بيان 2:أ كد الوالد خميس سعيد حمد الجلاف، ان حياة الأمس كانت حياة زاهية الألوان وهانئة وحملت مضامين عديدة تعزز التكافل الاجتماعي والتواصل مع الآخرين ورغم قسوة الحياة في ذلك الوقت إلا ان الحياة كان لها طعم ومذاق آخر ، يفتقد في هذه الأيام، هذا ما قاله قُبيل الحديث عن ذكريات الأمس، ويروي لنا انه ولد بعجمان قبل 77 عاما وعلى مقربة من شاطئ عجمان، وكان والده يعمل في نشر الخشب (صناعة المحامل والسفن) هو واخوته ويأتي ترتيبه بين اخوته الأخير، ويذكر انه عندما بلغ سن الرابعة ذهب إلى المطوعة مريامي ومكث عندها عامين تعلم وحفظ أجزاء من القرآن الكريم وبعد ذلك دخل مدرسة عبدالكريم البكري وتعلم مبادئ القراءة والكتابة وعلم الحديث الشريف اضافة لحفظ القرآن الكريم وبعدها بسنوات قليلة ترك المدرسة لكي يتعلم مهنة أجداده وهي نشر الخشب. ويذكر في هذا الأمر بان جد جده معروف بعجمان في صناعة السفن الخشبية وتوارث هذه المهنة جميع أنجاله وعرفوا بقوم الجلاف والجميع يعرفونهم بعجمان وذاع صيتهم في نواحي الامارات الأخرى. ويقول الوالد خميس ان طفولتنا كانت جميلة ولم يكن هناك ازدحام مروري ولا سيارات وتوجد الميادين الرحبة لممارسة كافة الألعاب الشعبية التي عرفت في ذلك الوقت والتي كنا نمارسها مع أقراننا، وعجمان كانت تضم ثلاثة أحياء سكنية فقط وهي فريج العبادلة والفريج الشرقي ثم الفريج الغربي والجميع كانوا يعرفون بعضهم بعضا، كما ان طفولتنا لم تكن طويلة للهو نسبة لظروف الحياة في ذلك الوقت التي تستدعي ضرورة العمل وكسب العيش منذ سن مبكرة وأن يتبع الابن والده في مجاله العملي بعد أن يكمل تعلم مبادئ القراءة والكتابة والقليل من الحساب وأهمية حفظ القرآن الكريم. وحول العمل في مجال صناعة السفن الخشبية يروي بأنه تتلمذ على يد والده وعمه حمد الجلاف الذي اشتهر وذاع صيته في صناعة السفن وكانا أمام منزلهم المطل على شاطئ الخليج العربي يقومون بنشر الأخشاب وصناعة جميع المحامل الخاصة برحلات الغوص والسفر وكذلك قوارب الصيد وكانت ورشتهم تضم كل أدوات النجارة والمواد الخاصة بصناعة الخشب ويعمل في هذه الورشة أكثر من 17 فردا من عائلة واحدة تحت اشراف عمه ووالده. التفكير في السفر كما يذكر بأنه لم يسافر قط ولم يفكر للسفر للخارج والاغتراب كما فعل أقرانه الذين سافروا واغتربوا في السعودية والبحرين، كما لم يركب البحر أبدا للذهاب لرحلات الغوص ولا يعلم أي شيء عن رحلات الغوص سوى القصص التي كانت تسرد حول صعوبات هذه الرحلات والمشاق التي يواجهها الأهالي خلال رحلات الغوص، ولم يسافر في حياته إلا مرة واحدة لأداء فريضة الحج. وحول العمل في مجال صناعة السفن قال ان هذه المهنة توارثناها عن أجدادنا وعشقناها وأصبحت ملازمة لحياتنا ولم نتركها إلا قريبا بعد ظهور النفط وقيام دولة الاتحاد وعم الخير للجميع في عهد زايد الخير واخوانه أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الامارات، وترعرعت في جو العمل والأخشاب وأصبحت لا أعرف شيئا سوى العمل والمسجد والمنزل وقد وهبت كل عمري لهذه المهنة التي اندثرت الآن بظهور اللنشات الحديثة والسفن الحديثة التي ظهرت مع تطور العصر، كما يذكر المهن الأخرى التي كانت تمارس من الأهالي مثل الحدادة وأعمال البناء والنجارة وكان الجميع يتعلمون هذه المهن من أجدادهم ومقتنعون بالعائد المادي حتى وان كان قليلا. راحة البال وأكد انه في الأمس كان الجسد يئن بالتعب إلا ان الشخص كان مرتاح البال والقلب ولا هموم والجميع لا يملك المال اللازم وعندما يملك الشخص روبيات يكون سعيدا جدا رغم قلة هذه النقود إلا انها كانت توفر ضروريات الحياة من مأكل ومشرب وكان الغذاء الأساسي هو العيش والسمك والطحين. كما أشار إلى ان مهنة صناعة السفن تعد من المهن النظيفة التي لا يمكن أن يكون بها غش، لان أي غش يحدث يكتشف على الفور اضافة إلى سعي الصناع في تجويد العمل وصناعة محامل يشار إليها بالبنان وكسب المزيد من العملاء اضافة إلى كسب السمعة الطيبة بين الناس. وأشار إلى ان أسعار السفن الخشبية في ذلك الوقت تتراوح حسب نوعية الخشب وحجم السفينة حيث يبلغ سعر السفن ما بين الفين (روبية) إلى عشرة آلاف، وكان يتوافد إلينا الناس من امارتي الشارقة ودبي لصناعة السفن الخاصة برحلات الغوص وذلك نتيجة للسمعة الطيبة التي اكتسبتها عائلة الجلاف في هذه الصناعة التي ارتبطت بحياة ورزق الأهالي. مؤكدا ان المجتمع متكامل في أعماله وكل فرد له دور يلعبه في حياة الآخرين مما أدى الى حياة التكافل والتعاون. مراسم الزواج ويواصل الوالد الجلاف مسيرة ذكريات الأمس ويذكر عندما تزوج كان يبلغ من العمر 16 عاما، حيث قام والده بتزويجه في هذه السن اليافعة ويذكر ان زواجه لم يكلف الكثير من المال وشهدت مراسم الاحتفال الرقصات الشعبية مثل العيالة والرزيف، وتجمع الأهالي ونحر الذبائح وعاش الجميع في جو من الفرح والمرح والسعادة. وقد يشاركون في أداء الرقصات الشعبية. وطالب الوالد خميس المجتمع الحالي بضرورة تيسير أمور الزواج وعدم المغالاة في المهور وارهاق الشباب بدفع قيمة هذه الفواتير طيلة مسيرة حياتهم، وأضاف قائلا الحكومة لم تقصر في هذا الاطار حيث قدمت كل العون للشباب من أجل الزواج عن طريق صندوق الزواج إلا ان الدور الاجتماعي لابد أن يواكب هذا الدعم في الابتعاد عن مظاهر الاسراف والبذخ التي حددها الشرع الإسلامي الحنيف، ومن أجل تعزيز المجتمع وعدم لجوء الشباب للزواج من الأجنبيات. كما أشار إلى انه تزوج بعد ذلك ثلاث مرات وأنجب العديد من الأبناء الذين تخرجوا الآن من الجامعات ويحتلون المراكز العديدة في مجال الخدمة المدنية وانه سعيد جدا بهذا الانجاز، كما أشار إلى ان دور المرأة في حياة الأمس كان دورا رياديا في المجتمع، وكانت المرأة في الأمس تعمل إلى جانب الرجل وهي تقوم بجمع الحطب للوقود وتقوم بعملية الطبخ وحياكة الملابس وتربية الأبناء وتعمل كل شيء في سبيل اسعاد الأسرة، بخلاف المرأة اليوم التي وصفها بالكسل وترك شئون إدارة المنزل للشغالة والمربية وغيرها من الخدم وأصبح دور المرأة ليس كما كان في حياة الأمس. حياة جميلة وحول مظاهر الحياة الاجتماعية في الأمس يذكر الوالد خميس الجلاف، ان حياة الأمس كانت جميلة لا سيما في المناسبات والأعياد حيث يتجمع الأهالي في المجالس التي كانت دائما مليئة بكل أنواع القصص والمعرفة وفيما يتعلم الصغير عن تجارب الآباء والأعمام في الحياة والاستماع إلى الأشعار، كما كانت تقام في الأعياد سباقات الهجن والركاب ويذكر بأن هذه السباقات تقام قرب متحف عجمان الحالي، وكان يفرح الجميع بهذه السباقات التي تظهر الفروسية والقوة والعادات العربية الأصيلة، كما يذكر ان سباقات الشواحيف التي تقام في المناسبات المختلفة ويتنافس فيها الشباب لابراز قوتهم في البحر وصيدهم في قطع المسافات الطويلة ما بين أم القيوين وعجمان وأحيانا تمتد إلى الشارقة. مؤكدا ان تلك المظاهر الاجتماعية كانت تساهم في تعزيز لحمة المجتمع وهي إلى الآن تجد الاهتمام والرعاية من قبل الحكام باعتبارها موروث الآباء والأجداد. صناعة السفن كما يعود بنا مرة أخرى إلى صناعة السفن والمحامل ويذكر بأنهم كانوا يستغرقون شهرا كاملا في صناعة السفينة ويشترون الأخشاب من دبي، مؤكدا آن امارة دبي تعتبر مركزا تجاريا منذ أمد بعيد كل أنواع التجارة كانت تتواجد بها وتأتي السفن محملة بكافة السلع من الهند وشرق افريقيا وتذهب محملة كذلك باللؤلؤ وغيرها من السلع. كما يذكر بأن العمل في مجال صناعة السفن ينشط ويزداد في خلال موسم الصيف حيث يستعد الجميع للذهاب لرحلات الغوص ولا بد من اجراء الصيانة اللازمة للمحامل والتأكد من جاهزيتها لرحلة الغوص، مما يجعلهم يعملون طول فترة النهار دون كلل وملل، وهم سعيدون بهذا العمل رغم التعب وحرارة الجو إلا ان الله سبحانه وتعالى أمدهم بقوة من عنده أعانتهم على تحمل مشقة هذه الحياة، حيث لا توجد كهرباء ولا مكيفات وكانت البيوت مصنوعة من الطين والجريد والأخشاب، وعندما يمرض شخص كان التداوي عن طريق الكي والفصد والطب الشعبي كان هو المتاح في ذلك الوقت، وحول حياة اليوم، يرى ان التطور الذي يشهده الآن في عجمان من ازدهار وطفرة وجمال لم يتوقع قط ان تصل عجمان إلى هذا التطور والازدهار والاتساع وفي هذا الاطار وجه الشكر والعرفان إلى صاحب السمو الشيخ راشد بن حميد النعيمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم عجمان، لما يقدمه من دعم للمواطنين في سبيل سعادتهم ورفاهيتهم وما أولاه من رعاية واهتمام في تطوير البنية التحتية بعجمان بحيث أصبحت مدينة تزدان خضرة وجمالا، وأبدى اعجابه بهذا التطور الذي اشتمل دولة الامارات والتي أصبحت قبلة للسياح وعاشقي الجمال. كما أبدى اعجابه بما توفر من مستشفيات وعلاج وكل سبل الراحة للمواطن الذي افتقد هذه الأساسيات في حياة الأمس، ويقول في نفس السياق كانت البيوت في الأمس صغيرة أما اليوم أرى الفلل والمساكن الرحبة التي انتشرت في كل مكان والأبراج العالية والمصانع العديدة التي تعكس وجه الامارات المشرق. ويذكر بأنهم عندما كانوا شبابا يذهبون بأقدامهم الى ميدان (الرولة) الحالي بالشارقة لان في ذلك الوقت لا توجد سيارات وأغلبية الأهالي كانوا يعتمدون في حمل الأغراض على ظهورهم إلا ما ندر وتوفرت له وسيلة مواصلات، أما اليوم الجميع يمتطي السيارات الفارهة، التي تجوب الامارات في ساعات قليلة، ووجه الوالد خميس الجلاف مجموعة من النصائح إلى الجيل الحالي بضرورة التحلي بالمثل والقيم الموروثة وضرورة الحفاظ على عادات وتقاليد الأجداد والزود عنها وضرورة الإيمان بالعمل من أجل رفعة الوطن الذي قدم إليهم الكثير، كما طالب الشباب بضرورة التروي في الحياة وعدم الاستعجال للوصول إلى الأماني والأهداف إلا بعد الصبر والعمل الجاد.