المدرج. ولكن لم يكن هناك الكثير امام مارتي ليفعله فقد انحرفت الطائرة بحدة نحو اليسار، واصطدمت بفندق صغير، وانفجرت. دبت الفوضى في المطار على الفور، وكانت الصدمة كبيرة. وقال سيما قادر، وهو احد سكان المنطقة والذي كان من اوائل من وصلوا الى مكان الحادث: رأيت شخصين على الارض وامرأة كان شعرها وذراعها اليسرى محترقين تماما. وكان هناك حرارة فظيعة. والفندق كان مدمراً بالكامل. وعرفت انه لايمكن ان يكون هناك ناجون. فلم يكن شيء أبدا». كان الحادث بمثابة ضربة قاضية لطائرة بدأت مشوار حياتها قبل نصف قرن. ففي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، كانت بريطانيا وفرنسا تعكفان على تطوير خطط لتصنيع طائرة ركاب تخترق حاجز الصوت، وفي عام 1959، وضع المصمم البريطاني سير ارشيبالد كوكس المواصفات الأولية للكونكورد على قصاصة من الورق. وبحلول بداية الستينيات، قرر الخصمان اللدودان سابقا، بريطانيا وفرنسا، حشد الموارد وتوقيع اتفاقية لانتاج الطائرة بجهد مشترك في 29 نوفمبر 1962. وبينما كان تطوير الطائرة يجرى على قدم وساق، كانت هناك خلافات عبر القناة الانجليزية. وتركز اسخف تلك الخلافات على اسم الطائرة، فقد كانت بريطانيا تريد ان تسميها (Concord) حسب الكلمة الانجليزية بينما كانت فرنسا تطالب بتسميتها ب(Concorda) حسب الكلمة الفرنسية. وظل هذا الخلاف قائما حتى حسم لصالح فرنسا في عام 1967. وتمحورت المشكلات بعد ذلك على نفقات التطوير التي كانت تزيد على 950 مليون جنيه استرليني، وهو مبلغ هائل في تلك الأيام. ومنذ دخولها الخدمة في عام 1976، بدا ان طائرات الكونكورد التي تشغلها «بريتيش ايرويز» و«اير فرانس» لها سجل رائع في السلامة لم تشبه سوى بضع حوادث طفيفة نسبياً. وعلى الرغم من انه لم يتم تحديد وقت معين لاستئناف الكونكورد لرحلاتها الاعتيادية، الا ان مسئولي الخطوط الجوية البريطانية يبدون واثقين من انهم سيستأنفون رحلاتهم بشكل مخفض بين لندن ونيويورك قريبا. ضرار عمير