بيان2: الجزائر ـ «البيان»: يتخذ الجزائريون من سطوح العمارات ملاحق ذات أهمية موصلة بالشقق التي يسكنون بها، وقد اوحت السطوح للعديد من مستعمليها ثقافة خاصة تكاد تنسج علاقة حميمية بينهما منذ زمن بعيد،، فهي متنفس النساء وملجأ الرجال وقت الحاجة. وتشكل سطوح العمارات ملاذا حيا للعديد من العائلات، فأكثر الناس لا يستوعبون السطوح الا بكونها مساحات فسيحة تناطح السماء هي في الاصل ملك لسكان العمارة، ويحق لهم ان يفعلوا فيها ما يشاءون فاذا كانت مثل هذه الفضاءات في الماضي يحن اليها الجزائريون بشكل تعودي اسفر مع الزمن الى تكون علاقة حميمية بين مستعملي السطوح في اغراض مختلفة، فان مقاصد اللجوء الى «نهايات» العمارات طرأت عليها تحولات اوحت بها الازمة، وان اقتصر هذا التبدل على بعض المناطق من البلاد دون اخرى، فالانحناء الشعبي اللصيق بالذاكرة الاجتماعية لسكان العاصمة منذ انتهى العهد الاستعماري، كان يقصد باللجوء الى السطوح ممارسة تقاليد اجتماعية بحتة واحياء القعدات السنوية واقامة الافراح واعراس الزواج والختان، فلم تكن هناك بدائل لاقامة هذه الاحتفالات التي تستدعي رقعة واسعة لاحتضان المدعوين الا سطوح العمارات، وتواترت هذه الطقوس الى غاية السنوات الاولى للتسعينيات، ومازالت حتى الآن تنتشر في بعض نواحي العاصمة التي تنتشر بها عمارات يعاني فيها سكانها من الضيق، على غرار ما تم مؤخرا من اقامة عرس زواج فوق سطح عمارة مهددة بالانهيار بالقرب من مستشفى بلفور بالحراش. من اهم عوامل تراجع ظاهرة اقامة الاعراس فوق السطوح لا سيما في العاصمة انتشار قاعات الحفلات لهذه الهياكل اضحت تستقطب اعدادا لا بأس بها من العائلات التي تسجل لديها طلبات لحجز القاعة لقصد الاحتفال بعرس، ولا يقتصر ذلك على يومي الخميس والجمعة، فقد ادت ضخامة الطلبات على قاعات الحفلات الى اتجاه العديد من الجزائريين الى الاحتفال في الايام الاخرى من الاسبوع التي يقل فيها الطلب على هذا النوع من القاعات، لكن في مقابل هذا يبقى سكان العمارات يتشبثون بممارسة الطقوس التقليدية في سطوح العمارات، كالاحتفاء بالمولد النبوي الشريف باشعال الشموع، ونحر اضحية العيد، وغسل الصوف وفتل الطعام ودعوة ربات البيوت لذلك من الجيران والاقارب، كما مازالت السطوح تمثل «مغاسل» للزرابي وما شابه ذلك من الاغطية النسيجية التي يتعذر غسلها بداخل الشقق، وهي ممارسات تربط بين جيلين عاصر كل منهما استعمالات السطوح بين الاتخاذ منها فضاء للتنفس والقيام باشغال البيت وبين جعلها شققا اضافية يسكنها كل من ضاقت به السبل وفضل معانقة السماء بسور لا ترحمه رياح خفيفة بمعية زوجته واطفاله وهو ما يحدث فعلا في اماكن بالعاصمة. استعمال سطوح العمارات من قبل سكانها لا يحدوه نمط معين يوحد استعمالاتها، فبينما تكون محل استغلال متعدد الاوجه ومكثف في عمارة من شارع ما، قد يكون سكان العمارة المحاذية لا يشغلون السطوح اصلا وهي مفارقات يوظفها الاختلاف في الذهنيات وحتى الانشطة التي تقام فيها تتضارب وتختلف وان كانت السمة الغالبة لاستغلالات السطوح في السابق لا تعدو ان تكون للاستمتاع والحديث، حيث يتجمع النسوة من الجيران فوق السطوح لتبادل الحديث والاشتراك في اشغال معينة، وتفسر وجهة نساء زمان الى اعالي العمارات بالثقافة المحافظة التي كانت سائدة لدى سكان العاصمة وهي ظاهرة التشدد حيال المرأة في الخروج الى الشارع، اما حاليا لا تجد العاصميات من حافز او دافع لاعتلاء عماراتهن ما دمن يخرجن ويتجولن في الشوارع، ويقدم البعض افتراض ان تراجع روح الجوار بين الجيران في المدن هو عدم الاحتكاك ببعضهم البعض، ولما كان هذا الاحتكاك ينبع اساسا من الاختلاط في مناسبات مختلفة تحتضنها السطوح، فان هذه الاخيرة قد تراجعت عن أداء مهمة اجتماعية على درجة من الأهمية. المهمة التقليدية عوضتها مهمة أخرى، اسندت لسطوح العمارات بعدما اكتظت شققها، هذه المهمة «الانسانية النبيلة» تكمن في احتضان وايواء من لفظهم الشارع، اذ اضحت اعالي العمارات تنافس مراكز العبور، بل الاكثر من ذلك فقد اصبحت سطوح العديد من العمارات لا سيما بالعاصمة «سوسطارة» العربي بين مهيدي مراكز لمكوث العائلات من دون مأوى، وقد اشار على سبيل المثال رئيس بلدية الجزائر الوسطى طيب زيتوني في لقاء سابق معه الى معضلة وجود العديد من العائلات العاصمية اخذة ادغالها فوق السطوح، وقال إنه من الضروري اتخاذ التدابير اللازمة لازالة تلك المشاهد المأساوية في اطار المساعي الدارجة لاعادة الوجه الحقيقي للعاصمة، وقد سبق ذلك تدمير الاكشال التي كانت متواجدة بمحطة نقل المسافرين سابقا والتي تحولت حاليا الى محطة هيدرولية. العديد من اصحاب العمارات يعترضون على مستأجري الشقق ممارسة بعض الاشغال فوق السطوح باعتبار ان ذلك ليس من حقهم ويبقى مالك العمارة المتصرف الوحيد في سطحها، ويقدم العديد من هؤلاء الى اغلاق السطوح حتى يقطع الطريق امام السكان للقيام باشغال فيها مع تحويلها الى الاستغلال الخاص. كما عمد البعض لبناء سكنات اضافية فوق السطوح حسب ما افادت به قاطنة بحي سوسطارة بالعاصمة ان ذلك يخضع للتشاور بين الجيران ومع مالك العمارة، حيث هم وحدهم الذين يملكون الموافقة من عدمها، اذا كان امر السكن فوق سطح عمارة يعني ذلك شغل السطح بأكمله ومن ثم ضياع قبلة لا يستهان بها في قلوب الجزائريين.