بيان2: شربورج ـ جاك رنيار: يبدو الخوف من هجمات القراصنة امرا من صنع خيال الروايات والقصص المشوّقة، لكن في مدينة «شربورج» الفرنسية، أدّت عمليات القرصنة البحرية إلى تأخير إبحار باخرتين متوجهتين إلى اليابان تحملان على متنهما 220 كيلوجراما من مادة البلوتونيوم المشعّة. وعلى رغم أن هذه المادة ليست من النوع المشبّع جدا الذي يُستخدم في صنع رؤوس حربية نووية، فإنها تظل مادة مشعّة ويمكن أن تُستخدم في صنع قنابل «مؤذية» ولتقليص مخاطر الاعتداء، احتاج مالكو الباخرة البريطانية لوقت كي ينصبوا متاريس وركائب لأسلحة نارية، ويهيئوا طاقمهم لأي مواجهة من خلال إخضاعهم لتدريب عسكري مكثّف يشمل استخدام السلاح وصدّ المهاجمين. ولمزيد من الحماية للباخرتين، استأجروا حراسا مسلّحين تابعين لهيئة الطاقة الذرية في المملكة المتحدة ووزّعوهم على كل باخرة. هذه التدابير الاحترازية تُعدّ ضرورية لأن السفن مضطرة للإبحار في مياه جنوب شرق آسيا التي ابتُليت بمصيبة القرصنة. الجزء الأكثر خطورة في رحلة الباخرتين الى اليابان التي تستغرق زهاء شهرين، هو عبور المضايق والممرات البحرية بين جزر المحيط الهندي و«جافا» و بحر جنوب الصين. فقرابة نصف عدد حوادث القرصنة التي أفيد عنها العام الماضي والتي بلغ عددها 469 حادثا، وقعت في تلك المناطق المائية الضيقة. واستنادا إلى الصحافة العالمية وتقارير أجهزة الاستخبارات، فإن أسامة بن لادن، قام بمحاولات عدة للحصول على اليورانيوم والبلوتونيوم والوقود النووي الناضب الذي يمكن تخصيبه وغيرها من المواد المشعّة. وقد أبلغ أحد مساعديه ويُدعى جمال أحمد الفضل، إلى قاض في نيويورك في فبراير الماضي أنه أُرسل من جانب بن لادن إلى الخرطوم حيث خُبّئت شحنة من مواد نووية كان قد تمّ تهريبها من جنوب إفريقيا. ويقول الفضل إنه يعتقد إن الصفقة فشلت، لكن بن لادن عرض مليونا ونصف المليون دولار من أجل قضيب واحد من المواد المشعّة. وكان المكتب البحري الدولي «آي أم بي» التابع لغرفة التجارة الدولية، يراقب أعمال القرصنة لأكثر من ثمانية أعوام، وأعلن العام 2000 السنة الأسوأ في هذا المجال، مع ورود تقارير عن ارتفاع نسبة القرصنة بنحو 57 في المئة عن العام 1999 وجاء في تقرير أعده هذا القسم إن «هجمات القرصنة ارتفعت إلى مستويات جديدة،» ويشير التقرير إلى أن 469 حادث قرصنة بحرية شملت تحويل مسار نحو 300 باخرة وخطف ثمانية سفن. وسجّل مقتل 72 شخصا وجرح نحو 99 في هجمات شنّها قراصنة. وأحصى في المقابل خطف قرابة 202 وفي مقارنة مع أرقام العام 1999، فإن عدد قتلى أعمال القرصنة لم يتجاوز الثلاثة، فيما جُرح 24 واحتجز قرابة 400 شحص رغما عنهم على يد قراصنة. نهب كل شيء أكثر من 50 في المئة من هذه الهجمات وقع حول الأرخبيل الإندونيسي، بما في ذلك 75 هجوما نفّذه قراصنة في مضيق «ملقة،» وهو القناة الضيقة الواقعة خلف ماليزيا والتي تصل «أندامان» ببحر جنوب الصين. ووقعت 119 حادثة في مضايق «سوندا» وغيرها من الممرات المائية التي تخترق الأرخبيل الإندونيسي. هذه المضائق الطبيعية تُعدّ ملاذا للقراصنة الذين ينقضّون على فريستهم من مخابئهم على الجزر، مستخدمين زوارق سريعة، ليمعنوا نهبا في كل شيء بدءا من ناقلات النفط وصولا إلى اليخوت الخاصة. أما طريقة القراصنة فتبدأ عادة بإطلاق عيارات تحذير في الهواء، وإن لم تمتثل السفن لإنذارهم، فإنهم يعمدون إلى توجيه نيرانهم مباشرة إليها. ويقول قبطان إحدى ناقلات النفط التابعة لشركة «شل» إنه في يناير الماضي كان عليه أن يترجّى القراصنة كي يوقفوا إطلاق عياراتهم على الناقلة التي كانت محمّلة بوقود الديزل السريع الالتهاب والجازولين. ولحسن حظّه نجت الناقلة من محاولة لخطفها عندما ظهرت في المكان سفينة تابعة للبحرية الأسترالية. في العام الماضي، اختطف القراصنة ثماني سفن كبيرة كانت تنقل بضائع مثل زيت النخيل والمعادن والأخشاب والفولاذ ومواد استهلاكية. أعاد القراصنة طلاءها، وأُعطيت أرقام تسجيل مزوّرة أو موّهوها بطريقة مختلفة كي يمكنهم من دخول موانيء صغيرة غير خاضعة لمراقبة جيدة كي يبيعوا البضائع التي غنموها. ويقدّر «المكتب البحري الدولي» الخسائر الناجمة عن أعمال القرصنة والسطو على بضائع المراكب سنويا بنحو 30 مليار دولار أمريكي، موضحا أن عددا من الاعتداءات والسرقات لا يُفد عنه. في الهند واليابان وإندونيسيا وماليزيا، ازداد الاهتمام بمواجهة آفة القرصنة المستفحلة، وأخذت هذه الدول على عاتقها التحرك «لحماية الطرقات البحرية من القرصنة،» كما أكد رئيس الوزراء الهندي آتال بيهاري فاجبايي للصحافيين في الثامن عشر من فبراير المنصرم. وتقول اليابان التي استضافت في العام الماضي 14 دولة ضمن مؤتمر يدعو إلى مقاومة أعمال السطو والقرصنة، إنه من الضروري اتخاذ تدابير شاملة لحماية البحار، لكن يجب أن تتحمّل أعباء ذلك أمم جنوب شرق آسيا، حيث تحصل أكثر هذه الاعتداءات. ودعا «إعلان طوكيو» الذي أُطلق في إبريل الماضي، إلى اتخاذ قرار صارم باتّخاذ جميع الإجراءات الممكنة للقضاء على أعمال القرصنة والسطو المسلّح على البواخر«، ولا سيما منها في منطقة آسيا. واستنادا إلى إحدى الصحف الرئيسية في طوكيو، فإن الحكومة اليابانية تعمل على وضع ميثاق مناهض للقرصنة يشمل بصورة أعمّ منظمة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» وتعتقد حكومة طوكيو أن معاهدة الأمم المتحدة المتعلقة بقانون البحار تبطل القيود الدستورية الخاصة بها في ما يتعلق بنشر قواتها المسلّحة خارج أراضيها. وتسمح معاهدة الأمم المتحدة لجميع السلطات البحرية التابعة للدول باتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة من أجل مكافحة القرصنة في عرض البحر. وتطالب الحكومة المجلس التشريعي بإصدار قانون يجيز التدخل المباشر من جانب السفن وخفر السواحل في إجراء دوريات مكافحة للقرصنة والتنسيق في أعمال مشتركة لمواجهة القراصنة والمهربين في المياه البحرية. وإذا ما صدر هذا القانون، فسيتيح لليابان إجراء اتفاقات أكثر عملانية مع القوات البحرية التابعة لمنظمة «آسيان» على مستوى تعقّب القراصنة. محاولة للمساعدة وفي محاولة لمساعدة الأساطيل البحرية والسفن التي تحميها، وضع «المكتب البحري الدولي» جهازاً شاملا للاتصالات والمراقبة، لتزويد السفن في المياه الدولية بمعلومات مستمرة عن مخاطر هجمات القراصنة. أما مركز التقارير والإفادة عن أعمال القرصنة التابع للمكتب، فمقره في وسط المنطقة المعرّضة للاعتداءات. ويراقب هذا المركز الاتصالات البحرية التجارية والرسمية ويُصدر تقريرا أسبوعيا عن الاعتداءات التي تحصل، موجّها تنبيها إلى السفن الأخرى. وأصبحت هذه الخدمة متوافرة على شبكة الإنترنت، بحيث يزوّد هذا التقرير الدوري مختلف مناطق العالم المعرّضة لخطر القرصنة ببيانات يومية مفصّلة ومعطيات أسبوعية. يملك «المكتب البحري الدولي» أيضا، جهازا طارئا أكثر أهمية يُسمّى «شيبلوكتم مهمته تزويد السفن الموجودة في المناطق المعرّضة لأعمال القرصنة بوسائل الاتصال والمعلومات الفورية. إنه يكلّف أقل من 300 دولار ويمكن تركيبه في أي سفينة ووصله بمركز التقرير عبر الساتلايت والإنترنت أيضا. وقد ساعد الجهاز في إحباط عمليات قرصنة وخطف عدة. وفي يونيو، استخدم مركز الإفادة عن أعمال القرصنة التابع للمكتب البحري الدولي إمكاناته للمساعدة في العثور على سفينة الشحن «جلوبال مارس» التي تحمل علم باناما. وكانت السفينة قد وقعت في قبضة القراصنة في ماليزيا في فبراير من العام 2000. وتمّ إطلاق اسم آخر عليها وتغيير مظهرها، وأُعيد تسجيلها بأوراق مزيفة من هندوراس. أخذها القراصنة إلى هونج كونج لبيعها بحمولتها، لكن تمّ إيقافهم على يد السلطات الصينية التي أُرشدت إلى السفينة بواسطة المكتب البحري الدولي. مع ذلك، يبدو أن الشركات المسئولة عن شحن الوقود النووي من ميناء «شربورج» تعتقد أن هذا النوع من الحماية غير ناجع. فبالنسبة إليها، تبقى الأسلحة الثقيلة على متن بواخرها ضرورية. إنها خطوة كبيرة، فبحسب مصادر بحرية إنها المرة الثانية فقط منذ أكثر من 100 عام، التي تبحر فيها السفن التجارية البريطانية في مياه المحيطات مسلّحة في زمن السلم.