بيان2: جاءت الشعوب من الشرق والغرب الى دبي حاملة معها تراثها وفنونها، وسعت عبر فرقها الفنية وعروضها الموسيقية لتعريف أكبر عدد ممكن من الجمهور الذي كان يحتشد بالالاف في الملتقى 2001 الذي أقيم في دبي مؤخرا. ولأن الفن وادواته والوانه المتعددة هو الوسيلة الرائعة للتعارف والتخاطب بين البشر فقد كانت ثقافات اكثر من 45 دولة حاضرة في الملتقى الأمر الذي اتاح للزائرين من مختلف الدول التعرف على حضارات وثقافات لم نسمع عنها من قبل. فمثلا، كانت تاهيتي حاضرة في المكان، وتاهيتي هي عبارة عن مجموعة جزر في المحيط الباسيفيكي يحتاج المرء ثلاثة ايام للسفر اليها بالطائرة من الامارات (38 ساعة طيران من دبي الى تاهيتي عبر استراليا او نيوزيلاندا). والحضور التاهيتي الجميل جسدته اجساد الفتيات الراقصات على ايقاع موسيقي مؤثر مستوحى من موسيقى الحقول أي الموسيقى التي يعزفها الفلاحون خلال جمع محاصيل الموز والقهوة والاناناس. ولم تفارق جموع الحاضرين الجناح التاهيتي الا حينما توقفت الفتيات عن الرقص وهدأ صوت الموسيقى ايذانا باستراحة قصيرة. تقول موريسا ابنة التسعة عشر ربيعا ذات اللون الخمري والعيون الزرقاوية الساحرة «كم اعجبنا هذا الاهتمام العربي بنا وببلادنا فنحن فوجئنا بان العرب يحبون موسيقانا». وتتمني تلك الفتاة ان ترى في بلادها عرباً يتجولون في الحدائق والشوارع ولو لمرة واحدة. وتمضي زميلتها جوانا «اننا هنا للتعريف ببلادنا فنحن نعيش في الجزء الاقصى من العالم ولكننا لا نشعر اننا في عزلة وتقول انها غير سعيدة لكثرة السياح الامريكيين وبعض الاوروبيين في بلادها لانهم يأتون للحشيش والمخدرات فقط». وقدمت فراشات من ماليزيا رقصات على ايقاع صاخب تخللتها عروض بهلوانية لشبان سحرة، وفي مكان اخر كان بضع عشرات من المشاهدين يتحلقون حول رقصات اندونيسية قدمتها فرقة باندونج للرقص الشعبي وربما كانت الالوان والملابس المزركشة التي ارتدتها الفرقة قد اثارت فضول المشاهدين اكثر من الغناء. ولم يدخر التونسيون جهدا في تقديم فنونهم الشعبية ذات الايقاع الموسيقي الشرقي الجميل والرقصات الشرقية التي قدمتها فتيات تونسيات على قدر كبير من مهارة الاستعراض في التجاوب مع ايقاعات الطبول ورشاقة الرقص مع الاواني الفخارية الموضوعة فوق الرؤوس. ويجتذب الرقص والموسيقى المغربية ايضا أذواقا متعددة من الناس لتنوع هذا الفن مابين الصحارى والسهول ومرتفعات الجبال. وقدم العمانيون فنوناً شعبية ضاربة في اعماق الاصالة والتاريخ وتعبر عن ماضٍ عريق بالفن ذات اللغة الملونة باللوحات الاستعراضية واصوات النهامين ورقصات السيوف والعرضة التي تقام في المناسبات السعيدة. ولم يكن بائع شراب العرقسوس في الجناح السوري اقل من الاخرين في لفت الانظار الي جناح بلاده، فقد كان الرجل الاربعيني يؤدي الرقصات على موسيقى الارغول في الوقت الذي كان يحمل على ظهره الاناء النحاسي الضخم وكافة ملحقاته من كؤوس للشراب الى مواد عطرية تضاف الى المشروب الشعبي. في اجنحة لبنان والاردن موسيقى تصدح وأصوات بلابل على اشجار العنب الاصطناعية التي كانت تزين المكان وفي جناح مصر كانت الموسيقى والرقص وحلقات الفن الفرعوني هي محور الجذب الرئيسي. غير ان الانجليز ارادوا ايضا اثبات ذاتهم عن طرق الفن، فقد كان نافخو القرب يتجولون في ارجاء الملتقى وممراته الضيقة بملابسهم الاسكتلندية الشهيرة ويتحلق الناس حولهم في لحظات من الذهول والمتعة لهذا الفن الراق. الفنون اليدوية جاء المغاربة والتوانسة من بلادهم حاملين معهم ادوات النجارة والحفر اليدوي على الخشب، وبمهارة عالية كان الحرفيون يصنعون ادوات مكتبية وتحفا من خشب الزيتون والسدر باسلوب مبهر للزوار. وقام حرفيون مهرة من المغرب باعمال الحفر والنقوش على المعادن النحاسية وصنع اوان مثل الصواني والكؤوس والتحف الجدارية. وفي المقابل برع فنان تشيكي في الحفر على الكريستال باستخدام معدات كهربائية يدوية ليرسم لوحات طبيعية او اشكال ومجسمات حسب ذوق الجمهور، ولم يدخر البلجيكي كريستوف جهدا في الرسم والحفر على الواح الشوكولاته الضخمة بلغة العيون الزائغة او القلوب الحائرة وكان طوال الوقت يوزع الابتسامات على الجمهور الذي يشاهد هذا الفن الغريب. وفي مكان مجاور كانت ناتاشا الروسية ترتدي حلة مزركشة من الملابس والمجوهرات المقلدة من القرن الثامن عشر تذكر بالماضي العريق لروسيا ايام الاباطرة وقالت انها تعمل في متحف موسكو التابع للدولة وانها تامل في التعريف بتلك المنشأة الثقافية التي كاد النسيان يطويها لدى الجمهور العربي. اما السويسريون فقد عرضوا مجسمات لابقار ضاحكة تبدو عليها السعادة وهي ترتع في المراعي الجبلية وكأن السويسريون يعترفون بان رعي الابقار وتربيتها كانت المهنة الاولى لاجدادهم الاوائل قبل الالكترونيات والساعات التي تعمل بالطاقة الشمسية واختراعات الاشعة والطب. حتى اجنحة الدول في الملتقى عكست الى حد كبير تراثها المعماري المعروف فالجناح التونسي مستوحى من مدينة سيدي بوسعيد الساحلية والجناح المغربي يعكس تراث العمارة المغربية العريقة ومصر لبست الطراز الفرعوني في جناحها والاردن نقل فنونا من البادية واعمدة رومانية تصور حضارة جرش وسوريا لم تتوان في جلب مملكة تدمر وبادية الشام وزنوبيا. والاجنحة الخليجية حملت كل الوان وخطوط التراث فجاءت معبرة عن حضارة يشهد لها الجميع بالاصالة والتميز من عمان الى قطر فالكويت والسعودية والبحرين والامارات التي تنوعت مدنها مابين اجنحة ابوظبي ودبي والشارقة والفجيرة. والشيء ذاته ينسحب على اجنحة الدول الاسيوية والاوروبية والامريكية اللاتينية، وكلها في نهاية المطاف فنون تجسد عصارة الثقافات الانسانية والجهد الانساني الحريص على التواصل مع الاخرين حتى ولو كانوا في اقصي اقاصي الدنيا. ويكفي أن تلك الفنون واللوحات التراثية عطرت سماء بعبق الماضي الجميل. جمال المجايدة