كان الإعلان مغريا وان كانت شروطه فيها الكثير من التشدد، إلا ان الاغراء كان أقوى.. «اذا كنت ممن يبحثون عن وظيفة شاغرة مناسبة، وتتقن اكثر من لغة اجنبية، ولك إلمام بالشئون السياسية والدولية، فهناك وظيفة شاغرة في انتظارك، هي التجسس لحساب الولايات المتحدة الأمريكية، وجهة العمل هي «وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه)»، بشرط ان تكون مغامراً.. وعنيداً.. ومخاطراً.. وقاسياً صلفا إذا لزم الأمر. ستكون هناك رواتب ومكافآت مجزية لمن تقبل طلباتهم بعد إجراء الاختبارات اللازمة.. في أول الامر صدمت بكلمة (التجسس)، وكنت أفضل لو أنهم كانوا أكثر لباقة واستعملوا لفظا أخف وأكثر عصرية مثل (جمع المعلومات) أو (عمل الأبحاث).. أو (التعاون الاستخباراتي)، ولكنني ـ وبعد تفكير عميق ومتزن ـ اكبرت فيهم شجاعتهم وصراحتهم، وأدركت انهم أرادوا ان يكونوا واضحين وواقعيين تماما حتى لا يتهمهم أحد مستقبلا بالخديعة او التحايل غير المشروع..! لم يكن الوصول إلى قرار بشأن الإعلان المذكور سهلا، فقد قضيت معظم سنوات عمري اشتم أمريكا.. وأتهمها بكل الجرائم السياسية والاستعمارية والعنصرية، فهل يكون من السهل بعد ذلك ان انقلب بين يوم وليلة مسبحا بحمد ادارتها.. مؤيداً ومدافعاً عن سياستها منقلبا عن مواقفي ومبادئي (180) درجة مرة واحدة..؟! أخذت أفكر وأفكر.. ورحت (أوزنها) في دماغي، وشيئا فشيئا بدأ يرتفع في داخلي صوت غريب راح يهمس في أذني بصوت غير مسموع: «لماذا تتردد؟.. مصلحتك فوق كل الاعتبارات، كم حققت لك كل تلك الخزعبلات المسماة (مباديء) أو (وطنية)؟، هل رفعت رصيدك التعبان في البنك؟.. هل يسرت لك من متع الحياة بعض ما تطمح إليه».. «ثم تعال معي نستعرض الساحة ومن فيها، هل أنت افضل من الصحفي (فلان).. أو أكثر وطنية من السياسي (علان).. أو أذكى من (...) و(...) و(...) وغيرهم من المتصدرين والمتزعمين لحركات التقدم والتحرر والتمقرط (من الديمقراطية)، وكلهم أيضا ـ أيها الناصح ـ سبقوك على نفس الدرب.. وهبروا من الدولارات ما يكيفهم ويكفي ورثتهم حتى الدرجة السابعة للعيش في بحبوحة يحسدون عليها؟!». ولم يترك لي الصوت الهامس من داخلي مجالا للاعتراض أو التردد، ولم يعد أمامي الا التفكير الجاد في قبول العرض والخضوع لاغراءاته ولو كانت وسيلتي إلى ذلك هي (التعاون) لبعض الوقت مع (الاصدقاء) في أمريكا..!! على باب المقر الرئيسي لمكتب (الجامعة) وقفت استرق النظر يمينا ويسارا بعد أن أخفيت وجهي قدر الامكان حتى لا يراني أحد ممن يعرفونني فيكشف أمري، وقبل ان اتقدم مستفتحا بالله فوجئت بمن يبرز أمامي فجأة وينحني قائلا: ـ أهلا مستر أبو خالد.. تفضل.. وبقدر ما دهشت لهذه المفاجأة.. بقدر ما انبهرت بشدة، لبراعة ودقة معلوماتهم التي سبقتني إليهم محددة لهم إسمي.. وشكلي.. وموعد وصولي، رغم محاولاتي للتخفي ما أمكن عن العيون..! دخلت حيث اشار الاخ اياه الى قاعة فتح بابها بمجرد اقترابي منه، تصدر القاعة مكتب فخم يجلس اليه من تصورت انه (كبير الجماعة)، بينما اصطفت على الجانبين مجموعة من الطاولات جلس اليها عدد من المتقدمين كانوا فيما يبدو يؤدون امتحانا أو اختبارا كالذي اعددت نفسي له، وتلقائيا توجهت الى (الكبير) الذي قال لي دون ان ينظر إلي.. وقبل ان اتفوه بكلمة واحدة: ـ تفضل بالجلوس.. وافتح حقيبتك التي اشتريتها بواحد وعشرين دولاراً. والتي رقم قفلها السري (777)، وناولني الورقتين الثالثة والخامسة من ملف (مسوغات التعيين) الموجود بالحقيبة تحت ساندويتش الفلافل بالطحينة الذي لم تأكل منه سوى 27% فقط..! ناولته ماطلبه.. وقبل ان افتح فمي مرة اخرى سلمني ورقة مطبوعة، عليها اسئلة، وقال بصوت ميكانيكي لا لون له مشيرا الى احد المكاتب الصغيرة الخالية بالقاعة.. «أمامك ساعة.. أجب عن الاسئلة بصدق تام.. لا تحاول الخداع او اللف والدوران.. فلدينا وسائلنا لكشف كل الحقائق..! كالتلميذ الخائف من رهبة الامتحان.. جلست على الطاولة كالمنوم مغناطيسيا.. ورحت اقرأ الاسئلة: هل تحب امريكا حبا جما. أم انك متخلف عقليا..؟ هل تؤيد سياسة امريكا في الشرق الاوسط.. أم انك ارهابي متطرف..؟ هل انت من انصار السلام وحسن الجوار مع اسرائيل أم انت عنصري ومعاد للسامية؟ هل تعارض التطبيع مع اسرائيل.. أم انك غير واقعي؟ بعد اسئلة عديدة من هذه النوع كانت هناك اسئلة اخرى ابسط وألطف لم تستغرق اجابتي عنها سوى دقائق معدودة.. مثل: ماذا افطرت صباح أمس؟ هل تحب القهوة بسكر خفيف ام مضبوط؟ هل تفضل شرب الشاي بالحليب ام بدونه؟ أين قضيت سهرتك مساء أول أمس؟ هل تحب زوجتك؟ انتهت الساعة الممنوحة لي للاجابة، فأسرعت اسلم الورقة الى (الكبير) الذي وضع الورقة دون ان يقرأها في جهاز امامه وضغط على بعض الازرار، وانتظرت معه بقلق ماذا سوف يفعله هذا (الشيء) الذي يبدو أنه سيكون صاحب الرأي الأول والأخير في تقرير مصيري، وما هي الا ثوان حتى طقطق الجهاز مخرجا ورقتي فيما يشبه الضيق لتتلقفها اصابع (الكبير) الذي القى عليها نظرة سريعة قبل ان يلقي بها جانبا وهو يقول لي باختصار شديد: «مرفوض»!! واندفعت الألفاظ من فمي في فزع وحيرة: ـ لماذا..؟ انني احب امريكا حبا جما.. وأؤيد سياستها الحكيمة.. واعشق السلام.. ومقتنع تماما بآراء باراك واتجاهات شارون السلمية..؟! في هدوء.. ودون التراث قال لي: ـ أيها الأبله.. نحن لم نحفل بإجاباتك عن الاسئلة الأولى، فهي اسئلة تمويهية للتغطية على الاسئلة الأخرى وهي الأهم، وقد كذبت فيها كلها، فأنت لم تفطر أمس على الاطلاق.. وانت تحب القهوة (سكر مضبوط) وليس خفيفا كما ذكرت.. وانت لا تشرب الشاي على الاطلاق، ونحن نعلم تماما أين وكيف قضيت سهرتك مساء أمس الأول ولا داعي للفضائح، أما عن حبك لزوجتك فالكدمة السوداء تحت عينك اليسرى.. والتورم الظاهر برأسك يكذبان ما ذكرته عن حبك لزوجتك العزيزة..! يا عزيزي.. نحن لا يهمنا حبك لأمريكا بقدر ما يهمنا ان تكون صادقا، فالكذب في المسائل الصغيرة دليل على استعدادات للكذب في المسائل الكبيرة.. مع السلامة..! انهارت الاحلام.. وطارت الوظيفة.. وعدت (مضطرا) إلى المباديء)، ولاحول ولا قوة إلا بالله!!