بيان2: قد لا يعرف الكثير منا عن اليابان غير ما يقرأ او يتابع فى وسائل الاعلام السيارة، ولا يختلف ذلك كثيرا فى منطقتنا العربية عما فى الغرب. حتى من يزور اليابان زيارة سريعة فإنه ربما لا يعود الا بانطباع المنبهر بالتقدم التقني والتطور الحداثى مع الحفاظ على التراث الثقافى. وربما يثير ذلك بعض الحيرة والاضطراب مع ما نتابعه فى وسائل الاعلام الاقتصادية فى السنوات الاخيرة عن مشكلات الاقتصاد اليابانى وحالة الركود التى لم يستطع الخروج منها على مدى العقد الاخير من القرن المنصرم، وتوقف النمو الاقتصادى تقريبا، وبقاء سعر الفائدة عند صفر فى المئة، وتضخم حجم الدين الحكومى الى حدود مرعبة، وحالات الافلاس فى الشركات الكبرى، ومشكلات المصارف وديونها المعدومة...الخ. كل ذلك فى الوقت الذى نرى رجال المال والاعمال اليابانيين يشترون المصالح والعقارات فى الدول الصناعية الكبرى الاخرى، وكأن تراكم الثروات اليابانية لم يتأثر كثيرا بكل هذه المثالب التى يرزح تحتها الاقتصاد اليابانى. وربما كان تفسير ذلك اقتصاديا يعد أمراً سهلا الى حد ما، فتراكم الثروة فى اليابان لم يتوقف منذ خمسينيات القرن العشرين ونتيجة الركود فى الاقتصاد المحلى الياباني تستغل الثروة المتراكمة فى شراء العقارات والاسهم فى الاسواق الكبرى الاخرى، وما زال الاقتصاد اليابانى ثانى اكبر اقتصاد فى العالم. اما الجانب الاخر من الحالة اليابانية فغيابه عنا مفهوم لسبب معروف، وهو انغلاق اليابان ثقافيا. ولعلنا نلاحظ ان اليابانيين، فى تعاملهم مع اى بلد، انما يحرصون على ان يرسلوا ابناءهم يتعلمون لغة وثقافة هذا البلد اكثر مما يتيحون لداخلهم الانفتاح امام محاولات الاخر للتفاعل معه. من هنا يستحيل التعرف على الداخل اليابانى بخصوصياته الا من خلال كتابات اليابانيين انفسهم باللغة اليابانية، او من خلال كتابات من عاشوا فى اليابان لفترة طويلة وخبروا تفاصيله معايشة متفحصة. من هؤلاء الاخيرين اليكس كير الكاتب الامريكى الذى تخصص فى الدراسات اليابانية وعاش فى اليابان اكثر من ثلاثين عاما قبل ان يتركها ليعيش فى تايلاند. وقد نشر كير كتابا عن اليابان من قبل بعنوان «اليابان المفقودة» وها هو يكرر المحاولة فى كتابه الاخير الذى نناقشه هنا. وبداية فإن من المهم الاشارة الى ان اليكس كير انما يهتم اساسا بالجانب الثقافى والبيئى فى تطور التجربة اليابانية فى نصف القرن الاخير، وله موقع على الانترنت خصصه للدفاع عن مدينة كيوتو التاريخية ضد محاولات التحديث التى تتعرض لها وتشوه بيئتها الطبيعية وحالتها التاريخية. فالحاكم لرؤية كير للتجربة اليابانية هو المعيار الثقافى/الحضارى اساسا، وما المكونات الاخرى من سياسة واقتصاد واجتماع الا مدخلات يحللها بما يدعم رؤيته المسبقة للحالة اليابانية الحديثة. هناك يابان أخرى يقسم كير كتابه الى خمسة عشر فصلا ومقدمة وخاتمة. وفى المقدمة يبرر الزاوية التى اختارها للحديث عن اليابان بأنه يعبر عما يشعر به ملايين اليابانيين ومحبي اليابان ممن يتأسون الان على ما آلت اليه فى ظل عملية التحديث التى ينظر اليها العالم باعجاب. بدأ كير العمل فى كتابه عام 1995 متوقعاً انه سينجزه خلال عام، وقد وضع الكتاب وهو خارج اليابان معتمدا على مخزونه من فترة اقامته فيها لنحو ثلاثة عقود ومتابعته لشئونها عن قرب منذ دراسته فى المدرسة الثانوية. الدافع لوضع الكتاب هو مقارنة لحظية بين بلد اسيوى مثل تايلاند ملئ بالحياة والطبيعة البكر غير الفاسدة واليابان الحديثة التى ترهلت متأثرة بمثالب الدول الصناعية الكبرى. ويحفز التعجب عقل الكاتب: لماذا تتأثر اليابان/النموذج بمآسى الدول الصناعية الكبرى وهى الحريصة دوما على الانفصال عن العالم والحفاظ على خصوصيتها حتى فى تجربة التصنيع والتحديث؟. منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأ العالم يدرس الحالة اليابانية كنموذج للتطوير الصناعى والرأسمالى، لكن احدا لم يجرؤ على رؤية الجانب الاخر من التجربة. ولم يفكر أحد فى أى سلبيات للتجربة اليابانية. ولماذا تكون هناك سلبيات اصلا اذا كان البلد يملك كل شئ: الثروة والجمال الطبيعى والتاريخ والفن والتراث؟ لم ينتبه العالم الا مع بدء التدهور فى بداية التسعينيات مع انهيار البورصة عام 1989 وتراجع الناتج المحلى الياباني الاجمالى الى ما دون الصفر فى المئة ليصبح بالسالب. وأخذ الاقتصاد اليابانى فى الانكماش فيما اخذ الاقتصاد الامريكى والاوروبى وحتى الصينى فى الرواج والازدهار. لم ينظر احد اذا الى تشويه الريف اليابانى وتشويه مناظر الجبال الطبيعية بالمبانى الحديثة وتحول كيوتو ونارا الى غابات من الاسمنت وتراجع صناعة السينما والزهور. قد لا تعود مشكلات اليابان، فيما يبدو، الى بداية عملية التحول الصناعى في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وانما ترجع جذورها الى منتصف القرن التاسع عشر (1868) مع بدء انفتاح اليابان على العالم. كانت بداية هذا الانفتاح مقاومة اليابان للقوى الاستعمارية الغربية، ثم تحولت الى منافسة تلك القوى فى محاولة السيطرة على العالم. وفى النصف الاخير من القرن العشرين تحولت اليابان الى واحدة من كبريات دول العالم عبر التضحية بكل شئ مقابل النمو الصناعى. وصاحب ذلك ـ اقتصاديا ـ تراكم الديون الداخلية. اما الذى جعل العالم لا يعرف الكثير عن حقيقة ما يحدث فى اليابان فيعود، ليس فقط لحرصها على الانغلاق والانفصال عن العالم، بل ايضا لتقصير الباحثين الغربيين المختصين بالشأن اليابانى. فمنذ الستينيات والسبعينيات تشكل نوع من الرقابة الذاتية لدى هؤلاء الدارسين. فقد كان عليهم دائما ان يركزوا على تقديم الصورة الحسنة والجانب المبهر من التجربة والا فقدوا مصدر رزقهم باعتبار ان عملهم الاساسى هو الشئون اليابانية. فاقتصر الحديث فى كتابات ومحاضرات هؤلاء على الكفاءة الصناعية فى اليابان دون اى ذكر مثلا لحرية المصانع فى القاء نفاياتها المسببة للسرطان فى حقول الارز المجاورة. ولا يذكر احد ان الاولاد فى المدارس لا يتعلمون كيف يحافظون على البيئة المحيطة بهم. وان لم يمنع ذلك من ان تتناول بعض التحقيقات الصحافية القليلة موضوعات كهذه. مع بداية التسعينيات، والانفتاح القسرى لليابان على العالم بفضل ثورة الاتصالات والانترنت، بدأ ملايين اليابانيين يدركون ان بلدهم لم يتحدث طوال سنوات التحديث التى نظر فيها العالم اليه باعتباره معرضاً /نموذجاً للتحديث الصناعى الرأسمالى. وأكد ذلك اقتصاديا انهيار البنوك والبورصة، وثقافيا هجرة عشرات الملايين من اليابانيين هروبا من المدن القميئة والريف المخرب. اما المؤسسة البيروقراطية المسيطرة فى اليابان فتعد نموذجا للثبات الى الحد الاقصى. ومن السخرية انها كانت تواجه كل ذلك التردى ببناء التماثيل!. تلك المنشآت التى لا حاجة لها سوى تنفيذ مخططات التحديث على حساب تغيير البيئة والطبيعة والحفاظ على شريان الانفاق العام ممتلئا ليروى جشع السياسيين والبيروقراطية للثروة المتراكمة. تماثيل الاسمنت والحديد وأسفلت الطرق السريعة واعادة تشجير الغابات الطبيعية بعد تدميرها لاغراض اقتصادية صرفة. وربما كان افضل تعبير عن الوضع هو النظر الى قطاع الثقافة الذى لم يتطور فيه اكثر من فنى الكوميديا والرسوم المتحركة. فالكوميديا هى الوسيلة الاقرب لتصوير الوضع الكارثى للحالة اليابانية، اما الرسوم المتحركة فهى التصوير الاقرب للتقبل لواقع لا يتقبله العقل السليم. دولة التشييد والبناء من الاسس الراسخة لديانة الشنتو الرئيسية فى اليابان تقديس الارض، حيث الجبال والانهار والشواطئ هى ملاذ الالهة. والقاعدة الحياتية البسيطة ان الارض تبقى وماعليها يتغير. اما ما يحدث فى اليابان فى العقود الاخيرة فهو التغيير الدائم لطبيعة الارض وما عليها، ليس بغرض خدمة رقي الانسان بقدر ما هو لترسيخ نظام الادارة ونمط العلاقات الاقتصادية السياسية الاجتماعية المعقد. وخلاصة الفصل الاول من كتاب اليكس كير والمعنون «الارض» قوامها ان البيروقراطية الحاكمة فى اليابان رسخت على مدى عقود التطور الصناعى الرأسمالى اولوية للانفاق العام على قطاع التشييد والبناء الأمر الذي جعل اليابان «دولة تشييد». وتضافرت شبكة واسعة من المصالح بين ثلاث وزارات رئيسية هى وزارة الزراعة والمصايد والغابات ووزارة التشييد والبناء ووزارة النقل والمواصلات لتعمل على تضخيم الانفاق العام على تدمير طبيعة الارض فى اليابان. فمن خلال المصالح والهيئات التابعة لتلك الوزارات يتم ارساء مناقصات الاشغال العامة على وكالات محددة يعمل فيها موظفون سابقون متقاعدون من الادارة العليا لتلك الوزارات. وتقوم تلك الوكالات بدورها بتوزيع التعاقدات على شركات محددة هى المصدر الرئيسى لتمويل السياسيين وكبار رجال البيروقراطية اليابانية. والاموال المتولدة من تلك العمليات هى بمليارات الينات. ليس معنى ذلك ان اليابان متفردة بين الدول الرأسمالية الصناعية الكبرى فى هذا الوضع، فهذا يحدث فى الولايات المتحدة واوروبا، لكن الثقافة الحاكمة له فى اليابان اقوى بكثير الى الحد الذى قد يصعب معه العلاج. فقطاع التشييد والبناء فى اليابان ميزانيته 80 تريليون ين، وهو الاكبر فى العالم على الاطلاق. وفى بداية التسعينيات كان نصيب قطاع التشييد والبناء من الناتج المحلى الاجمالى اليابانى 18،2%، مقابل 12،4% فى بريطانيا و 8،5% فى الولايات المتحدة. ولمزيد من الايضاح لتنامي حجم الانفاق العام تجدر الاشارة الى انه فى بداية التسعينيات بلغت نسبة الانفاق على الاشغال العامة فى اليابان 8% من الناتج المحلى الاجمالى، مقابل نسبة 2% فى الولايات المتحدة. وبحلول عام 2000 كانت نسبة الانفاق على الاشغال العامة فى اليابان 9% من الناتج المحلى الاجمالى مقابل 1% فى الولايات المتحدة. لهذا نجد ان طبيعة الانهار تغيرت تماما فى اليابان، فمن بين 113 نهرا لم يتبق سوى ثلاثة انهار فقط لم تقم عليها السدود وتحرف مجاريها فى قنوات اسمنتية. وفى مقابل تخطيط وزارة التشييد والبناء اليابانية لاضافة 500 سد لنحو 2800 سد موجودة بالفعل، قامت الولايات المتحدة منذ بداية التسعينيات بهدم 70 سدا من على الانهار فيها. وبمقارنة الريف اليابانى بالريف البريطانى او الفرنسى او حتى الالمانى، مع التطور الصناعى التحديثى فى المانيا بعد الحرب العالمية الثانية، نجد المفارقة صاعقة. ينسحب الوضع كذلك على «خرسنة» ـ اى التدعيم بالكتل الخرسانية ـ نحو 60% من الشواطئ اليابانية تحت دعوى مقاومة المد والفيضانات، على الرغم من ان معظم تلك الفيضانات معروف انها لا تأتى الا كل مئة عام. وحتى هذا التدعيم لم يوقف النحر فى الشواطئ. لكن الهدف الاساسى هو الابقاء على تنفيذ المشروعات الانشائية الضخمة والعمولات التى تحلب من تمويلها الحكومى. كذلك عمليات ردم الشواطئ والبحيرات بدعوى استصلاح الاراضى للزراعة فى المناطق التى يقل فيها عدد المزارعين مع تحول الناس من الفلاحة الى العمل فى قطاع التشييد المتنامى. ربما يعجب الزائر لليابان بالهندسة الحديثة وشكل الاسمنت والحديد البراق الذى يمثل اعلى درجات الحداثة، لكن ما ان يعرف كم يغطى تحته من الطبيعة الجميلة التى اكتسحت كي يشيد، حتى ينتقل اليه شعور اليابانيين بالاسى على ما آل اليه بلدهم. ومن نافلة القول الحديث عن الاضرار البيئية الناجمة عن كل عمليات التشييد والتصنيع. وتتجاوز الاثار البيئية تدمير الطبيعة الى ما تحدثه مخلفات الصناعة من اضرار تلويثية، فقد اصبحت مشكلة المخلفات الصناعية والامراض التى تسببها للبشر اكبر من قدرة وزارة الصحة والهيئات الاخرى على مواجهتها. والامثلة على ذلك لا تنتهى وتنتشر فى كل ربوع اليابان من مدنها الى ريفها. ويمكن الاطلاع على بعض هذه المشكلات بالعودة الى تغطيات متفرقة فى الصحافة اليابانية المقروءة والمرئية. وتترواح ما بين ازمات الحساسية للمخلفات الكيماوية الى انتشار الاوبئة المرتبطة بتلوث البيئة الغازية. ربما لا تغفل العين فى اى مكان فى اليابان مشاهد الزهور الربيعية والخضرة الخريفية والانهار المنسابة وأشجار الصنوبر على الشواطئ. لكن ذلك فقط على الورق او البلاستيك او اعلانات النيون والكروم، لكن فى الواقع ربما يمر الزائر بطول وعرض اليابان من دون ان يرى اثرا لهذه الطبيعة الجميلة فى حالتها الاصلية. ذلك لان البيروقراطية المسيطرة فى اليابان تسير من دون تحكم، او بالطيار الآلى بلغة الملاحة الجوية، وأصبح وقف هذا المنحى شبه مستحيل على اى قوة. الحقائق الضائعة مع نهاية الثمانينيات كان رأسمال بورصة طوكيو اكبر من رأسمال اسواق وول ستريت، ونتيجة الغليان والفوران الاقتصادى غير الحقيقى حدث الانهيار فى البورصة اليابانية، مما ادى الى خسارتها10 تريليونات دولار، وما زال يتوقع ان تخسر نحو 3 تريليونات اخرى. وليس هذا بالامر الهين، فتلك الخسارة لا تحدث الا فى الحروب الكبرى بين الامم او فى حالة انهيار الامبراطوريات. قد يكمن السبب فى المغالاة الشديدة فى تقدير قيمة الاصول والعقارات، وكذلك فى عمليات الاقراض الهائلة لافراد قليلين من المضاربين تضمنت فسادا ماليا طال حتى البنك المركزى اليابانى ذاته. ويحتل المثال الشهير بـ «ضفدع» مدام اونوى نوى الذى افلس بنك اليابان الصناعى بقروضه الهائلة منه، فصلا كاملا من كتاب اليكس كير. والخلاصة ان نظام الاقراض فى اليابان لا يختلف عن نظام «العجز غير الكارثى» فى الولايات المتحدة، فكلاهما يشجع النمو والتطور الاقتصادى. حتى فى حالة اليابان، شجعت سياسة الاقراض والتوسع فى الاعتمادات الدائنة اقتصاديات دول اسيا الاخرى على تطوير القاعدة الصناعية لاقتصادياتها. لكن الفارق ان كل شئ فى اليابان، على طريقة البيروقراطية الحاكمة، يمتد الى الحد الاقصى. وذلك ما ادى الى الكارثة، طالما لا توجد حدود لتفهم عوامل السوق وتركها تحكم السياسات النقدية، وهذا ما يحمى الاسواق الامريكية الى حد كبير. هذا الفارق بين ما يحدث فى اليابان وما يحدث فى بقية الدول الصناعية الكبرى، ان اليابانيين تعودوا على الواقع الافتراضي، وهذا ما يفصله اليكس كير فى الفصل الرابع حول المعلومات وعنوانه الفرعى: فيلارؤية مختلفة للواقعلالا. فمن الصعب الحصول على معلومات دقيقة او ارقام حقيقية جازمة رسميا فى اليابان. وتضاف تلك العقبة الى مشكلة الدارسين للشئون اليابانية، الذين يخشون اساسا من ان يتحدثوا عن اى سلبية فيحرموا من الدعوات الى المؤتمرات او الندوات التى تنظمها اليابان او يخسروا اصدقاءهم من المسئولين والاكاديميين اليابانيين. فهناك دائما فى الثقافة اليابانية «الموقف الرسمى» و«النية الحقيقية». ينطبق ذلك على المعلومات والبيانات حول تلوث البيئة والمضار الصحية لنفايات المصانع وعلى الحسابات المالية والارقام الخاصة بالديون والقروض. من الامثلة على ذلك فضيحة بنك دايوا اليابانى عام 1995، عندما امر الاحتياطى الفيدرالى الامريكى (البنك المركزى للولايات المتحدة) باغلاق فروعه فى امريكا. وكان الاحتياطى الفيدرالى اكتشف ان هذا البنك اخفى عن المحققين الامريكيين، بالتواطؤ مع وزارة المالية اليابانية، مليار دولار خسائر. وكان رد فعل وزارة المالية غاضبا، متهما الاحتياطى الفيدرالى بأنه لم يقدر «الاختلافات الثقافية بين النظام المصرفى الغربى والنظام المصرفى اليابانى». تلك الاختلافات هى بالاساس النظرة المختلفة للحقيقة. المهم هنا ايضا ان معظم النظم الشمولية فى شرق آسيا تفضل النموذج اليابانى فى البيروقراطية الاقتصادية والمالية، حيث تظل المعلومات والارقام الحقيقية حكرا على السلطات ولا تترك مجالا لتدخل الرأي العام فيما لا يعنيه. والمبرر طبعا ان حرية المعلومات قد توجد حالة فوضى، بينما مركزيتها تعنى العمل بكفاءة وانجاز اكبر. الا ان حالة اليابان تثير تساؤلا مهما: هل حجب المعلومات يقود بالضرورة الى الكفاءة؟ والحديث هنا عن الاقتصاد والمال والاعمال اساسا، بعيدا عن السياسة وحرية كل فرد فى معرفة الحقيقة باعتباره حقا اساسيا من حقوق الانسان. البيروقراطية والتماثيل غالبا ما ينظر الدارسون للشئون اليابانية الى بيروقراطية السلطة هناك باعجاب شديد، متأثرين بما حققته على صعيد تحويل البلاد من خراب الحرب العالمية الثانية الى ثانى اكبر اقتصاد فى العالم والى نموذج نهضة صناعية حديثة. لكن احدا لم يدرس بالتفصيل العطن المتأصل فى تلك البيروقراطية والذى يتنامى بشكل مثير لاختلافه عن بيروقراطيات النظم الشمولية وبيروقراطيات النظم الديموقراطية على السواء. فالفساد موجود فى كل النظم وفى كل المجتمعات، لكنه فى اليابان يرتبط بثقافة الطاعة والتقوقع وحجب الحقائق. كما انه لاحدود له بمساءلة الجماهير او التشهير الاعلامى، كما فى المجتمعات الليبرالية، ولا بسلطة الحاكم الاعلى فى الانظمة الشمولية. تلك الخاصية للبيروقراطية اليابانية تجعلها نموذجا جيدا لدراسة العلاقة بين النفوذ والسلطة. فالاموال المخصصة للانفاق العام فى الميزانية اليابانية لا تذهب فى الاغلب الى الجهات او القطاعات التى تحتاجها، وانما يذهب معظمها الى من لهم علاقات مالية بكبار موظفى البيروقراطية الحكومية. والامثلة على ذلك كثيرة ومنها ماهو منشور بالفعل فى وسائل الاعلام اليابانية. لكن الدراسات الاكاديمية، وخاصة الغربية، عن اليابان تخلو الى حد كبير من اى ذكر لذلك بل يطغى فيها الحديث عن الكفاءة على اى شئ اخر. ومرة اخرى لاحساس البيروقراطية اليابانية بمسئوليتها عن التغيير الذى حدث فى البلاد فى نصف القرن الاخير، بدأت فى تشييد التماثيل والنصب. وعلى الرغم من ان هذا الامر يعد مجالا اخر يضاف الى مجالات الانفاق العام فى غير محله، الا ان الاهم انه يؤدى الى المزيد من التشويه. فبدلا من استخدام التقنية لترميم الاثار التاريخية التى تعد ميزة فريدة لليابان، تستخدم التقنية لتشييد (مرة اخرى) المتاحف الحديثة التى لا تخلو منها مدينة كبيرة. كما لا تخلو مدينة كبيرة من تصميمات معمارية مهولة التكاليف قميئة المنظر مقارنة بالتراث، من محطة للسكك الحديدية الى قاعة للفنون الى مراكز الانترنت. وبدلا من توفير خدمات الاتصال المدعومة وخدمات الانترنت الرخيصة لتشجيع الناس على التطوير التقني، يتم دعم «انشاء» مراكز للانترنت. وتعد مدينة كيوتو التاريخية مثالا صارخا على ذلك. فبدلا من الحفاظ على بيئة كيوتو الطبيعية وحمايتها والاستثمار فى الحفاظ عليها، جرى «تحديثها» بما افرغها من جمالها التقليدى الذى يتطلع اليه اى سائح يزور اليابان. وربما يكون مقبولا ان يتم التخلص من القديم لتتحول مدينة ما الى ناطحات سحاب وبنايات مكاتب ومطاعم وملاه كما حدث فى نيويورك او هونج كونج او شنغهاى. لكن ما حدث فى مدن مثل كيوتو هو تفريغ القديم ليحل محله القبح. ومرة اخرى فى كيوتو اذا نظرت من اعلى فندق جراند اوتيل، لصدمت من منظر الاسلاك الكهربائية وما على سطوح البنايات المبعثرة من دون اى نظام وكأنها مكعبات عشوائية الشكل والترتيب. وهذا ما يجعل القول بأن اليابان، على كل تقدمها الصناعى وتراكم الثروة، لم تتحدث بالمعنى الحقيقى للحداثة قولا له ما يبرره. ولا يقتصر الامر على الشره للتشييد والانشاء باعتباره قناة الانفاق العام التى تغذى فساد البيروقراطية، بل ان فن المعمار فى اليابان اصيب بذات الافات التى سبق الاشارة اليها. وما عاد المصممون والمعماريون اليابانيون يرون ضرورة لاستلهام التراث فى وضع التصميمات فيلاالحديثةلالا. حتى التنسيق المدنى والحضرى تم تجاهله تماما، وسادت موجة بين المعماريين بأن ابداعهم هذا فن مستقل يتيح لهم حرية الفوضى الانشائية. وهكذا بدلا من ان يجذب اليابانيون السائحين من مختلف ارجاء الارض ليزوروا ما لدى بلدهم من تراث تاريخى فريد، اصبح اليابانيون فى اليابان يلجأون للمتنزهات التخيلية في بلادهم التى تصور المدن الغربية الشهيرة فى حجم مصغر، وبطريقة ليست جميلة. وان كانت البيروقراطية اليابانية بدأت تنتبه منذ التسعينيات والتراجع الاقتصادى الى اهمية السياحة، الا ان الطريق طويل وشاق فى ظل المفاهيم الحالية. واذا استمر الامر هكذا فلا امل فى ان تصبح اليابان مزارا للسائحين من الغرب، بالقدر نفسه الذى عليه الحال فى بلاد اخرى فى اسيا الان كماليزيا واندونيسيا وتايلاند وسنغافورة. الاقتصاد والثقافة ربما كان اليابانيون اكثر شعوب العالم ادخارا، لكن ربما كانت بيروقراطية السلطة فى اليابان اكثر بيروقراطيات العالم اهدارا لمدخرات الناس. واذا كانت مشكلة اليابان الاقتصادية المتمثلة فى ست سنوات من عدم النمو او النمو بالسالب، وافلاس الشركات ومحافظ الاستثمار لصناديق المعاشات والادخار .. الخ. تثير التساؤلات لانها لم تؤد بعد الى الانهيار كما حدث فى روسيا، فالجواب الاقتصادى ان تراكم الثروة لم يتأثر كثيرا واغلب الدين الحكومى هو دين داخلى. لكن هناك ازمة، وربما كانت كما اشير من قبل ازمة ثقافة اقتصادية. وربما كان الاقتصاد اليابانى يسير على نموذج رأسمالى لا يتجاوز النظرية الكينزية فحسب، بل يختلف جذريا عن الرأسمالية الانجلو ـ امريكية. فمسألة ان المال له قانونه الخاص اصبحت محل تشكك، وحتى ما يقوله الامريكيون من ان الاسواق تصحح نفسها حتى من دون قانون خاص بها، بمجرد تركها حرة تماما ليس مقبولا لان هناك السياسة التى لا يمكن اغفالها كعامل مهم فيما يتعلق بالمال. لكن وسط كل هذا النسبى وعدم اليقينى تظل هناك الثقافة اليابانية الخاصة. ولا شك في ان التعليم يلعب دورا اساسيا فى ذلك. فالتعليم اليابانى المبهر بحجم وكم ما يلقنه للطلبة من معلومات لا يترك فرصة للنقد والتشكيك. بل انه فى جوهره نظام طاعة والتزام شديد، يساعد فى اعادة تفريخ ما سبق الاشارة اليه من مثالب البيروقراطية. وهنا، اكثر من اى مجال اخر، يدرك اليابانيون انفسهم مشكلتهم افضل من عين اى خبير اجنبى. ففى خطابه للامة عام 1977 قال رئيس الوزراء وقتذاك يوتارو هاشيموتو: «ان نظام التعليم الحالى لا يفعل اكثر من حشو رؤوس الاطفال بالمعلومات. انه يولى القدرة على الحفظ والتذكر اهمية اكثر من اللازم. ولا يسمح النظام للاطفال بأن يحددوا احلامهم وآمالهم وأهدافهم بأنفسهم». ويعترف اليابانيون بأن المجتمع «تكلس» بسبب الالتزام بالقواعد والاصول وانعدام الحيوية نتيجة النظام التعليمى السائد. ينعكس هذا التحجر الثقافى الناجم عن نظام التعليم فى الابداع فى الفنون الرئيسية فى اليابان. فمنذ جيل الستينيات والسبعينيات لم يبزغ فنانون يابانيون كبار فى السينما او فى فن الزهور. واذا كان قمع الامن للفكر والفن فى اليابان فى بداية القرن العشرين اصاب البلاد بأزمة تحلحلت على يد الفنانين الكبار فى اواسط القرن، فان نظام التعليم «الحديث» ما بعد الحرب العالمية الثانية قام بدور مماثل. وأدى ذلك بالتالى الى هجرة العقول النجيبة من اليابان الى الخارج بحثا عن فرص افضل، وان لم يتحول هذا الى ظاهرة استنزاف للعقول. لكن اذا اضفنا الى ذلك فقدان اليابان لميزة اساسية ظلت تتمتع بها حتى التسعينيات تبدو مشكلة الهجرة والاستقطاب مضاعفة. فقد ظلت اليابان لفترة طويلة مركزا رئيسيا لاى غربى يريد ان يمارس نشاطا اقتصاديا فى شرق آسيا، وذلك بسبب انغلاق بقية دول المنطقة. لكن مع انفتاح تلك الدول وعدم تصلبها فى مسألة مقاومة الغزو الثقافى الغربى فقدت اليابان تلك الميزة. ولا شك في ان حائط الصد الثقافى اليابانى ساهم الى حد كبير فى ذلك، فقد كان الاجنبى يقصد اليابان مضطرا، اما وقد اصبح بمقدوره ان يقيم ويملك ويدير عملا له فى تايلاند او ماليزيا فلن يفكر فى التمركز فى بلد يشعره دائما بأنه محل ريبة. التغيير من الداخل ليس معنى كل ما تقدم ان الوضع فى اليابان اصبح حالة ميؤوساً منها، بل ان امكانية التغيير قائمة، فتلك امة تغيرت جذريا مرتين فى غضون قرن ونصف القرن. المرة الاولى كانت فى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا بعد عام 1854 عندما وصل كومودور بيرى بسفنه السوداء واجبر اليابان على الانفتاح. وفى غضون عشرين عاما تخلصت اليابان من الحكم الاقطاعى الذى امتد الى نحو ثمانية قرون من قبل، وأرست دولة حديثة يحكمها الجيش ورجال الاعمال وموظفو الحكومة. التغير الجذرى الثانى جاء بعد هزيمة الامة اليابانية فى الحرب العالمية الثانية. ففى ظل الاحتلال الامريكى، عمل الجنرال دوجلاس مكارثر على تفكيك الجيش وتهميش سلطة اصحاب الثروة، وحلت محلهما البيروقراطية التى صنعت اليابان الحديثة. ويعتقد الكثيرون ان الوقت قد حان الان لتمر اليابان بالتغيير الجذرى الثالث، ان كان لها ان تبقى امة كبرى فى العالم. هذه المرة لن تجبر اليابان على الانفتاح على العالم الخارجى، كما حدث فى القرن التاسع عشر، ولن تستطيع قوة احتلال او هيمنة ان تغيرها كما حدث فى القرن العشرين. هذه المرة يأتى التغيير من الداخل، وعلى ايدى اجيال جديدة من اليابانيين الذين يدركون طبيعة مشكلات بلدهم اكثر من غيرهم ويمكنهم احداث النهضة مستلهمين تراثهم قبل ان يتم تشويهه. ولعل المثال الصارخ للتأكيد على ان التغيير لا بد وان يكون من الداخل هو مطالبة امريكا الدائمة لليابان بزيادة مخصصات الانفاق لتنشيط الاقتصاد. وهذا بدوره يدفع باتجاه الافة الأساسية التى يعانى منها الاقتصاد اليابانى: زيادة الدين الحكومى الداخلى وتبديد المدخرات وتغذية الفساد المالى والادارى. المسألة اذن ليست ضبط ارقام وحسابات لتتوافق مع آلية السوق الرأسمالى الغربى، وانما تلعب الثقافة/الحضارة الدور الرئيسى فيها مع عوامل الاقتصاد التقليدية. كما اسلفنا فى البداية يركز اليكس كير على ان كتابه انما يكشف عيبا من باب التشخيص الذى يسهم فى العلاج، وانه منطلق من محبة هذه الامة التى درسها فى سنوات عمره البكر وعاش فيها جل عمره. والكتاب على الرغم من انه ليس دراسة اكاديمية للوضع فى اليابان، فهو يقدم صورة مثيرة لكل من يهتم بهذا البلد، ولو من باب حب الاستطلاع. وربما كانت هذه من ميزات الكتاب حيث تجعل القص فيه ممتعا. الاجزاء الخاصة بالبيئة والطبيعة والتراث شيقة الى حد كبير وتوضح، اكثر من الحديث عن الاقتصاد والسياسة، ما يريد ان يذهب اليه الكاتب فى كشف الجوانب السلبية فى التجربة اليابانية. لكن من الواضح انها تعكس الى حد كبير خلفية الكاتب الثقافية، التى تختلف بالتالى عن ثقافة الشرق عامة ـ كما حاول هو ان يقول ان هذا الاختلاف يستغل لتزييف الحقائق ـ وتبين اهتماماته البيئية وغيرها من مقولات المنظمات غير الحكومية الدولية التى احيانا ما ترفع شعارات حق يراد بها باطل. وليس معنى ذلك ان ما ذكره الكاتب من امثلة لا يؤكد ان التجربة اليابانية تمر بأزمة حقيقية تتجاوز الاقتصاد والسياسة وانها مرتبطة الى حد كبير بعملية التحديث التي بدأت بعد الحرب العالمية الثانية. لكن ذلك لا يفترض ان ينتقص من الانجازات الهائلة فى التجربة اليابانية ودور البيروقراطية الايجابى فيها. فيما يتعلق بالاقتصاد، فما ذكره الكاتب من ارقام ومعلومات، حتى وان كانت دقيقة تماما، لا تصلح لان تكون مقدمات لتحليل يؤدى الى استنتاجات صارمة، فالتجربة الاقتصادية اليابانية الحديثة اكثر تعقيدا. والحقيقة ان اليكس كير لم يدع انه يقصد التحليل الاكاديمى، وانما هو يلقى اضواء متناثرة على جوانب تخفى عن اعين المتابعين لليابان ويغفلها دارسو الشئون اليابانية عمدا او من دون قصد. ولقد نجح فى ذلك الى حد كبير، خاصة ـ مرة اخرى ـ الفقرات التى تحدث فيها عن التشويه الذى غطت به الحداثة على جمال البيئة والتراث فى مدن وبلدات عرفها وعاش فيها. وهنا تحديدا يقدم الكتاب صورا لا نتصور ان يعثر عليها المرء فى مطبوعات الترويج السياحى اليابانية ولا حتى فى زيارة مبرمجة مع شركة سفر. هذا على الرغم من ان الكتاب يخلو من الصور والرسوم، لكن القص المشوق يرسم بالكلمات الكثير عن يابان اليوم ويابان الحلم لاهله ومريديه.