يقال ان أكبر بناء شيده البشر على الاطلاق هو سور الصين العظيم، فهو كبير للغاية حتى أنه يمكن أن يشاهد من الفضاء بوضوح بالغ، ويبلغ طوله 6000 كيلومتر، ويغطي مساحة 120 كيلومتر مربعا. غير أن هذا البناء يبدو صغيرا جدا مقارنة بالحيد المرجاني العظيم والعملاق الذي يقع قبالة الساحل الشرقي لاستراليا. فهذا الحيد المرجاني الضخم، الذي يعتبر أكبر بناء بناه أي مخلوق على الاطلاق بما في ذلك الإنسان، يمتد لمسافة 2000 كيلومتر، ويغطي مساحة تزيد على 60 ألف كيلومتر مربع. وينتشر فيه المرجان بجميع ألوان قوس قزح وبجميع الأشكال والأحجام. أما أسماء الأنواع المختلفة من المرجان فهي مشابهة في أغلب الأحيان للتشكيلات المذهلة التي يتخذها. وهذه الأسماء تشمل المرجان الإصبعي ومرجان قرون الأيل ومرجان المائدة والمرجان القرني والمرجان الشجري والمرجان الدماغي والكثير غيرها. ولعل أكثر الأمور إثارة للدهشة فيما يتعلق بالحيود المرجانية هو أن كل شيء فيها يتم بناؤه على يد حيوانات صغيرة جدا يدعى مفردها ب«البولب». وهي تنتمي إلى تلك الفئة من الحيوانات التي لا تحتوي على عظام داخل أجسادها، ولا تملك أصدافا تغطيها. وبالتالي، فإنها تعيش بمستعمرات وتبني هياكل مرجانية صلبة للحماية مثل البشر الذين يبنون القلاع لحماية أنفسهم. لكن بناء هذا الحجم الهائل من المرجان يعتبر عملا مجهدا حقا، وتحتاج حيوانات «البولب» لأن تكون الأمور على خير ما يرام لكي تنجح في مهمتها. فهي بحاجة إلى مياه دافئة وصافية وذات درجة حرارة عالية مستقرة وتيارات مائية لطيفة والكثير من أشعة الشمس. وهذه الأمور كلها تتوفر هنا في المياه المحيطة بشبه الجزيرة العربية، حيث تعتبر المياه الدافئة موطنا لأنواع عديدة من المرجان ومستعمراته. وكل ما يمكن رؤيته في النهار هو الهيكل المرجاني الصلب «القلعة»، نظرا لأن البولب يخرج في الليل فقط لتناول الغذاء. وتقوم هذه الحيوانات متناهية الصغر بالتقاط الحيوانات الأصغر العائمة باستخدام مجساتها. وتعد الأشكال المتفرعة الكبيرة للمرجان أماكن اختباء ومأوى للكثير من الحيوانات الأخرى، كالأسماك والسرطعونات. وبهذه الطريقة، تشكل الهياكل المرجانية بيوتا للحيوانات، تماما مثلما تفعل الغابات المطرية، وتعتبر أيضا أساس الشبكة الغذائية في المياه الدافئة. يمد هذا العالم الرائع من الحيود المرجانية الإنسان بالغذاء كالأسماك والحيوانات الأخرى التي تعيش في هذه الحيود. وقبل فترة طويلة، أي قبل انتشار الطوب الاسمنتي في شبه الجزيرة العربية، كان الناس يبنون بيوتهم من الصخور المرجانية. فكانوا يقطعون هذه الصخور ويقسمونها إلى قطع صغيرة ليبنوا منها الجدران. وللأسف، فإننا نحن البشر، الذين أخذوا الكثير من الحيود المرجانية، مسئولون حاليا عن تدميرها. وإذا ما استمر هذا الأمر، فإن المرجان قد يموت، ويتوقف عن بناء هذه الحيود الجميلة في مياه سواحل شبه الجزيرة العربية أو البحار حول العالم. وهذا يرجع إلى حقيقة أن الحيود المرجانية هشة للغاية والإنسان يعمل على تغيير الظروف التي يحتاجها المرجان من أجل البقاء. ومن أبرز المشكلات التي يسببها الإنسان للحيود المرجانية مشكلة التسخن الأرضي. وهي مشكلة خطيرة جدا تنجم عن تلويث الجو بالدخان المنبعث من السيارات والمصانع. وتتمثل هذه المشكلة في أن الحرارة المنبعثة من الشمس والتي تسخن الأرض لا يمكنها النفاذ إلى الجو عبر الهواء الملوث لأنه يعمل كغطاء للأرض. ونتيجة لذلك، يصبح البحر أسخن مما ينبغي. ولكن نظرا لأن المرجان يحتاج إلى حرارة مستقرة، فإن هذه الحرارة الزائدة تقتله. لقد أدى التسخن الأرضي خلال الأعوام الثلاثة الماضية إلى قتل أكثر من 80% من المرجان في العالم. ولحسن الحظ، فإن حرارة البحر عادت إلى طبيعتها والآن عاد بعض من هذه الحيود المرجانية إلى النمو من جديد، ولكن إذا استمر الإنسان باطلاق الدخان الملوث في الجو، فإن هذا التدمير قد يحدث مجددا، وقد تختفي في هذه المرة الحيود المرجانية إلى الأبد. والمشكلة الثانية التي يتسبب فيها الإنسان هي التلوث البحري. فالنفط المتسرب من السفن والأكياس البلاستيكية التي ترمى في البحر تغطي المرجان وتحجب أشعة الشمس عنه التي يحتاجها لكي يبقى على قيد الحياة وبدونها يموت. وتعتبر مشكلة التلوث النفطي من المشكلات الكبيرة في شبه الجزيرة العربية بسبب وجود أعداد كبيرة من ناقلات النفط التي تنقل النفط من آبار النفط إلى مناطق أخرى في العالم. فإذا وقع حادث لاحدى هذه الناقلات، فإن كميات كبيرة من النفط يمكن أن تتسرب إلى المياه وتغطي المرجان. ويتم رمي المواد البلاستيكية في البحر من السفن والقوارب. وبدلا من حمل الأكياس البلاستيكية وإعادتها معهم، يلجأ الزوار للحيود المرجانية عادة إلى رميها في المياه. حيث تغرق وتغطي الصخور المرجانية. ولأن الحيود المرجانية رائعة الجمال، وتشكل موطنا لأنواع كثيرة من الأسماك، فإن الناس يحبون زيارتها لصيد الأسماك أو الغوص أو مشاهدتها تحت الماء. ولكنهم إذا لم يتصرفوا بحذر، فإنهم قد يساهمون في تدمير الصخور المرجانية بمرساة القارب أو يقفون على المرجان فيحطمونه. ويتعين علينا أن نكون لطفاء مع البيئة المرجانية وألا نكون سببا رئيسيا في اختفائها. وهذا يتطلب وجود قدر أكبر من الوعي بأهمية الحيود المرجانية في الحياة البحرية، وبالتالي وجود وعي أكبر بأهميتها لنا كبشر، مما يستدعي العمل على وقف الأعمال التي تؤدي إلى التسخين الأرضي والتلوث البحري لكي نحمي هذه الحياة البحرية الجميلة. ضرار عمير