استضاف اتحاد كتاب وأدباء الامارات في مقره بالشارقة الباحث أحمد عزيز الحسين في محاضرة بعنوان «الخروج من القمة» قراءة في قصص جمعة الفيروز وذلك ضمن فعاليات ملتقى الثلاثاء الاسبوعي. استهل المحاضر قراءته بتقديم إضاءة عامة أشار فيها إلى ان جمعة الفيروز عاش القلق والمكابدة، وفضل ان يعمل بوصية عمه: «اذا كنت في التابوت وبين يديك كتاب، فاقرأه ثم مت بعد ذلك» ترك جمعة الفيروز بعد وفاته بضع مخطوطات وانجز رواية واحدة عنوانها الدائرة ومجموعة قصصية صدرت مؤخرا عن اتحاد كتاب وأدباء الامارات وهي ثاني كتاب يطبع له والمفارقة ان الغلاف الخارجي للمجموعة حمل عنوانا ركيكا هو «مسافة أنت العشق الاول» بينما حمل الغلاف الداخلي عنوانا آخر ألا وهو «قلق» ورغم ان هذا العنوان الأخير جاء نتيجة لخطأ مطبعي إلا أنه العنوان الأكثر أهمية ودلالية على حد قول المحاضر. واضاف المحاضر بأن المجموعة تتألف من مقدمة احتفائية للدكتور محمد عبدالله المطوع، وخمسة عشر نصا تمثل تجربة الفيروز القصصية بين 1980 و1988 وتتفاوت هذه النصوص في رؤيتها الجمالية للعالم وأنماط تشكيلاته البنائية فبعضها لا يعدو كونه قصصا كلاسيكية تنضوي تحت القواعد والقوانين التي رسختها الكتابة القصصية وبعضها الآخر ينضوي تحت مفهوم القص الحديث، وثمة نصوص اخرى تدمر المواصفات المعروفة لجنس القصة، وتنتهك القواعد المسبقة وتحقق شعريتها القصصية من خلال خروجها على هذه القواعد واستثمار خصائص انواع ادبية متعددة تتماهى في ظلاله الكثير من الأجناس الادبية المتعارف عليها، الى جانب قصص لا تعدو ان تكون مناجاة داخلية يسترسل فيها الكاتب كنوع من الاعتراف الذاتي والبوح الوجداني بحيث يغلف هذه الاعترافات بلغة ايحائية انفعالية يهيمن عليها الميل اى التفجع والبكاء. وفي سياق حديثه عن تقنية الحذف ودلالتها اشار المحاضر الى ان الحذف عند جمعة الفيروز اما ان يكون معلنا مصرحا به، أو ضمنيا ملحوظاً من خلال مجريات الأحداث، وهو في الحال الأولى دليل عى حضور الكاتب في نصه، أو في الثانية دليل على نضجه ومقدرته على التستر والاختفاء، غير ان الكاتب يضيق أحيانا بتستره خلف قناع السارد فيعلن في خاتمته السردية عن دلالة قصته، ليقع في المباشرة ويجهض فعل القراءة وآلية التأويل. وتحت عنوان المكان بوصفه خلفية سردية اشار احمد عزيز الحسين الى ان الفيروز وفي تشكيله للمكان الحكائي يطلق عليه تسمياته الحقيقية التي تقيم نوعاً من المطابقة بين مكانه السردي والمرجع الذي يحيل إليه، غير أنه لا يغدق على هذا المكان أية أوصاف تميزه من غيره ولهذا لا يبدو لتسمية المكان أية علاقة بالأحداث التي تدور في فضائه أو بالشخصيات التي تخترقه فيصبح أقرب الى الخلفية السردية والإطار الديكوري منه إلى المكان الذي ينخرط في مسار الأحداث. وحول المناص الخارجي ودلالته تناول المحاضر المناصات الخارجية التي مهد بها الكاتب بست من قصصه، التي تشي بقلق الشاعر ومكابدته بين محطات حياته الموشحة بالسواد ورغبته في الخروج من العتمة التي حبس فيها نفسه طائعا، وتكاد تلك المناصات تشكل نصوصا موازية لنصوصه الأخرى التي أبدعها. واشار المحاضر أن الفيروز لم يكن مشغولاً بهاجس التواصل حين كتب هذه المناصات الخارجية، لأن نصوص مجموعته القصصية واضحة لا ابهام فيها ولا غموض، كما انه لم يشأ ان يقيم علاقة مراوغة مع المتلقي، فيقدم له مناصا يشي بدلالة ما، ثم يفاجئه بنص اخر ينقض هذه الدلالة، او يدخل معها في علاقة مراوغة تشبه علاقة القط مع الفأر، وانما اراد لمناصاته ان تكون فضاءات ونوافذ كتابية يهجس فيها بألم يصرح به في نصوصه، أو بما لا تحتمله طبيعة النصوص نفسها. وخلص أحمد عزيز الحسين في نهاية محاضرته الى ان مجموعة الفيروز ضمت نصوصا تجريبية متفاوتة في اختيار متنها الحكائي وتشكيل انماطها القصصية، وتراوحت بين القص الكلاسيكي، والقص الحداثي، والخاطرة الوجدانية، والنص المتحرر من المواضعات التقليدية المتعارف عليها، وقد عكست هذه النصوص موقف الفيروز من الزمن والوجود والموت، والتخلف الاجتماعي، والقمع، والحب.. ورغبته العارمة في مستقبل آمن يهديه إلى امتداده، امتداد جنونه، وهفواته.