بيان2: كان أحد أغرب الطرود التي وصلت إلى مكتب تسجيل القطع الفنية المفقودة التي تشرف عليها منظمة بريطانية متخصصة في اقتفاء آثار الأعمال الفنية المسروقة في أنحاء العالم. عندما أزاح الموظفون طبقات الغلاف الورقي، والبطانة البلاستيكية عن الطرد الذي ترك بطريقة غامضة في بهو المبنى، فظهرت ست لوحات جصية أصيلة تصور مشاهد كلاسيكية ولقطات من الحياة. وسرعان ما كشف التحقيق الأولي أن عمر الجداريات يتجاوز ألفي عام، وأنه قد تم انتزاعها من حوائط قصر في مدينة بومبي بجنوب إيطاليا على أيدي لصوص محترفين قبل ستة عشر عاما. وقد اعتبر الاختصاصيون هذا الكشف انقلابا خطيرا ضد تجارة الفن المسروق والقطع الأثرية المنهوبة، التي تدر ما يعادل 375 مليون دولار سنويا على لصوص هذا المجال، وفقا لأحدث التقديرات. وأغلب الظن أن اللصوص تخلصوا من لوحات بومبي الجدارية الست هربا من عملية مطاردة محتدمة قادتها شرطة مكافحة السرقات الفنية في إيطاليا والبوليس الدولي «الإنتربول»، وبعدما اقترب المحققون من كشف خيوط العصابة الدولية المتخصصة في سرقة وبيع اللوحات الأثرية. ويقول الجنرال روبرتو كونفورتي قائد فرقة مكافحة السرقات الفنية المكونة من 130شرطيا إيطاليا: «لقد طاردنا هذه العصابة لأكثر من عامين متصلين، ويبدو أن أفرادها أدركوا عند نقطة ما أن الحلقة بدأت تضيق حول أعناقهم، فقرروا التخلص من الكنز المسروق. وطبقا للجنرال الإيطالي وفريقه، فقد ظلت اللوحات الجصية الثمينة لسنوات عدة في حوزة سمسار أيرلندي متخصص في تجارة الأعمال الفنية في السوق السوداء. وعبر مصادر سرية، سمع المخبرون الإيطاليون أن السمسار يعرض القطع المسروقة للبيع. لكن ـ وقبل أن يعثر على مشتر مناسب ـ شعر السمسار باقتراب الشرطة منه، فما كان منه إلا أن قرر التخلص من جسم الجريمة. وتبدأ فصول الحكاية المثيرة في إحدى بقاع مدينة بومبي الإيطالية، حيث انتزع اللصوص اللوحات من جدران قصر روماني، ربما أثناء حفريات تمت في العام 1985،ونظرا لكثافة ركام المدينة الساحلية العتيقة التي دمرها بركان فيزوف الشهير في العام 79 بعد الميلاد، لم يتنبه أحد لاختفاء الجداريات الثمينة إلا مؤخرا. وعلى الرغم من شدة الانفجار البركاني الذي حول بومبي إلى كومة من أنقاض، فالمدهش أن اللوحات التي رسمت بالجص على الجدران قبل ألفي عام لم تصب بأي أذى محافظة على جمالها الأصيل. وقد باءت جميع محاولات العثور على الكنز المفقود بالفشل، قبل أن يتلقى تاجر الأنتيكات البريطاني جيمس إدي مكالمة من مجهول في فبراير الماضي. وأخبره المتصل آنذاك بأن الجداريات المفقودة في حوزته وأنه يريد أن يسلمها إليه. ولم يتردد إدي الذي يتولى رئاسة جمعية تجار التحف والقطع الفنية البريطانية ما يجعله يسمو فوق أي شبهات في إبلاغ مكتب تسجيل المفقودات الفنية. وتستكمل زامبيتي خبيرة التحف التاريخية البريطانية بمكتب تسجيل المفقودات تفاصيل القصة العجيبة قائلة «كان طلب ذلك المجهول أن نجد أي طريقة لإعادة المسروقات إلى إيطاليا، من دون أن يكشف عن مالكها الأصلي. وبعد بضعة أيام وصلتنا اللوحات، إذ تركها شخص ما في مقر المنظمة مغلفة بعناية. والحقيقة أنني شعرت بإثارة غير عادية حين أمسكت بلوحات جصية تعود إلى أكثر من ألفي عام». وسرعان ما اكتشفت فرقة مكافحة السرقات الفنية في روما أن الجداريات الثمينة ما هي إلا اللوحات التي انتزعت بالإزميل من جدران قصر بومبي. وبعد فحصها بعناية، سلم الخبراء البريطانيون اللوحات الست إلى السفارة الإيطالية في لندن تمهيدا لإعادتها إلى وطنها الأصلي. ويقدر الجنرال كونفورتي ثمن اللوحات التي تعود إلى القرن الأول الميلادي بملايين الدولارات، وذلك على الرغم من أن تثمينا فنيا دقيقا لها لم يتم حتى الآن. وعلى الرغم من تأكيد أحد الخبراء المتخصصين في تثمين الأعمال الفنية التاريخية على «القيمة الفنية والحضارية غير العادية لتلك اللوحات المسروقة» فإنه يشير في الوقت ذاته إلى صعوبة وضع سعر حقيقي لهذه اللوحات حسب معطيات السوق، لأن ذلك يعد أمرا مخالف للقانون. وتتراوح أحجام اللوحات الجصية المستعادة بين حجم مفرش المائدة المتوسط، وحجم الصينية الكبيرة. وقد وضع سارقوها المجهولون كلا منها في إطار برواز من الألمونيوم غير ملائم بالمرة لقيمتها الفنية والتاريخية. ومع ذلك ما زالت اللوحات العتيقة تشع جمالا وبريقا. وتصور إحدى هذه الجداريات الإيطالية الإله ديونيزوس اله الخمر الإغريقي، فيما تصور اللوحات الأخرى شخصيات رومانية في أردية ذلك العصر، وقواقع تزحف على غصن شجرة، وقناع مسرحي عتيق. وتقول زامبيتي لقد حافظت أغلب هذه اللوحات على جمالها الأصلي، خصوصا لوحة الإله ديونيزوس، لكن المؤكد أنها جميعا تأثرت بعملية انتزاعها بالقوة من الجدران. ويوضح قائد الشرطة الإيطالي الجنرال كونفورتي أن اللصوص ربما قاموا بلصق غطاء سميك فوق اللوحات أثناء عملية انتزاعها من الجدران، وذلك لحمايتها من التشقق. ثم قاموا بحفر فجوة بعمق 2 سم أو 3 سم خلف كل لوحة، وبعدها أزاحوا الغطاء برفق وخلعوا الجداريات الثمينة. ويضيف إنها عملية شاقة ودقيقة بالنسبة لأي لص،فالمهم دائما أن يضمن عدم إصابة اللوحة بخدوش أو تشققات، وإلا فقدت قيمتها. ومن ثم فإنني أكاد أجزم بأن من قام بهذه العملية عصابة من المحترفين. سرقة الأعمال حين يتعلق الأمر بسرقة الأعمال الفنية والتحف الأثرية، تبرز إيطاليا كإحدى أكثر دول العالم تعرضا لهذا النوع من السرقات. وتشير تقديرات شرطة مكافحة السرقات الفنية إلى أن أكثر من 1341 قطعة فنية سرقت من مواقع أثرية في أنحاء إيطاليا خلال العام 2000 فقط. فيقول الجنرال كومفورتي في 40% فقط من تلك الحالات لم تخرج المسروقات خارج حدود إيطاليا، بينما نجح اللصوص في تهريب أكثر من 60%منها إلى الخارج، غالبا عبر سويسرا التي تشبه الباب الدوار في هذا المجال. وعادة ما تكون الوجهة الأخيرة للقطع الفنية المسروقة من إيطاليا في الولايات المتحدة أو اليابان، وأحيانا بريطانيا أو فرنسا. وربما في كولومبيا، وطن كبار تجار المخدرات. ووفقا لمكتب تسجيل المفقودات الفنية في بريطانيا، الذي يحتفظ بقائمة من الكنوز المسروقة تضم أكثر من 120 ألف قطعة وتحفة مسجلة على الكمبيوتر، فإن سرقة العمال الفنية تتصدر حاليا أكثر جرائم العالم تحقيقا للأرباح لا تسبقها في ذلك سوى تجارة المخدرات، كما تقول زامبيتي. وتظهر الدلائل المتوافرة لدى الشرطة حاليا أن العديد من منظمات تجارة المخدرات الدولية تتحول تدريجيا إلى مجال الفن، كوسيلة مثلى لغسل أموالها القذرة. ثمة صلة وثيقة بين تجارة المخدرات وعصابات تهريب الأعمال الفنية المسروقة. فاللوحة الثمينة هي من وجهة نظر بارونات الكوكايين مثلا استثمار جديد ووسيلة مثلى لغسل الملايين التي يحصلون عليها من هذه التجارة القذرة يقول الجنرال كومفورتي. ويشير مسئول الشرطة الإيطالي إلى أن عصابات الجريمة المنظمة في بلاده تنشط بشكل خاص في السوق السوداء لتجارة التحف والقطع الفنية المسروقة، قائلا: من السهل جدا على هذه العصابات تهريب تمثال ثمين أو لوحة أثرية إلى الخارج، وبخاصة إلى اسواق جنوب شرق آسيا حيث يمكن بيعها بأسعار ممتازة. وثمة أدلة لا تقبل الشك على أن المجرمين كثيرا ما نجحوا في جلب تحف أصيلة وبيعها لدور مزادات معروفة بعضها تعمد غض الطرف عن مصدرها. وفي المقابل تحصل العصابة على عوائد مالية نظيفة. وقد بلغ تفاقم السرقات من المواقع الثرية في إيطاليا حدا دفع السلطات هناك إلى استخدام المروحيات في مراقبة أطلال المدن التاريخية والأماكن الأثرية، وإلى الاستعانة بكاميرات دقيقة تمسح بانتظام هذه المواقع. ويتم تحديث هذه الصور يوميا، بحيث يسهل كشف أي تغيير يطرأ على الحفريات الجارية في تلك المواقع. ومن المنتظر أن يتم العمل بهذا الأسلوب الرقابي الحديث قريبا في صقلية، موطن زعماء المافيا. جهود المكافحة وفي إطار الجهود الدولية لمكافحة السرقات الفنية والأثرية، عثرت الشرطة السويسرية في يناير1997 على أربعة مخازن مملوءة بأكثر من عشرة آلاف كنز أثري سرقت من أنحاء متفرقة في إيطاليا. وقد قدرت القيمة الإجمالية للمسروقات آنذاك بأكثر من 37 مليون دولار. وفي 1998 عثرت الشرطة أثناء تفتيشها إحدى الفيلات في صقلية على أكثر من 30 ألف تحفة يونانية ورومانية وفينيقية مسروقة، قدرت قيمتها الإجمالية بأكثر من 30 مليون دولار. أثبتت التحريات أن أغلب هذه القطع نهب من أطلال موقع اثري في صقلية. لكن يبدو أن إيطاليا ليست وحدها المستهدفة من قبل لصوص الفن الدوليين، إذ يكشف تقرير حديث صادر عن لجنة متخصصة في مجلس العموم البريطاني أن معدل هذا النوع من السرقات يمثل فضيحة دولية. فبعد مصر تأتي مالي كأكبر دولة أفريقية من حيث عدد المواقع الأثرية التي تمتلكها. وقد أثبتت التحقيقات أن 45% من مواقع هذه الدولة تم نهبها، وهربت الكنوز المسروقة إلى الخارج. ويذهب التقرير البريطاني في تحذيره من خطورة الوضع قائلا بالنص إن تاريخ مالي يكاد يختفي فعليا من تحت الأرض التي يمشي فوقها الناس هناك. ويعد العراق نموذجا آخر لفضائح نهب الثروات التاريخية والثرية، إذ يكشف تقرير لجنة البرلمان البريطاني أن حجم السرقات الأثرية في هذا البلد العربي ارتفع بشكل غير عادي منذ اندلاع حرب الخليج عام 1991، وبخاصة بعد فرض الحصار وغياب الموارد الكافية للحفاظ على التراث وحماية المواقع الأثرية. ويؤكد الخبراء أن أكثر من 30 ألف قطعة أثرية نادرة تم سرقتها من تسعة متاحف عراقية خلال العقد الماضي، فيما اختفت آلاف التحف والكنوز من عشرات المواقع الأثرية في أنحاء العراق. وفي الوقت ذاته شهدت سوق مبيعات الكنوز العراقية المنهوبة في كل من لندن ونيويورك إقبالا غير مسبوق في السنوات الأخيرة. والحقيقة أن بريطانيا تمثل إحدى كبرى الأسواق السوداء في العالم لتجارة المسروقات الفنية والأثرية، ربما لأنها أيضا تلعب دورا رئيسا في سوق التجارة الفنية المشروع. ويكفي أن نعلم أن لندن تعد ثانية أكبر أسواق الفن في العالم، إذ يقدر حجم التعاملات فيها بنحو 7و6 مليارات دولار سنويا. وحتى عهد قريب، كانت القوانين البريطانية غير حاسمة في مكافحة هذا النشاط غير المشروع، كما أن بريطانيا كانت من بين دول قليلة رفضت التصديق على معاهدة اليونسكو التي طرحت عام 1970 والتي تلزم الدول الموقعة برد أي قطع فنية مسروقة إلى مواطنها الأصلية. لكن مع تزايد الضغوط الدولية مؤخرا، تحركت بريطانيا بهمة على طريق مكافحة السرقات الفنية، بل وتعهدت بالتصديق على معاهدة اليونسكو. وقد استقبلت منظمة تسجيل المفقودات الفنية، التي تتعامل مع كبريات شركات التأمين وأجهزة الأمن في أنحاء العالم، هذه التحركات بحفاوة كبيرة. فتقول زامبيتي في الماضي كانت تظهر مشكلات بين الدول نظرا لاختلاف التشريعات الخاصة بسرقة الأعمال الفنية والأثرية فيما بينها. لكن الالتزام باتفاقية اليونسكو من قبل أكبر عدد ممكن من البلدان سيساعد على توحيد القوانين ومن ثم تسهيل التعاون بين الدول في مجال مكافحة السرقات الفنية. أما بالنسبة للوحات بومبي الجدارية التي سلمت للسفارة الإيطالية في لندن، فمن الصعب التكهن بإمكانية تحديد أي قصور المدينة التاريخية المدمرة التي انتزعت منها هذه اللوحات الأثرية نظرا لمرور زمن طويل على سرقتها. واليوم، تنتشر شبكة من كاميرات المراقبة الحديثة والمجسات الدقيقة وكشافات الضوء الضخمة في أنحاء بومبي، ما يوفر حماية متميزة لكنوز المدينة التي دفنها بركان فيزوف قبل ألفي عام من لصوص الفن والآثار.