بيان الكتب:«خيوط ملونة» هي المجموعة الأولى للكتابات القصصية التي كانت «البيان» قد نشرتها تباعا في صفحة «قصة قصيرة» ضمن مشروع خططت له هيئة التحرير لإفساح المجال أمام كتّاب القصة القصيرة للتعبير عن مكنوناتهم وبراعة أدائهم دحضا للمقولة الخاصة ، بانحسار فن القصة أمام الرواية، وكان أن استجاب كتّاب القصة من مختلف بقاع الوطن العربي الكبير، فباتت صفحة «قصة الأسبوع» حلبة حقيقية للتنافس بين كتّاب هذا الفن بمختلف توجهاته ومدارسه، والمثير في هذه التجربة، أن الأمر لم يقتصر على كتّاب القصة الكبار، وإنما أبرز كتابا جددا لا يقلون شأنا عن هؤلاء الكبار، وإن دلّ ذلك على شيء، فإنما يدل على تسلم أجيال جديدة لراية هذا الفن، وعلى تواصل تقاليد الكتابة القصصية واستمرار سعيها في التعبير عن جملة القضايا الاجتماعية والسياسية التي تزخر بها حياتنا الجديدة. ويدل هذا أيضا على ثبات نهج الكتابة الواقعية في استلهام الفكرة من اليومي المعاش، لاسيما وأن هذا الواقع ما انفك يمد صيادي اللحظة الإنسانية بالكثير من المواقف والمفارقات، والتي في الوقت نفسه يمكن تعميمها أو اسقاطها على واقع مواز كما في قصة «أنا وأخي وأمه» للكاتب السوري أحمد عمر، التي تناول فيها إشكالية صراع الأخوة، في وسط اجتماعي أبوي ومتخلّف: زوجتان تخلّف كل منهما صبيا، تموت إحداهما وهي أم الشاب الراوي، فتسعى الزوجة الأخرى إلى حرمان ابن ضرتها من كل شيء بما في ذلك حق حمله لاسم والده، فيبدع القاص في وصف ضروب المعاناة التي عاناها الشاب الراوي من قبل هذه الزوجة المتسلطة، ومقدار الكراهية التي تراكمت في قلبه تجاه أخيه وأمه. ولأن الفكرة المحورية بسيطة، فإن القاص سيعمل على توليد الحكاية من بطن الحكاية، على سبيل الاستطراد والتداعي والتكرار، فأدى ذلك إلى هيمنة عنصر الحكاية على العناصر الفنية الأخرى، فمالت اللغة إلى مجرد ناقل أو وسيط، فتراخت، ومن ثم تهاوت مع جملة من الأخطاء اللغوية، وفي بناء العبارة السردية، فلم نعدم تعابير عامية مفصحنة على الرغم من أن الموقف لا يستدعي ذلك. وعلى العكس تماما من توجهات أحمد عمر، ستميل باسمة يونس الكاتبة القصصية الاماراتية إلى تفجير اللغة في مناح بلاغية ترتكز بشكل أساسي على الاستعارة والتكنية، فكأننا في مباراة تنافسية مع الشعر، هذا على الرغم من التباين الكلي بين نسقي الشعر والنثر، وإن اجتهادات، بعض الكتاب بمن فيهم الكبار، في المزج بين الشعر والقصة، لاستحداث لغة جديدة، إنما جميعها باءت بالفشل، فاللغة الهجينة باتت عبئا على النص وليس لصالحه أبدا، كما أنهم في الوقت نفسه غرروا ناشئة الكتاب بأن ذلك هو الأسلوب الأمثل، فكان أن توالت الاخفاقات والاحباطات، لأننا مع الأسف لم نعدم نقادا اقتنعوا بهذا الهراء، فراحوا يشجعونه في كتابات صحفية انطباعية أكثر منها نقدية. قصة «المرأة المستحيلة» تعبر عن مرحلة متطورة من كتابات باسمة يونس، سواء من حيث المعالجة للفكرة، وتفعيل الحدث بالكثير من التداعي، وبالحوار، واعتماد آلية المصادفة، إلا أنها في الوقت نفسه لم تزل تمتح موضوعاتها من الذاكرة الأنثوية المقهورة، وهي موضوعات استنزفتها الكتابات النسوية. أما قصة «ما حدث في المدينة» للكاتب العراقي جاسم عاصي، فهي تطمح إلى بناء عالم سردي متخيل يمكن إسقاطه بشكل مباشر على الواقع الموازي، وإدانة هذا الواقع الذاهب في تغريب الإنسان وتجريده من إنسانيته مع تأزم المشروعات الاقتصادية للدولة الوطنية الحديثة، واحتضار القطاع العام الذي انبنت عليه آمال وآمال، فماذا يفعل أولئك المثقفون الذين ساندوا هذه المشروعات ذات يوم، ثم ما لبثوا أن رموا على قارعة الطريق عاطلين عن العمل؟ إنه السؤال الاشكالي الذي يطمح القاص من خلاله إلى إدانة علاقات العمل الجديدة، التي لن تكترث بقليل أو كثير بإنسانية الإنسان، طالما أن غايتها تركزت على الربح حتى ولو كان ذلك على حساب القيم الإنسانية. بينما ذهبت قصة «عيون القلب» لخيري شلبي، في رصد حال المدينة العربية التي ما انفكت تعاني من هجوم الفئات الرثة عليها، وعدم الاكتراث بها وبقوانينها فنتابع عالما متكاملا من الفوضى والقذارة، يعمان منطقة الجمعية السكنية الجديدة، وفي الوقت نفسه سوف يؤكد أن هذا التخلف إنما يتولد عن عدم قدرة السكان في الدفاع عن وجودهم، أمام سطوة البوابين ومقدرتهم الفذة في التحايل على القوانين بالاتفاق مع بعض المتنفذين. فنيا، يمكننا الحديث عن تداخل قصتين في قصة، حيث يقحم القاص شخصية يوسف باسيلي عبر التداعي المنطقي، ولكن هذه الشخصية سرعان ما تستأثر بالحدث حتى تطغى عليه، فتنسينا الحدث الرئيسي ألا وهو معاناة سكان البناية من ورشة الميكانيكي، فما كان من بد سوى الاتكاء على عنصر المفارقة، كي يتمكن القاص من ربط القصتين، وتقديم نهاية معقولة للحدث. أما قصة «حادث مرور» للقاص السوري الساخر خطيب بدلة، فهي على غرار قصة خيري شلبي، تتجه بدورها إلى نقد التخلف عبر لغة ساخرة يمتاز بها المؤلف، سواء في الوصف، أو في الدلالة التي يمكن استنتاجها من خلاله، لاسيما وأن الحياة اليومية في الريف السوري حافلة بالغرائب، يلتقطها القاص ببراعة لكي يؤرخ للحظة من حياتنا اتسمت بالفوضى وعدم الاكتراث بالقانون، بل تجاهله وازدرائه، وتلك هي سمات المجتمعات التي تعيش لحظة الانتقال الخطيرة من الحياة الريفية البسيطة إلى الحياة المدنية المعقدة. فنيا، تبدأ القصة بحادث مروري، ولكن السرد الوصفي البانورامي سرعان ما يأخذنا نحو جملة من القصص عبر الاستطراد لتقديم لوحة متكاملة عن حياة هذه المدينة الريفية، في الاحتيال على كسب الرزق، وبطولاتهم الدونكيشوتية، مع إشارات المرور وتجاوز القوانين وقلع الأشجار وغير ذلك. بينما تذهب قصة «من أوراق السجن» للكاتب المصري رفقي بدوي. إلى عالم السجن لتتناول بكثير من التفاصيل الحياة اليومية فيه، على شكل سرد سيري لبطل القصة الهارب من الجيش، حيث يحاكم ويسجن مع القتلة واللصوص، فيعرفنا على الكثير من النماذج الإنسانية هناك، ثم سرعان ما يتحول السرد نحو ثنائية الحياة والموت وعلاقة الداخل بالخارج من خلال شخصيات جديدة تدخل الحدث، فتوجهه وجهة فلسفية تأملية نحو أسرار الفراعنة وارتباطها بمصر. في الوقت الذي يثابر فيه الكاتب المصري صبري موسى. على التفنن في ضروب السرد الكلاسيكية لحدث واقعي بسيط يبدأ بعودة الأستاذ صفي إلى القاهرة وحيدا في سيارته بعد حضوره مأتما في الريف، وفي الطريق يشير له رجل يقف على جانب الطريق، ومعه يبدأ الحدث بالتصاعد، حيث إنه بعد صراع أولي بين أن يقلّه أو يتركه، تتغلب عليه نوازع الخير، فيقف له ويقله، ثم ما يلبث أن يحتدم الصراع من جديد، بعدما يتذكر الحوادث التي ذكرتها الصحف في الأسابيع الأخيرة باختفاء عدد من أصحاب السيارات بسياراتهم في الطريق ذاته، فيبدع القاص في رصد هذه اللحظات النفسية المليئة بالقلق والخوف، فيغتنم البطل مشاهدة بعض الناس في الطريق، ليطلب من مرافقه النزول، ولكن الراكب لم يقلق أبدا حيث إنه سرعان ما يفتعل موقفا مؤثرا، يدفع بالبطل إلى حيز الخير من جديد ليندفع نحو حتفه. وكأن القاص بذلك يريد أن يؤكد مقولة: الطريق إلى جهنم مفروشة بذوي النوايا الطيبة. وهي مقولة لا نقره عليها، وخصوصا في مجتمعاتنا التي اعتادت أشكالا رائعة من التضامن الاجتماعي. أما قصة «نحن بخير طمئنونا عنكم» للكاتب اللبناني عوض شعبان. فهي تتألف من أربعة مشاهد، في مكانين قريبين ومختلفين، المكان الأول قرية الشيخ مسكين بحوران جنوب سوريا، التي اعتاد أبناؤها الذهاب إلى بيروت والعمل هناك في أعمال صعبة وقاسية، وفي حال من التقشف لجمع المال اللازم للقيام بمشروع تجاري صغير. والقصة بمقدار ما تذهب في رصد الحالة إنسانيا لهؤلاء الشبان الثلاثة وأحلامهم الصغيرة، ولحال أمهم الملوعة بفراقهم، تذهب أيضا في رصد البعد الجغرافي بين سكان القرى في الريف السوري وبيروت، المدينة الجهنمية الساحقة بلا رحمة لأولئك البشر. فنعيش زمنين مختلفين كليا في جغرافيا محدودة. أما قصة «احتجاج» للكاتب محمد البساطي. فإنما هي عبارة عن سرد استرجاعي لحياة عائلة ملاكين ريفية، الجد والابن والحفيد. يروي الحفيد جانبا من حكايتها مع أسرة بدوية استقرت في بقعة من أملاكهم، وينحاز السرد كليا للعلاقة الفوقية التي تمارسها الأسرة الثرية مع هؤلاء الفقراء البسطاء الذين لم يعرفوا طريقا للاحتجاج خلال ثلاثة أجيال، إلا عندما قام الحفيد بالتحرش بإحدى فتياتهم، فكان احتجاجا بائسا بمقدار بؤسهم، ولذلك سارت القصة سيرا خطيا مستقيما ومتسلسلا، نظرا لعدم توغل الكاتب عميقا في نفوس شخصياته والتوقف عند اللحظات الصراعية، فباتت الكتابة أشبه بكتابة مذكرات مهذبة. «جورب رجالي» للكاتبة العراقية ميسلون هادي. قصة لطيفة تحكي عن تعيين موظف في غرفة تعج بالموظفات، فتجعل من هذه اللحظة حدثا مهما في حياة الموظفات التي كانت رتيبة وروتينية، وبالصدفة ستكون قصة نجم الدين السمان «غرفة شطب الوفيات» تدور حول هذا الأمر بالذات، ولكن بتعيين موظفة في غرفة لمجموعة من الموظفين الرجال، وكما حدث مع نساء ميسلون هادي، سيبدأ هؤلاء الرجال في التودد إلى الموظفة الجديدة والوصال إلى قلبها. «ملح ورصاصة وبرتقالة» للكاتب الجزائري بو عيسى مهدي. قصة تنتمي إلى فانتازيا الواقع عبر شخصية الأب المريض، وعلاقة هذا الأب بأسرته من جهة، وبأحلامه عن ماضيه في المغترب من جهة ثانية، فهو بعد اغتراب مضن يعود إلى الوطن، وها هو الآن يستعد للموت، فيكتب وصية كل يوم، وكل وصية من هذه الوصايا تتناول ألما أو عقدة ألمت به في مشواره الحياتي الصعب، فيظل يكتب ويمزق، في كل كتابة حكمة انبثقت عن معاناته هو. وفي اتجاه مشابه، تطمح قصة «مذاق العرس» للكاتب الفلسطيني خليل بيدس. إلى تقديم شيء جديد عبر فانتازيا الحلم والتخييل، ولكنها بدلا من بناء عالم مواز تذهب في كثير من التفاصيل الخيالية المتلاحقة لعرس سريالي، يتحول فيه البطل من شخص «لا مدعو» إلى عريس، ثم سرعان ما تتغير المشاهد من حالة الفرح إلى الحزن، حيث لا يمكن القبض على الدلالة إلا في ختام القصة. أما قصة «زبيدة» فهي قصة تنتقل إلى الشرق الأقصى، وإلى سريلانكا تحديدا، لتصف لنا جانبا من حياة هذه البلاد الرازحة في الفقر والحاجة، فلا تجد بدا من بيع أبنائها لكي يهنأوا في عيشهم كخدم، وهي قصة أقرب إلى عالم السينما والفنتازيا الواقعية. عزت عمر