بيان 2: القاهرة ـ هشام الهلوتي:ما الذي حدث لطبقة الأثرياء في مصر، هذا السؤال طرح نفسه بشدة في الشارع المصري عقب جريمة (أركاديا) الشهيرة حيث القاتل والقتيل من خريجي الجامعة الأمريكية وينتميان لعائلات شديدة الثراء، كما أن مسرح الجريمة أيضا هو أحد المراكز التجارية الضخمة التي انتشرت مؤخرا والذي يضم داخله العديد من المطاعم والملاهي الليلية، وكان الحادث الذي وصف (بالمذبحة) من نصيب مطعم (بومودور) الحادث بالطبع ليس الأول من نوعه وانما ينضم الى سلسلة الجرائم التي ارتكبت مؤخرا على يد أولاد الذوات والتي بدأت تشكل ظاهرة، فمنذ عدة أشهر صدمت صيدلانية ستة أطفال على طريق ميت غمر قتلتهم جميعا وفرت من موقع الحادث دون أي محاولة لاسعافهم والأدهى من ذلك أنها هربت خارج مصر وأعيدت اليها عن طريق الانتربول لمحاكمتها، ومنذ أيام حدثت مشاجرة بين (أولاد الأكابر) من طلاب الجامعة الأمريكية أثناء حفل أقاموه تحت سفح الهرم بسبب فتاتين استخدمت في هذه المشاجرة المطاوي والزجاجات الفارغة، في المعادي أيضا حدثت مشاجر ة عنيفة بين طلاب مدرستين استخدمت فيها السنج والمطاوي والجنازير نتج عنها مصرع طالب ثانوي وكان السبب أيضا التنافس على الفتيات، حادث الاعتداء على بطل الاسكواش أحمد برادة أمام فيلته بالمعادي الذي حاولت أجهزة الأمن الصاق التهمة بمختل عقليا وثبتت براءته، تردد أيضا أن المتهم الحقيقي من طبقة أولاد الذوات وأن السبب في الاعتداء تنافس على الفتيات أيضا ولم يكشف بعد عن الفاعل الحقيقي، ضابط شرطة وابن مسئول كبير بالداخلية قتل زوجته بفعل الادمان ووكيل نيابة قتل محامي بسلاحه الميري في الشارع أمام الناس، أحد الفنانين اعتدى بالضرب على موظف عام بجهاز شئون البيئة لمجرد أنه شرع في تحرير محضر مخالفة للفنان الذي خالف القانون ونزل بحصانه في البحر ضاربا بالقانون عرض الحائط، الملفت للنظر أيضا استعانة عدد كبير من أبناء الذوات (الحراس الشخصيين «البودي جارد») كنوع من الحماية والارهاب للآخرين في نفس الوقت وهو ما ظهر بوضوح في حادث (أركاديا) حيث كان كل من القاتل عمر الهواري والقتيل محمود روحي محاطين بالبودي جاردات ولم يمنع وجودهم من وقوع الجريمة بل إن وجودهم وصف بأنه نوع من المنظرة فقط، السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح لماذا كل هذا العنف في طبقة من المجت م ع لا ينقصها أي شئ، ولا توجد لديهم أي ضغوط تحولهم في لحظة الى مجرمين، «البيان» استطلعت آراء مجموعة من علماء الاجتماع وعلم النفس والدين للوقوف على أسباب الظاهرة ومحاولة رصدها. الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس ترى أن المشكلة أساسها الفراغ الثقافي وللأسف رغم خطورة هذا الفراغ إلا أن المجتمع لم يلتفت بعد الى خطورته، والعنف بالطبع لا يأتي بالصدفة وإنما يظهر على الساحة عندما تتهيأ له الأرضية والمناخ والبيئة المناسبة له، وأنا أرى أن المناخ الذي نتنفسه مسمم بالعنف والبلطجة والفضائح ، كل هذا لابد أن يصنع عملية تمرد، والأموال السهلة التي وصلت الى أيدي بعض الناس بدون جهد تنفق ببذخ على الأبناء إما تعويضا عن غياب الآباء أو لتعويضهم عن شعور بالنقص كان يعاني منه الآباء وهذا خلق جيلا موصوما بالطفولة الفكرية والمراهقة الذهنية لذلك أصبح العنف أسرع من تفكيرهم وانتقال هذه الظاهرة بين شباب الأثرياء تم بسرعة أيضا عن طريق المحاكاة من شاب لآخر ومن ناد لآخر ومن منطقة لأخرى، وأنا أرى أن المجتمع الاقتصادي لابد أن يدار عن طريق الفكر والثقافة لأن الثقافة هي التي توجه الشخصية وليست الفلوس وعلى سبيل المثال لو وضعت المانيا في مكان عشوائي بعد فترة قصيرة ستجده جنة لأنه سيفرض ثقافته على المكان، أما نحن فللأسف نمر بعملية تفريغ ثقافي فظيعة على جميع المستويات ويكفي أن قضية الشباب تطرح سينمائيا في فيلم بطولة فيفي عبده، في الوقت الذي يغيب عن الساحة المثقف القدوة مثل الأديب يوسف جوهر وبهاء طاهر والفنان بيكار وغيرهم من رموز الثقافة، مرة أخرى أؤكد أن وجود فجوة ثقافية وسقوط الرموز واحدا وراء الآخر (آخرهم يوسف فرنسيس) وصعود رموز مثل شعبان عبدالرحيم وفيفي عبده طبعا لابد أن ينتج عنه كوارث، حتى عندما يصعد رمز جديد نبدأ الهجوم عليه كما حدث مع العالم الكبير أحمد زويل فنهدم بذلك القدوة ونفسح المجال لشعبان عبدالرحيم، نظرة سريعة على ما نشاهده ونسمعه في وسائل الاعلام يشعرنا بمدى الخطورة التي نواجهها. أما الدكتور علي مكاوي أستاذ الاجتماع بكلية الآداب جامعة القاهرة يعلق على الحوادث الأخيرة قائلا أن هناك خللا سلوكيا حدث داخل المجتمع وتسبب في انقلاب القيم، وأشار الى أن التحولات العنيفة التي شهدها المجتمع على المستويين السياسي والاقتصادي ترتبت عليها آثار سيئة يمكن أن نسميها (بالتضارب المعياري) فمع اعادة الهيكلة الاقتصادية واتباع سياسة الخصخصة في التسعينيات ومع تآكل الطبقة الوسطى حامية المجتمع وحاملة الثقافة حدث تدهور اخلاقي شديد وكلنا نعرف أنه في مراحل التحول الرأسمالي الكل يتسابق لكي يصل الى الطبقة العليا سواء من لديه المقومات أو من ليس لديه وفي هذه المرحلة تنتشر قيم الوجاهة المظهرية والاستهلاكية على حساب القيم الأخلاقية، أضاف الدكتور علي مكاوي أن فقدان التعليم قوته كوسيلة للتميز الاجتماعي أصبحت الفلوس هي الوسيلة الوحيدة للتميز والارتقاء ولم يعد هناك معايير موضوعية للرقي الاجتماعي. عدالة الاسلام الشيخ موسى صالح شرف خبير البحوث والدراسات الاسلامية بالأزهر الشريف يقول بمنتهى البساطة أن الشئ اذا زاد عن حده انقلب ضده وهذا ما حدث بالنسبة للأولاد من أبناء الطبقة الثرية في المجتمع لأن الفلوس الزائدة عن الحد والتسيب من جهة الأسرة وغياب الرقابة لابد أن يؤدي كل هذا الى الفسق والمجون، والآية القرآنية الكريمة تقول (اذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) أشار أيضا الشيخ موسى الى أن سكوت الحكومة واهمال المسئولين عن الأمن في رقابة مثل هذه الأماكن الموبوءة يؤدي الى مثل هذه الكوارث، وأضاف أن غياب الوازع الديني وانعدام الضمير والوعي الاخلاقي يؤدي أيضا الى هذه النتائج وحمل الشيخ موسى الحكومة المسئولية الأولى بسبب عدم تطبيق القانون العادل على جميع فئات المجتمع واستثناء ابناء الذوات من العقوبات وتطبيقها فقط على الفقراء ممن ليس لهم ظهر ولا سند يحميهم ومن منطلق (اللي له ظهر ما ينضربش) لأن هذا الأسلوب جعل أبناء الأكابر يزيدون في بطشهم وطغيانهم وقد أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة حين رفض وساطة وشفاعة حبيبه اسامة ابن زيد في أحد أبناء الصفوة وقال له لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ولو أننا نطبق عدالة الاسلام وطبقنا القانون وغلظنا العقوبات في مثل هذه الجرائم على كل الناس لا فرق بين غني وفقير لانعدمت كل أنواع الفوضى التي يعاني منها المجتمع الآن، ولو حوكم القاتل بالاعدام محاكمة علنية وسريعة مهما علا شأنه لكان في ذلك موعظة وعبرة لغيره، أما بطء التقاضي والتكتم على الأحكام فإنه يزيد من حدة العنف في المجتمع، ولابد أيضا أن تهتم الحكومة بالأمن الجنائي لحماية المجتمع ولا تركز كل اهتمامها على الأمن السياسي فقط لأن ذلك يهدد المجتمع كما لابد أيضا من تفعيل دور المدرسة في ترسيخ القيم الأخلاقية في كافة مراحل التعليم والاهتمام بالناحية الدينية في المدرسة وشتى وسائل الاعلام الى جانب المؤسسات الدينية. دور سلبي للأسرة والمدرسة الدكتورة عايدة المحمودي أستاذ علم النفس بجامعة حلوان تؤكد أن أي خلل في اخلاقيات الانسان يكون مدفوعا بعدة عوامل أهمها ضعف أجهزة التنشئة الاجتماعية مثل البيت والمدرسة ودور العبادة وكذلك وسائل الاعلام وللأسف أصبح واقعا ملموسا أن البيت تخلى عن دوره في الاعداد السليم للأبناء وتدعيمهم بكل سبل محاربة الاغراءات الخارجية وكذلك المدرسة ضعف دورها التربوي المساعد لدور الأسرة بالاضافة الى أن دور العبادة سواء المساجد أو الكنائس تراجع دورها الجوهري في تربية النشء والحفاظ على القيم النبيلة، أضف الى ذلك أن وسائل الاعلام لم تتوقف عن دورها السلبي في معالجة قضية الأخلاق والقيم بل الأكثر من ذلك أنها تعمل على تدمير ما تبقى من أخلاقيات ومبادئ قويمة وذلك بما تبثه من برامج وأفلام كلها عنف ودماء تحض على الجريمة كل هذه العوامل بمثابة الدائرة أو الحلقة الواحدة وتؤدي في النهاية الى كل ما نسمعه ونراه من جرائم جديدة وغريبة على مجتمعاتنا لافرق في ذلك بين فقراء وأثرياء ولكن الطبقة الغنية تكون محاطة بكل وسائل الافساد وتحتوي العديد من التناقضات بين الدرجات العلمية والثقافية وما يجب أن تصاحبها من أخلاقيات لذلك تأتي مظاهر الانفلات الاخلاقي في هذه الطبقة أكثر بشاعة وتحض على الدهشة والاستغراب. ويشير الدكتور محمد محيي الدين أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة الى أهمية دراسة التحولات القيمية في المجتمع بكل دقة وتحليل التغييرات التي تطرأ على السلوكيات العامة والمبادئ السائدة وهذا الأمر متعارف عليه عالميا حيث يتم عمل مسح عالمي للقيم كل 10 سنوات يقيس كافة التحولات الاجتماعية والسياسية والدينية وللأسف فإن أغلب الدول العربية لا تشارك في هذا المسح رغم أهميته في دراسة التغييرات السلبية في المجتمع ومحاولة تقويمها وتدعيم القيم والمبادئ الايجابية وللأسف هناك حلقة مفقودة بين مراكز البحوث والجهات الأكاديمية المهتمة بهذه الأمور.