بيان 2: الماء وليس النفط هو السائل النفيس الذي لا يمكن الاستغناء عنه في حياتنا على هذا الكوكب، والماء هو المادة التي نشأت منها الحياة ثم استمرت في الاعتماد عليها، وفي حين أنه يمكن تعويض نقص او نفاد اي مصدر من مصادر الطاقة كالنفط او غيره بسهولة فان نقص منسوب المياه العذبة النظيفة الصالحة للشرب يعني الهلاك. وفيما نحن نسارع بالدخول الى واقع الحياة الجديدة بحلول القرن الحادي والعشرين بكل ما ينطوي عليه من اشكاليات، فان هناك القليل من القضايا المهمة التي يمكنها ان تعادل مشكلات نقص مصادر المياه او الحصول عليها بسهولة. يقول «ديريك والكوت» الشاعر الكاريبي الحاصل على جائزة نوبل في الادب «لا استطيع النظر الى العالم وهو يستغيث طلباً للماء، لا استطيع النظر الى حيث تتزايد النزاعات الاقليمية حول مصادر المياه ويواجه الناس والانظمة البيئية على حد سواء تحديات صعبة ملحة». على الرغم من ان الماء يغطي 71% من مساحة الارض، الا ان نسبة المياه العذبة لا تعطي الا اقل من 3% من هذه المساحة حيث غالبيته اما ان تكون على هيئة ثلوج في مناطق «جرين لاند» والقطبين او مياه محبوسة في الطبقات الصخرية العميقة من باطن الارض. فيما يتبقى ما تعادل نسبته اقل من 1% ليكون المياه المتوفرة الصالحة للاستخدام البشري وهو ما يبقى على الرغم من ذلك بعيداً عن متناول الكثيرين. وبحلول العام الجديد كان هناك اكثر من مليون شخص ممن لا تتوفر لديهم سبل الحصول على مياه الشرب الآمنة الصحية. فهناك ما يقدر بحوالي 2.4 مليون شخص لا يملكون الوسائل الصحية التي تضمن حصولهم على مياه نظيفة. وحول العالم يموت سنوياً حوالي 3.4 ملايين شخص متأثرين بأمراض تتعلق بمشكلات المياه الصحية. والواقع ان تجاهل حكومات العالم لهذه المشكلات كان هو الظاهرة الرئيسية التي تميز بها القرن العشرين كما أنه لايزال التحدي الذي ينتظرها في القرن الحادي والعشرين. يقول «بيتر جليك» وهو أحد اهم الخبراء القياديين في العالم في شئون مصادر المياه العذبة «ان على الحكومات والمنظمات الرسمية والأهلية ان تتعامل مع مشكلة المياه باعطائها الاولوية وهناك الكثير من الوسائل التي يمكن الاستعانة بها للعمل على تحقيق ذلك. كما ان تكاليفها الاقتصادية ليست باهظة مقارنة بتكاليف الفشل في التوصل الى حلول لهذه الازمة». «إننا نواجه الان ازمة مياه ومن المتوقع لهذه الازمة ان تتفاقم. وسيتربت على هذه الفجوة مشكلات اخرى منها ارتفاع اسعار المواد الغذائية وتكاليف نقلها الباهظة بالنسبة للدول التي تعاني من نقص المياه وهي الدول الاكثر معاناة من الفقر وكما نعلم فان الجوع والعطش يرتبطان كذلك بعدم الاستقرار السياسي وبانخفاض معدلات النمو الاقتصادي. ان ازمة المياه هذه كما يرى العديد من المتخصصين والعلماء وجماعات حماية البيئة تتسبب فيها عوامل مختلفة منها تغير المناخ وارتفاع درجة حرارة الارض وتوسع وانكماش مساحات المناطق المجدبة ولكن النشاط الانساني هو العامل الاكثر تأثيرا في ايجاد مشكلة نقص مياه الشرب او ما يسمى بالضغط المائي. وكغيره من الهبات التي يمنحنا اياها الخالق فان الماء لا يتم توزيعه على نحو عادل بين سكان الكرة الارضية وبينما يموت البعض بسبب العطش ولا تختلف في ذلك عنهم كل انواع الحياة الموجودة من حولهم فان البعض الاخر لا يعرف وسيلة للتحكم في مياه الفيضانات او المياه التي تغرقهم بها السيول الناجمة عن العواصف المصحوبة بالامطار والثلوج. وفي دول مثل كندا التي تعادل كمية المياه فيها كمية المياه في الصين ويعادل عدد سكانها اقل من 2.5% من عدد سكان الصين يطلق على الماء مسمى «الذهب الازرق» بينما تسمى عملة بوتسوانا التي تغطي غالبية اجزائها صحراء «كلهاري»، بـ «المطر» تعبيراً عن حاجتها الماسة الى المياه الصالحة للشرب. وعلى الرغم من التفاؤل بعدم انخفاض كمية المياه التي يمكن الحصول عليها من مصادر المياه الصالحة للشرب على نحو ينذر بتوقفها الا ان البشر مازالوا يواجهون صعوبة متزايدة في تنظيم وادارة وتوزيع وحماية المياه المتوفرة حاليا. وفي مناطق معينة تلعب الدورة الهيدرولوجية المائية دورا اساسياً في سرعة نضوب المياه نظرا لتبخر المياه السريع والتأخر في اتمام هذه الدورة مما يضر بحاجة مستخدميها. وفيما تتصارع الدول والمنظمات والسلطات المحلية من اجل تسوية الموقف فان ما تقوله الابحاث يؤكد ان الصراع من اجل الحصول على حقوق المياه يجسد ضخامة الازمة في حين تأتي التفاصيل كالتالي: تقدر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة «الفاو» عدد الاشخاص الذين لا يحصلون على الغذاء الكافي بـ 792 مليون شخص موزعين على 98 بلداً نامياً وهناك ما يقدر بـ 34 مليون شخص في الدول الصناعية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق يعيشون تحت خط الجوع. وفي بلغاريا ودول البحر الابيض المتوسط وشمال افريقيا واليمن والمغرب والعراق يزداد المعدل سوءاً. في تقاريرها تؤكد منظمة الفاو ان منطقتي اسيا والمحيط الهادي هما المنطقتان اللتان يعاني سكانهما من مشكلة الجوع المزمن وعلى الرغم من ذلك فان عمق المشكلة يتركز في منطقة الصحراء الافريقية حيث الدول الاكثر فقراً التي يعاني اكثر من ثلث سكانها «186 مليونا» من الجوع. في العديد من دول الصحراء الافريقية تنخفض معدلات الماء التي يحصل عليها الافراد بشكل يومي الى حد «لا يطاق» مقارنة بما يحصل عليه الافراد في الدول الاوروبية. وبسبب ظروف الحروب والتمزق والمناخ وسوء ظروف التنمية الزراعية فان 18 دولة منها تواجه مشكلة توفير الغذاء لسكانها. النزاعات الناشئة بين الدول حول السيطرة على مصادر المياه بما في ذلك النزاعات المسلحة «حروب المياه» وهي حروب غالباً ما تنشأ في الأماكن التي يقل فيها سقوط المطر. وأهم الصراعات التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط الصراع الاسرائيلي اللبناني الاردني على منابع الانهار والصراع بين تركيا وسوريا والعراق على مياه الفرات والصراع بين سوريا واسرائيل على مياه بحيرة «طبرية» والصراع بين مصر والسودان واثيوبيا وغيرها على مياه نهر النيل والصراع بين ايران وافغانستان على مياه «هلما ند». في بعض الاماكن لا يمكن الاعتماد على مياه الانهار والبحيرات المشتركة بين الدول بسبب ما يلقى بها من السلمون كما حدث بين الهند وبنجلاديش او رومانيا التي تعرضت مياه انهارها للتسمم وهي حوادث غالباً ما تقع دون قصد. وبينما يتركز الاهتمام على المشكلات التي تعاني منها افريقيا فان دولا اوروبية شبه قاحلة تقع الى الشمال من البحر الابيض المتوسط تعاني هي الاخرى من التصحر ومن مشكلات ازاحة الاحراج من مكانها وفي اليونان وايطاليا واسبانيا والبرتغال هناك مشكلة تتعلق بتحول مساحات من الارض الى اراضٍ ملحية غير صالحة للزراعة بسبب عوامل كثيرة كالحرائق والجفاف والفيضانات والافراط في استغلالها في المرعى او اغراض اخرى، وفي الوقت الذي تشكل الصناعة والسياحة والزراعة ضغطا كبيراً على هذه المناطق ويقل منسوب المياه فان ذلك يحول حروب المياه بالتدريج الى حروب داخلية. والاشارة هنا الى حوادث شهدتها السنوات الاخيرة منها خروج مئات الالاف من سكان «مدريد» و«برشلونة الى الشوارع لاعلان الاحتجاج على مشروعات حكومية تهدف الى تحويل مجاري الانهار لتصب في مناطق اخرى اكثر حاجة للمياه. وهناك مشكلات اخرى تتعلق بالمياه قيد البحث منها الدور الذي تلعبه اساليب ووسائل الري والسدود المسألة الاكثر اثارة للجدل، وتشير تقارير المفوضية الدولية الى انه في الوقت الذي ينظر فيه الى مشاريع انشاء السدود على انها مشروعات تعود بالنفع الا ان تكاليفها الباهظة واضرارها البيئية والسكانية التي تضطر الكثيرين الى النزوح تجعلها من المشاريع الاقل الحاحاً في الحاجة اليها وهو ما يمكن تعويضه في مشروعات بديلة يمكنها ان توفر الماء والغذاء والطاقة. وفي الوقت الذي يشرع العالم في التعامل بجدية مع ما يسمى بـ «اعادة التفكير في ادارة الثروة المائية» فان ما بدأ يظهر على السطح من حلول كثيرة يبدو في جملته مناسباً جداً سواء كانت هذه مقترحات قديمة او جديدة، تتضمن اموراً كالسعي الى الحد من اهدار المياه المستخدمة في الري وتحلية مياه البحار والبحيرات المالحة واعادة تدوير المياه المستخدمة لاستخراج مياه صالحة لاغراض الري وما الى ذلك والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة ذات التكاليف الاقل والمردود الاكبر وزيادة الاعتماد على ما يعرف بعمليات «جني مياه الامطار والضباب» لاستخدامها في ري المزروعات واستخدام التقنيات العلمية الحديثة في اعداد القرى والمناطق النائية باحتياطاتها من المياه. مريم جمعة فرج