توفي القائد الألماني الفذ روميل قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) والمتفق عليه أن روميل تآمر على زعيمه هتلر الذي بدا أن جنونه سيصيب ألمانيا بكارثة. وكشفت المؤامرة قبل تنفيذها. ووقع هتلر في حرج، فقائده هو معبود الجماهير الذي ينافسه على كسب إعجابهم ومحاكمته ستقلل من هيبة الزعيم، ومن صلابة نظامه. ولذلك طلب هتلر من قائده أن ينتحر وربما وجد روميل في هذا الحل من كل مشاكله. ويقال إن الانتحار هو حل دائم لمشكلة مؤقتة. وهذا صحيح لكن الأمر ربما كان مختلفاً في حالة روميل. فإذا لم يستجب لقائده كان سيتعرض للمذلة والإهانة. وربما تعرض للاغتيال. وبالتأكيد ستشوه صورته. ولم يكن روميل عندما انتحر مهما كان تشاؤمه يرى قرب نهاية هتلر. المهم أن روميل وبعد وفاته بنصف قرن ونيّف ما زال يسمع صيحات تدعوه الى التقدم (إلى الأمام يا روميل) فلقد خرجت المظاهرات في مصر عندما اقترب روميل من (العلمين) تهتف له وتدعوه للتقدم. ذلك أن الناس آنئذ كانوا يعتقدون أن الجيش الألماني بقيادة روميل سيخلصهم من الجيش البريطاني بقيادة مونتجمري. وكان للجيش البريطاني تاريخ أسود في مصر لأكثر من ستين عاما قمع فيها الحركة الوطنية، وعلق فيها المشانق لفلاحي دنشواي، وشل الدور المصري خارج الحدود، واستنزف خيرات البلاد. ولذلك كان الألمان هم الأمل. فهم أعداء بريطانيا. وأعداء أعدائي أصدقائي. ولم يستخدم أحد خياله في تصور ماسيحدث بعد أن يلبي روميل نداء المتظاهرين (إلى الامام ياروميل) ويقضي على جيوش الحلفاء ويحكم البلاد. لم يحاول أحد أن يعرف ما حدث في البلاد التي حكمها النازي فعلا: بولندا، تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، اليونان، فرنسا.. وكيف قهرها الألمان بالحديد والنار، وتركوا فيها آثار لا يستطيع أن يمحوها الزمن. وعندما كنت في هولندا منذ وقت قريب حاولت أن أعرف ما فعله الألمان عندما احتلوها. وحكوا جميعا عن تدمير روتردام بالكامل. واختلفوا في تبرير هذا التدمير. قال بعضهم انه كانت هناك فكرة مقاومة في روتردام ولكن هذه الفكرة لم تتم. وقال بعضهم إن الألمان كانوا يريدون نشر الخوف حتي لا يقاومهم أحد. وقال آخرون إنهم أرادوا القضاء على روتردام كميناء استراتيجي. لا أظن أن احدا من الذين تمنوا انتصار روميل يتخيل النظام الذي سيتلو هذا الانتصار الذي لم يتحقق. وكان الحزب (السري) المناصر للألمان كبيرا جدا. وكان الشعب كله داخل هذا الحزب. وكان من المعروف أن القصر الملكي منحاز إلى الألمان لأسباب عديدة أولها الصدام بينه وبين الانجليز. وكانت مراكز القوى في مصر آنئذ هي: المندوب السامي الذي يحكم من وراء ستار ولا راد لمشيئته. وكان يتدخل حتى في تعيين موظف. وبالطبع كان المندوب السامي يستند الى القوات العسكرية التي تحتل البلاد، والتي زادت قوتها ونفوذها في زمن الحرب. وكانت القوة الثانية هي حزب الوفد الذي يمثل الرأي العام حتى بعد أن ضعفت قوته نتيجة عوامل كثيرة أولها الابتعاد عن السلطة، وتولي الاقليات للسلطة. أما القوة الثالثة فكانت القصر الملكي. وفي 4 فبراير 1942 حدث الصدام الحاد بين الملك فاروق والقوات البريطانية. فلقد رأت بريطانيا أن الحكومة الأنسب لمواجهة روميل الذي يتقدم الى البلاد بسرعة هي حكومة وفدية تمثل الرأي العام. ولكن الملك لم يكن من هذا الرأي. ولجأت بريطانيا الى القوة عندما احاطت قصر عابدين بالدبابات وطلبت من فاروق أن يعين مصطفى النحاس رئيسا للحكومة. وخيرته بين الاقالة وبين الاستجابة لأمرها. وقبل فاروق المهانة، وعين النحاس رئيسا للوزراء. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد لحب القصر للمحور، فلقد كانت هناك أسباب أخرى من بينها العلاقة الحميمة بين القصر وايطاليا. فعندما نفى الخديوي اسماعيل في يونيو 1879 وجد باب الاستانة مقفولا في وجهه فلقد رفض السلطان عبدالحميد السماح له بأن يعيش في تركيا. وبالطبع لم يكن طبيعيا أن يتجه الى فرنسا وبريطانيا اللتين حاربتاه وحاربهما ولا لألمانيا التي تطوعت بالعداء له دون سبب مقنع. ولا للمجر والنمسا أو روسيا التي دخلت في (زفة) العداء للخديوي المعزول. وكانت العلاقات بين الأسرتين الحاكمتين في مصر وايطاليا ممتازة منذ فترة، لذلك رحب ملك ايطاليا بالخديوي اسماعيل، وخصص له قصرا يعيش فيه. ودامت هذه العلاقة الى آخر ملوك مصر فاروق الذي مات في ايطاليا منفيا. وكان اكبر ابناء الخديوي وهو الأمير محمد توفيق تولى بعد أبيه. وبقي الى جانبه أخوه الأمير حسين كامل في أغلب الظن على مضض. وتوفي الأمير حسين. أما الأمير أحمد فؤاد أصغر ابناء اسماعيل فلقد صحبه الى ايطاليا ووقع في حبها. وفيما بعد درس العسكرية فيها وصار أحد ضباطها. ولذلك كان من الطبيعي بعد توليه العرش 1918 أن يصحب معه بعض الايطاليين. منذ ذلك الحين أصبح للايطاليين نقوذاً كبيراً في القصر فالسائق ايطالي وكذلك الحلاق والكهربائي والسائس والبستاني وغيرهم من صغار الحاشية الذين امتلكوا الصلة بقربهم الشديد من الملك. وفي نهاية فاروق كانت الصحف تتهم خادمه بوللي انه الذي يحكم. لهذا كان القصر الملكي ميالا الى المحور. وكان مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني قد أعلن ولاءه لألمانيا، على اعتبار انها ستحرر فلسطين من الانجليز وتعيدها الى فلسطين، وذلك قبل اهدائها للاسرائيليين. وكانت ثورة رشيد علي الكيلاني في تركيا تناصر الألمان على اعدائها البريطانيين. وكان عزيز المصري باشا الذي يلقى التقدير بين قادة ألمانيا قرر أن يجري مفاوضات مع ألمانيا لتحرير مصر من البريطانيين وحاول مرتين أن يطير الى المانيا وسط غابات الغارات الجوية. وكان أنور السادات وهو ضابط في الجيش على علاقة مع الجاسوس ايللر وهو ابن لمصري وألمانية، وكان القبض عليه خبرا مدويا. ولكن لم يثبت صلة السادات به. وحكمت المحكمة ببراءته، لكنه طرد من الجيش. الجميع كانوا يهتفون (إلى الامام يا روميل). كانوا يبحثون عن المخلص الذي سيأتي ليحررهم من اغلالهم ويحول ظلامهم الى نور. وسقط الحلم مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء. لكن العقلية لم تتغير مازلنا نبحث عن البطل الذي سيأتي من بلد أجنبي بسيفه ويحررنا من عبوديتنا، ويخلصنا من مشاكلنا، ويخرج بنا الى التقدم والحرية. لم نفكر في أن البطل قد يكون داخلنا، وعلينا أن نبحث عنه، ونخرجه من قمقمه، فاذا استطعنا كان بها، واذا لم نستطع نكون قد امتنعنا عن مخدر مدمن!