بيان الكتب: كان الشاعر والفنان عبدالرحمن الخميسي شخصية مثيرة للجدل، سواء في حياته الشخصية كصعلوك نبيل، وظريف، ومبدع متميز، وفي كتابه «القديس الصعلوك» يقدم لنا الكتاب الصحفي يوسف الشريف، سيرة شخصية عن الخميسي، وأطلق الشريف مسمى «القديس.. الصعلوك» على الخميسي، نظرا أن حياته بطولها وعرضها تلخص هذا، فهو الرجل الذي عاش للناس بمايحمله ذلك من مواقف يندر أن تجد بشرا يفعل مثلها، ولهذا استحق لقب القديس، كما انه عاش الحياة كما أحب أن يعيشها، وكما قال عنه محمود السعدني: «نام الخميسي في حدائق القاهرة، لكنه نام أيضا في أفخر أحيائها وفي أفخم شققها»..وتزوج الخميسي من النساء الكثير، وانجب أولادا كثيرا وقلما يجده أي من أصحابه من غير حالة حب، ولكل من استحق لقب «الصعلوك». قدم الكاتب محمود السعدني كتاب «القديس ..الصعلوك» بمقدمة ألقى فيها اضاءات سريعة عن الخميسي وكيفية تعارفه به، مشيرا الى أن الخميسي يكفيه أنه هو الذي مهد الطريق امام يوسف ادريس وسعاد حسني ومحرم فؤاد، وقال السعدني، ان الخميسي لو سار في طريقه كشاعر رومانسي لخلده التاريخ كواحد من العمالقة، رأسه برأس علي محمود طه وابراهيم ناجي وكامل الشناوي. ويعتبر الشريف ان كتابه هذا وماسبقه له بكتاب عن كامل الشناوي هما محاولة لتسجيل سيرة هؤلاء العظام.. واذا كان كامل الشناوي قد اشتهر كونه شاعرا رومانسيا كبيرا، وصحفيا كبيرا وحكاء لا يبارى، ومكتشفا للمواهب، فإن الخميسي كان حسب قول الشريف شاعرا فحلا، وكاتباً مرموقا ومترجما أمينا وقاصا روائيا ومؤلفا مسرحيا، واذاعيا وسينمائيا وموسيقيا ومذيعا ذا صوت ذهبى، وممثلا لا ينسى أحد دوره الشيخ يوسف في فيلم «الأرض» وصاحب مواقف مشهودة في سجل النضال الوطنى، ويبدأ الكتاب الرحلة مع الخميسي منذ طفولته التي حملت قدرا من التعاسة له، فقد ولد في، المنصورة وبالتحديد في قرية منية النصر في 13 نوفمبر عام 1920، وتزامن صدور شهادة ميلاده صدور قسيمة من مأذون القرية بطلاق والدته، وظل انفصال والده عن والدته يعطيه درسا في الحياة أبرزه كما يقول الشريف شعوره العميق بالوحدة واعتماده على نفسه في تصريف شئونه وفي المنصورة، وفي قريته بدأ على الرغم من صغر سنه يحقق شهرة في نظم الزجل والتمثيل المسرحى، وكان يجمع الفلاحين من ابناء قريته ليشاهدوا مايقدمه من مسرح ويلقى عليهم الأشعار، التي تحرضهم ضد الاقطاعيين في القرية، ومن المنصورة انتقل الخميسي الى القاهرة عام 1938 للدراسة في مدرسة القبة الثانوية، وفي القاهرة جاءت رحلته نحو الشهرة وبدأت بالكتابة الصحفية، ولم يكن ذلك بالشيء الوثير.. وانما بمعاناة بالغة، كان ضمن مظاهرها نومه في العراء في حديقة الازبكية، ثم ذهابه الى صديقه علي الباز العازف على آلة الرق في الفرق الموسيقية في شارع محمد علي، وأقام عنده لفترة، عمل خلالها كومسارى في شركة أتوبيس سانت كروفت، ثم هجر الوظيفة، وتردد على مقهى الشعراء في باب الخلق، وفيها الاغانى والمونولوجات حسب الطلب ويبيعها طازجة إلى مشاهير الشعراء وطلاب الشهرة والملحنين والمطربين والمنولوجسات، وانتقل الخميسي في هذه الاثناء الى مرحلة كيفية أخرى هي العمل في فرقة مسرحية شعبية جوالة ذائعة الصيت لصاحبها الفنان أحمد المسيرى الذي يعتبره الخميسي، فنانا شاملا موهوبا عبقريا لكنه لم يأخذ حقه في الشهرة، وفي هذه الفرقة بدأ الخميسي في اظهار مواهبه كممثل وكاتب وكان من غرائب هذه الفرقة انها لا تتقيد بنصوص مكتوبة سلفا، وانما أحداثها تجري على خشبة المسرح ارتجالا من وحي اللحظة مع تطعيم الأحداث بالواقع وعادات وتقاليد ومشكلات وبهجة وفكاهات البلد او القرية التي تقدم الفرقة عروضها امام جمهورها، وكانت السخرية من الملوك والحكام الظالمين على أشدها، وكان الارتباط بهذه الفرقة، ثم انتقاله الى فرق أخرى هو البداية الفعلية لاتقانه ونبوغه في تأليف المسرحيات والمسلسلات الاذاعية وفن التمثيل والاخراج والموسيقى والتلحين، واكتشاف المواهب ومنهم الفنان الشعبى والمنولوجست الكبير الراحل محمود شكوكو الذي كان يعمل نجارا في فرقة المسيرى وهمس للخميس برغبته في أن يكون فنانا، واقتنع الخميسي بموهبته وكتب له عدداً من المنولوجات، والاسكتشات الغنائية، ولحنها بنفسه، ودربه عليها حتى أتقنها، وقدمه للمسرح ونجح كما لم يتوقع أحدا، وهو الذي اشار عليه بزيه الجلبابى والزعبوط، وظل على هذا حتى وفاته، أما اكتشافه لسعاد حسني فتلك قصة غريبة، حيث صنعتها الصدفة، لها مقدمات يحكيها في الكتاب حتى يصل الى انه كان في زيارة هي الأولى لزوج أم سعاد وهو عبدالمنعم حافظ، وبينما يدخل البيت شاهدها واقفة لصق حوض مياه في الممر، تغسل بعض ملابسها، وتدعكها دعكا بيديها، وخصلات شعرها تغطى جبينها، وأجزاء من وجهها، يقول الخميسي: لم أكن أدرى لحظة أن جدائل شعرها المنسكبة، تختزن وراءها تلك اللؤلؤة النادرة المثال والتي أصبحت تخلب بالفن قلوب الملايين.. وبعد أن فرغت السندريلا من غسل ملابسها وجلست الى الخميسي حتى راح يحادثها، ويستنطق مخارج الكلمات والحروف على شفتيها، ولاحظ انها تجهل العربية الفصحى وكتابتها وعرف أنها انقطعت عن الدراسة امتثالا لقسوة والدها محمد حسني التي تركته لتعيش مع أمها وزوجها عبدالمنعم حافظ وكان مثقفا نابها عمل بالتدريس وصادق د.لويس عوض..كان الخميسي قد استقر وهو يستمع الى سعاد حسني على اختيارها لبطولة فيلم «حسن ونعيمة» الذي كتب قصته، وعهد للممثل الراحل ابراهيم سعفان تعليمها اللغة العربية.. كل هذا كان يتم دون علم هنري بركات مخرج الفيلم الذي فوجئ باختيار الخميسي لها مع محرم فؤاد، وذلك بعد أن طلب عبدالحليم حافظ وفاتن حمامة المرشحان في البداية، قراءة السيناريو فاعتبر الخميسي أن هذا اهانة له كمبدع وأقسم ان يبحث عن بديلين لهما حتى لو كانا مجهولين وبلا تجربة، وكان هذا القسم هو المفتتح لدخول سعاد حسني عالم السينما ولقبها الجمهور بالسندريلا. يظل في رحلة الخميسي أورقا مهمة، تحتاج الى توقف طويل، ربما لا يسعها المساحة المتاحة لهذا العرض، لكن من بين هذه الأوراق نتوقف عند المواقف السياسية له، وذكاؤه الحاد في الحياة وكيفية العيش فيها. وعن الجانب الأول، بدأ الخميسي حياته مناضلا ضد الاحتلال، ومنذ اللحظة الأولى أدرك أن الأدب والفن يجب أن يكونا مرتبطين بالمجتمع. كما انه ارتبط بالقضية الفلسطينية مبكرا منذ عمله في محطة اذاعة الشرق الأدنى في يافا عام 1943، ومن ميكرفون هذه الاذاعة المضادة للفاشية، وفوق الارض الفلسطينية، بدأت قسمات وجه الخميسي تتحدد وبدأ ارتباطه كشاعر بالنضال السياسى، وبدأت علاقته بثورة يوليو محل شك متبادل في البداية ووصلت الى حد اعتقاله من مارس 1953 حتى ديسمبر 1956 وعلى الرغم من ذلك كتب مقالا باكيا يوم رحيل عبدالناصر قال فيه «اليوم نقف في موكب وداعك الحزين الباكي، مذهولين، يمتصنا الشجن، وتمزقنا اللوعة الضارية»..ولم يدخل الخميسي في مهاترات الهجوم على عبدالناصر في السبعينيات بل كان قراره بالهجرة من مصر حيث الأجواء السياسية المضادة لعبدالناصر وصنعها السادات الذي هاجمه الخميسي بشدة..هاجر الخميسي الى لبنان ومنها الى موسكو ليظل فيها سنوات طويلة حتى وفاته عام 1987، وكان السادات قد اسقط عنه كل الحقوق التي تعني الاقتراب من حد اسقاط الجنسية، ورغم ذلك دفن الخميسي في قريته حسب وصيته، وربما نكون قد قفزنا الى الحديث عن رحيل القديس الا اننا وحسب الكتاب نرى الجانب الثانى الذي يستحق التوقف عنده وهو ذكاؤه في الحياة والتعامل معها والعيش فيها كما يجب أن نعيش فقد واجه مصاعب الحياة بطريقة لا يواجهها أحد غيره، والكتاب مليء بالحكايات، المدهشة الدالة على ذلك، مثل رحلة سفر الهجرة الى بيروت قبل موسكو، حيث نزل الى بيروت من المركب هو وابنه دون أن يكون معه ولم يكن معه شيء في المركب ايضا وبحيله الظريفة استطاع أن يتناول أفخم الأطعمة والمشروبات هو وابنه في بار المركب دون أن يدفع أي مبالغ، كما وصل من الميناء الى الفندق الذي يريده بنفس الطريقة..كما يأتي الكتاب بنادرة أخرى له مع السادات حين كان رئيسا لمجلس ادارة صحيفة الجمهورية، وقرر فصله لغيابه، حيث كان الخميسي كاتبا فيها، ولما علم بذلك، ذهب واستقبله صديقه كامل الشناوي، ودخل الخميسى الى السادات، وبعد فترة فوجئ الشناوي بالسادات يأمر بعلاوة له وعودته للعمل ولما سأله الشناوي، كيف فعلت ذلك، رد: أقنعته بمواهبى، وأن الصحيفة لا يمكنها الاستغناء عنى. موقف آخرمع الفنان بليغ حمدى مع بداية علاقة حبه بالفنانة وردة، وكان شقيقها دائم التضييق عليها، وفكر بليغ أن يقدم هدية لوردة بمثابة شبكة خطوبة، ولجأ الى الخميسي لاعطائه المال، الذي لجأ بدوره للسلف ولم يستطع فجلس يفكر ثم سأل بليغ عن نوعية الأغاني السائدة فرد عليه، أغانى الأفراح، فطلب منه احضار العود، وكتب أغنية «ماتزوقيني ياماما» وتم تسجيل الأغنية بصوت مها صبري، وأخذ بليغ نصيبه 800 جنيه في نفس اليوم ليشتري الهدية لوردة. القاهرة ـ «بيان الكتب»