بيان الكتب: جاك هيرس مؤلف هذا الكتاب هو استاذ تاريخ القرون الوسطى في جامعة السوربون سبق له وقدم العديد من الكتب عن هذه الفترة مثل «العبيد والخدم في العصر الوسيط في العالم المتوسطي» و«الأحزاب والحياة السياسية في الغرب خلال العصر الوسيط». هذان الكتابان أصبحا في عداد الكتب الكلاسيكية خلال القرون الوسطى. هذا كتاب عن احد اشهر الشخصيات في الفكر الاستراتيجي الأوروبي. انه نيقولا دو برناردو مكيافيللي «صاحب طريقة التفكير المعروفة بـ «المكيافيللية» والتي يشكل احد مبادئها الأساسية المبدأ القائل: الغاية تبرر الوسيلة» الذي لا يزال حتى الآن شعاراً يردده «المكيافيلليون» كل مكان. ان مؤلف هذا الكتاب يدرس «المكيانيللية» عبر ثلاثة عشر فصلاً تخص حياة مكيافيللي واعماله. «نيقولا دو برناردو مكيافيللي» هو من مواليد فلورنسة عام 1469. كان ابوه محامياً معروفاً بنزعته الانسانية. بدأ حياته المهنية عام 1498 في ميدان العمل السياسي وتزوج بماريتيا كورسيني عام 1501 وانجب منها ستة أطفال. واذا كان مكيافيللي قد الف الكثير من الكتب والدراسات في حقول التاريخ، وخاصة تاريخ فلورنسة، والسياسة والدبلوماسية والاستراتيجية: فان اسمه قد ارتبط تحديداً بكتابه الذي يحمل عنوان «الأمير». المقولة المركزية التي يسهب مؤلف هذا الكتاب في تحليلها بالمباديء الفكرية والفلسفية التي طرحها مكيافيللي هي تلك التي اكد فيها بان «القوة تصنع الحق» في المنظار السياسي للطامحين إلى السلطة. كما رأى بان الناس يجدون في القوة ما يدفعهم للخضوع لها. وكان مكيافيللي قد شغل منصب مستشار كبير في جمهورية فلورنسة عندما لم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره. كما تولى العديد من الوظائف السياسية الرفيعة اثبت من خلال ممارستها بانه سياسي ودبلوماسي بارع يعرف كيف يواجه المسائل الدقيقة ويحافظ بنفس الوقت على ولائه لوظيفته وللسلطة التي تمثلها. وقد عرف كيف يحافظ على مواقعه الا في حالة واحدة مثلت نوعاً من الاستثناء في مسيرته وتخص علاقته بسلالة آل ميديتشي في فلورنسة الذين اختلف معهم واتهموه بالتآمر لحساب معارضيهم مما جلب عليه غضبهم ودفعهم إلى نبذه مما جعله يعرف لفترة من الزمن مرارة التشرد. لكن ذلك التشرد اعطاه هامشاً اكبر من الحرية حيث تحدث بهذا الخصوص عن التمايز الكبير بين ما كانوا يظهرون وما كانوا يبطنون. بحث مكيافيللي تاريخ أوروبا خلال القرون الأربعة التي تلت انهيار الامبراطورية الرومانية امتدت من القرن الثاني عشر وحتى السادس عشر والتي تميزت بكثير من الجمود والانحطاط وسيادة التوجهات الظلامية ومحاكم التفتيش وتحجر المجتمع. وقد ركز دراساته بشكل خاص على الحالة الايطالية حيث حاول ان يبرز مفارقاتها وتناقضاتها من موقع المفكر والمشارك في صنع الحياة العامة. وكانت الفترة التي عاش فيها مكيافيللي، كما يصفها مؤلف هذا الكتاب، هي تلك التي شهدت اعمق التحولات الفكرية والسياسية في التاريخ الأوروبي الحديث، وهي الفترة المعروفة بعصر النهضة الأوروبي الذي كانت ايطاليا، وفلورنسة بشكل خاص، احد منابته الاساسية على صعيد الفن والفكر والادب ومفاهيم السياسة والحكم وسلطة الدولة. كما شهد القرن الخامس عشر في نهاياته، وبدايات القرن السادس عشر تزايداً وتكدساً كبيرين على صعيد الثروات وتوسعاً في حركة التجارة وتنامياً في دور سلطة رأس المال. هذه الظواهر كلها ادّت في الواقع الاجتماعي إلى ظهور طبقات جديدة لم تكن ولاداتها بعيدة عن جو التوتر الكبير الذي تميزت فيه تلك الفترة، وخاصة بين انصار القديم وعلى رأسهم ممثلي الكنيسة الكاثوليكية وبين دعاة الثقافة الجديدة في شتى الميادين. باختصار شهدت الفترة التي عاش فيها مكيافيللي احداثاً اقتصادية وسياسية كبيرة لم يكن اقلها انهيار عرش البندقية وظهور مشروعات ذات طابع استعماري مع مارافق ذلك من نزعات توسعية باتجاه اسبانيا والبرتغال، وايضاً ظهور الشركات الكبرى على صعيد التجارة مع مارافقها من مفاهيم جديدة تتعلق بالاسعار وبالانتاج والربح وتكدس الثروات هذه المفاهيم التي هزّت أسس المجتمع القديم وأبرزت قيماً جديدة تقوم بشكل اساسي على المصلحة والمنفعة في مجال المعاملات والعلاقات الاجتماعية. كانت تلك هي البدايات الحقيقية لقيام المجتمع الرأسمالي وصعود سلطة الطبقات البورجوازية. وتزامن التبدل الاجتماعي العميق الذي عرفته بدايات القرن السادس عشر في أوروبا مع نهضة فكرية كان دعاة الفكر ذي النزعة الانسانية، او ما يمكن ان نطلق عليهم تسمية «الانسانيين» هم اقطابها الحقيقيون، وهم من يتم اعتبارهم الآن بمثابة رواد الحضارة الأوروبية الحديثة. هؤلاء المفكرون عكفوا على دراسة تجارب الشعوب والامم منذ زمن الاغريق والرومان القدماء وتأملوا تاريخ الممالك التي سادت لفترة من الزمن ثم انهارت وطواها الزمن. لقد حاولوا ان يفهموا أسباب نهوضها وعظمتها واسباب انحطاطها وانهيارها. وناقشوا أيضاً مختلف النظريات السياسية الخاصة بنظم الحكم وآليات عملها والقواعد التي تقيم شرعيتها عليها. وقد برزت ضمن هذا السياق اسماء مفكرين عديدين كان في طليعتها اسم مكيافيللي وخاصة في كتابيه الشهيرين «الأمير» و«المقالات» وكان من شأن الافكار التي طرحها هؤلاء المفكرين ان ساهمت في الكشف عن الآليات الزائفة التي سادت في آليات ممارسة السلطة خلال العصر الوسيط في أوروبا. وقد تمثل احد المصادر الاساسية في تشرب مكيافيللي للفكر الانساني الذي ساد في عصره في الأسرة التي عاش بكنفها اذ كان ابوه محامياً واسع الثقافة والاطلاع وذا نزعة انسانية تبدّت في تعلقه بالثقافة وبالتراث الانساني منذ الحقب القديمة. وقد وجّه الاب ابنه بهذا الاتجاه وغرس فيه حب الثقافة والمعرفة. لقد انكبّ الشاب مكيافيللي على دراسة النتاج الفكري الانساني واهتم بشكل خاص بدراسة فن السياسة وتاريخها، وحيث كانت قد بدأت بالاقتراب من موقع العلم «علم السياسة» المحكوم بمعطيات الواقع وعلاقات البشر وأدوات القوة. وابدى مكيافيللي منذ كتاباته الاولى كفاءاته الكبيرة كناقد للواقع الذي كانت تعيشه ايطاليا. وقد اعتمد في نقده على رصد الواقع أولاً ورسم لوحة عيانية له كما هو وبكل معطياته وتلاوينه ومكوناته. لقد درسه «كما هو» وليس «كما ينبغي ان يكون»، واعتبر «مكيافيللي» باستمرار ان الخطوة الأولى في التأثير بأي واقع تتمثل قبل كل شيء بفهمه من خلال موازين القوى الحقيقية الموجودة فيه. وقد رفع مكيافيللي شعاراً، رفعه أيضاً المفكرون الانسانيون كلهم، يقول بأولوية «الفضيلة» والتي كانت بمفهومها السائد آنذاك بمثابة مرادف لـ «الرجولة الكاملة» وضرورة التميز عن الآخرين من اجل امكانية تسييرهم وقيادتهم من موقع «الاقوى». فكرة «التمايز» عن الاخرين كانت في فترة مكيافيللي احد أهم القيم في جميع الميادين حيث عنت مفهوم «البطولة» في الفن والادب والسياسة والاقتصاد... الخ.. وكان هذا يتطلب في واقع الأمر تغيرات جوهرية عميقة في النظرة إلى العلاقات السائدة آنذاك والموروثة من خلال تجربة عدة قرون شكلت فترة العصور الوسطى. وتكمن خصوصية المسيرة الفكرية والسياسية التي مثلها مكيافيللي في كون انه بنى هذه المسيرة بالاستفادة من دروس التاريخ ومحاولة فهم الاسباب العميقة الكامنة وراء انتصارات الاقدمين وهزائمهم. وقام على أساس هذه الدروس بدراسة تجارب الحكم السائدة في عصره على أساس السلوك العملي لأصحاب القرار في علاقتهم باولئك المعنيين بقراراتهم وذلك بالاعتماد على أساس «السلوك العملي» وليس على اساس معايير اخلاقية لا تمت بصلة إلى ذلك السلوك بل وتتناقض معه في احيان كثيرة. باختصار ناقش مكيافيللي علاقات الواقع والنظم الاجتماعية وآليات عملها وتمفصلاتها ودور الحاكمين بالمحكومين فيها وعناصر القوة والضعف فيها على أساس معطيات الواقع، وعلى أساس «الفعل» وليس «القول». ويقارن مؤلف هذا الكتاب بين ما فعله مكيافيللي على صعيد السياسة وما فعله «كالفن» في مجال الاصلاح الاخلاقي على أساس مباديء الكنيسة، و«جان كالفن» هو مصلح ديني وكاتب فرنسي عاش في النصف الاول من القرن السادس عشر، وقد قاد حركة عرفت باسم «المكالفينية» والتي كان لها دور كبير على الصعيد الاقتصادي رغم انها كانت دينية بحتة في الاصل. انها مجدت العمل واجازت مبدأ الاقتراض وهكذا ارتبطت إلى حد كبير مع ازدهار الرأسمالية. وساهمت «الكالفينية» على الصعيد السياسي بتطوير المباديء الديمقراطية والقيم الثقافية. ان مثل هذه الافكار وجدت اصداءها لدى مكيافيللي، وذلك من حيث المطالبة بالاستفادة من دروس التاريخ وفهم معطيات الواقع والتأقلم معها بقصد امكانية التقدم إلى الامام. لقد درس مكيافيللي التاريخ القديم، واهتم بشكل خاص بدراسة الهزائم والانتصارات منذ حروب «البيلوبونيز» وخطط اثينا واسبرطة. وانتهى إلى استنباط العديد من النتائج التي اعتبرها ذات قيمة مستمرة وفي مقدمتها التأكيد على أهمية فهم الواقع والتأقلم مع الظروف المتغيرة بعيداً عن الاطر الجامدة والتصورات الذهنية التي قد لا تكون ذات صلة بالواقع، بل يفصلها عن هذا الواقع، الواقع نفسه. وقد أولى مكيافيللي في تحليلاته أهمية كبيرة للاقتصاد الذي اعتبره بمثابة أحد المحركات الاساسية للتاريخ وللتطور الانساني. وقد أولى مكيافيللي أهمية خاصة أيضاً لدراسة «فن الحرب» كما جاء في عنوان احد فصول هذا الكتاب وحيث يؤكد المؤلف بان صورة مكيافيللي القائد والمنظر الحربي طغت اليوم بشكل شبه كامل على صورته كرجل سياسة وكدبلوماسي على الرغم من السنوات الطويلة التي امضاها في مناصب دبلوماسية ضمن اطار حكومة فلورنسة ورغم اعماله الكثيرة حول السياسة وفنها. لكن هذا لا يمنع واقع ان شغله الشاغل كان باستمرار هو التنظير لـ «فن الحكم» والذي كان «فن الحرب» احد ادواته الرئيسية وكانت مهمة مكيافيللي في فترة من الفترات هي اعادة تنظيم جيش فلورنسة واجراء اصلاحات مطلوبة على صعيد اختيار المحاربين ورسم خطط الحرب. وكان موقع المسئولية الذي وجد نفسه فيه ولمرة واحدة في حياته، مناسبة لا تعوض بالنسبة له كي يحقق نظرياته على ارض الواقع، وليس في ميدان السياسة، ولكن على صعيد «فن الحرب» هكذا اصبح المنظر رجل فعل وتطبيق على الواقع. لكن اثناء المواجهة مع الاسبانيين عام 1512، هربت اعداد كبيرة من «الميليشيات» التي كان مكيافيللي قد عبأها على أساس مفاهيمه «الحرب» وكان ذلك بمثابة فشل ذريع بالنسبة له ونهاية لتقلده مناصب عليا في اية حكومة لاحقة، لكنه كان بنفس الوقت مناسبة للقيام بدراسات نظرية معمقة حول أسباب تلك الهزيمة. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد بأن كتابات مكيافيللي حول الحرب كانت معادلة على الاقل، لكتاباته حول السياسة. وقد كان كتابه «فن الحرب» من اواخر الاعمال التي قدّمها وظهر من خلالها بوضوح اهتمامه المستمر بكل ما يتعلق بالقوات العسكرية وقادتها وخططها وحملاتها. ومن الملاحظ بان مكيافيللي خالف في اطروحاته حول «الحرب» الافكار التي كانت سائدة في عصره وخاصة فيما يتعلق بطبيعة الجيوش ونمط قيادته وطالب بعملية اصلاح شبه كاملة للمفاهيم الدفاعية كما طالب بالعودة إلى تقاليد حربية مغرقة في القدم. ودرس مكيافيللي انماطاً عديدة من الحروب شهدتها ايطاليا في عصره. حروب بين الاحزاب المتصارعة ونزاعات داخلية وتدخلات اجنبية. ولاحظ بان أهم السمات التي كانت سائدة آنذاك تمثلت بنقص الثقة المتبادلة بين جميع الاطراف والاعتماد في أغلب الاحيان على المرتزقة. ان مكيافيللي أكد في جميع كتاباته رفضه القاطع والمانع لمفهوم «المرتزقة»، وقد اعاد هذا الرفض إلى عدة اسباب تعود «للتجارب المعاشة التي عرفها وعايشها هو نفسه وإلى خيار فكري لديه وإلى تعلقه ببعض القيم الاخلاقية والمدنية»، وكان يرى بان «المرتزقة الذين يطالبون دائماً بالمزيد من المكاسب كانوا يثقلون كثيراً على خزينة الحكومات». ومن جهة اخرى كانوا في جميع الحالات يقومون بالخدمة مقابل المال وبالتالي لم يكن لهم اي ولاء حقيقي سوى لاولئك الذين يقومون بـ «توظيفهم». بالمقابل دافع مكيافيللي عن فكرة تقول بان «ابناء المدينة والبلاد وحدهم المهددون بحياتهم وبممتلكاتهم يمكن ان يحاربوا ويقبلوا التضحيات التي تتطلبها الحملات العسكرية الحقيقية» وهو يؤكد دون اي غموض أو التباس بان «المعنيين من ابناء البلاد بالحرب مؤهلون للانتصار ضد اولئك الذين يحاربون مقابل «المال». وفي الواقع تتمثل فلسفة «فن الحرب» لدى مكيافيللي، بالدرجة الأولى، على مقولة «غياب اية مصلحة وطنية لدى المرتزقة الذين قدموا من مشارب متنوعة ولا ينتمون إلى وطن محدد». بكل الاحوال يبقى كتاب «حول الحرب» هو احد أهم مؤلفات مكيافيللي اذ انه يسمح إلى حد كبير، وأكثر من أغلبية اعماله الاخرى، بفهم شخصيته وبادراك اتساع معارفه وثقافته الموسوعية وأيضاً ميله الكبير نحو الدقة والاهتمام باصغر التفاصيل والتأكيد على ضرورة الحسابات بارقام دقيقة وليس تقريبية. ولعل من أهم الصفات التي تفرد بها بالقياس إلى الذين سبقوه او عاصروه من الذين قدموا افكاراً حول التنظير الحربي هو انه كان على دراية كبيرة بالابعاد التقنية للمسائل العسكرية ولـ «فن الحرب» بالمعنى الدقيق لهذا التعبير. اما الداء الأكبر الذي يرى به مكيافيللي الخطر الاكبر فانه يتمثل في «الفساد» الذي يهدم أسس المجتمع ذاتها. ومن الافكار الاساسية في اطروحات مكيافيللي تأكيده المستمر والحازم على ان المصالح المادية تشكل محركاً اساسياً من محركات التاريخ. وان وجود سلطة قوية يشكل أفضل الضمانات لصيانة هذه المصالح. وتبدو هذه الفكرة في حالة تصالح كامل مع فترة بدايات ازدهار الآليات الرأسمالية على صعيد الاقتصاد والمجتمع. مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية القيام بـ «قراءة» صحيحة لتجارب الاقدمين والاستفادة من حكمتهم، وحيث يقول في كتابه الشهير «الامير» ما يلي: «لقد رجعت إلى تجارب الاقدمين وغادرت معهم واستوضحتهم عن الخلفيات التي قامت عليها اعمالهم». وفي المحصلة النهائية يرى مكيافيللي ان «المجد والثراء» هما في طليعة الأهداف السامية التي ينبغي على الانسان العمل من اجل تحقيقها. اما القانون فهو امر مطلوب لكن بناء جيش اكثر أهمية منه، ذلك ان القانون بحاجة إلى جيش قوي يحميه، والناس «اكثر التزاماً بمصالحهم الفردية»، كانت النزعة الفردية قيمة اساسية في عصر مكيافيللي وقد دفع هذه النزعة إلى اقصاها عندما قال في جملة منقوشة على قبره: «ان ابلغ تعابير التأبين أقل عظمة من هذا الاسم».