بيان الكتب:أمين معلوف روائي يرتحل في الزمان. فمنذ «سمرقند» وهو يسعى رواية إثر رواية لالتقاط حكاية في التاريخ. ليس منه فهو لا يكتب الرواية التاريخية بالمعنى المتعارف عليه. إنه يكتب حكاية، حدثت في تاريخ ما وفي بقعة مكانية تحمل على كاهلها أعباء تحوّلات كبرى وحضارات قديمة وأطماع شتى. لطالما كانت البقعة المكانية هي تلك التي تحتضننا والتي أنبتت أمين معلوف وشكلت الجزء الأكبر من نسيجه الإنساني ومن ثقافته الفنية المركبة. ذلك الشرق الحار، شرقنا، الذي لم ينظر إليه أمين معلوف نظرة سائح ينبهر بقشوره ويمر به مرور الكرام، ولم يجعل من خصوصيته ألعوبة مثيرة للسخرية حينا وللدهشة أحيانا كي يسلي بها الآخر ـ الغربي كما فعل غيره من الكتاب الذين يكتبون بلغات أوروبية، متخذين من نكهات أوطانهم جسرا تعبر عليه ذواتهم المصابة بعقدة الدونية، في محاولات مستميتة من قبلهم لإيجاد موطيء قدم عند الآخر. المنطقة وتاريخها عند أمين معلوف هَمّ حقيقي. مسئولية واعية، وأرض خصبة تمور بالحكايات وكما ارتحل بطله «ليون الأفريقي» من الأندلس إلى المغرب فمصر إلى روما.. يجوب البلدان، يتلون بألوانها، يشارك في صنع أقدارها مترصدا إياها في نقاط حرجة من تاريخها، كذلك يرتحل بالداسار بطل روايته الأخيرة «رحلة بالداسار» في اتجاه آخر.. يرصد العالم في واحدة من أهم فترات تخبطه. بداية احتضار مرحلة استنفدت فرصها فوهنت قواها. عندما تهدأ براكين التغيرات الكبرى، وعندما تترسخ دعائم الأنظمة والدول والامبراطوريات يصبح الاستقرار ركودا. فيصاب الناس بنوع من خيبة الأمل وتتبلد العقول فيسهل انسياقها وراء أوهام وخرافات أملا بمعجزة تعيد الأمور إلى نصابها المرتجى! طالما أن الثورات والاصلاحات الدينية والامبراطوريات لم تستطع تقديم مشروع عدالة إنسانية على الأرض. في عام 1665 كان بالداسار تاجر الطرائف والكتب القديمة، اللبناني، الجنوي الأصل، يرتحل في عالم على هذه الشاكلة. فالامبراطورية العثمانية تدق أوتادها في الأرض، ترسخ دعائمها، فينقلب استقرارها ركودا وتترهل إداراتها ويعم فيها الفساد كالسوس ينخر عميقا. أما أوروبا فكانت تنجز إصلاحاتها الدينية وتنقسم طائفيا فلا يطال الناس سوى انتماءات مذهبية وطائفية اسمية لا تضيف سوى تكريس الكراهية والحقد بين أبناء الطوائف. وهكذا يبحث الناس عن مخلص، ينبشون في خرافاتهم وفي أحلام يقظتهم، في كتبهم الصفراء وفي تأويلاتهم وقراءاتهم غير الواعية لكتبهم المقدسة كي يلتقطوا إشارة ما. «وهكذا يصبح كل شيء إشارة أو نذيرا لمن يترقب، لمن هو مستعد للاندهاش، للتأويل، مستعد لتخيل توافقات وتقاربات. العالم يغصّ بمترقبي الاشارات الذين لا يتعبون». وكل الاشارات في عام 1665 تقول بأنه عام الوحش وتدل على أن نهاية العالم على الأبواب. يصطاد يهود العالم في الماء العكر فيدّعي رجل دين يهودي بأنه المسيح الملك، يناصره عدد من الحاخامات في العالم ويقود وراءه عددا من مناصريه، يجوب أرجاء السلطنة العثمانية، يجمع الأنصار ويثير البلبلة. بينما يتم تأويل رؤيا يوحنا في العهد الجديد على أن المسيح الدجال سيظهر عام 1666 وهذا يعني اقتراب نهاية العالم. ويرتحل بالداسار بطل الرواية متقفيا آثار كتاب عربي في التنجيم هو كتاب «الاسم المئة لأبو ماهر المازندراني» يعتقد الناس بأنه ينبيء عن نهاية العالم. يتبع الكتاب من جُبَيل في لبنان مرورا بحلب إلى إزمير فالقسطنطينية ثم إلى أوروبا. هو ليس أكثر من شاهد عيان يدوّن يومياته، متفرّج، ينفعل أحيانا في المشهد العالمي وينفصل عنه أحيانا كثيرة عندما تطغى لغة العقل. إنه في الحقيقة يتبع حلمه إلى أقصاه، ينشد المعرفة عن كثب، وهي ليست بالضرورة بين طيّات كتاب المازندراني، بل المعرفة في الارتحال والتجوال. تنتهي رحلة بالداسار في وطن أجداده، في جنوة حيث يحط رحاله. ويبقى كتاب المازندراني مغلقا عليه على الرغم من أنه أصبح بحوزته. ويمر عام الوحش دون أن ينتهي العالم! لكنه لا يمر بسلام طالما أن من يصطادون في المياه العكرة يفتكون في عقول الناس قبل أجسادهم. يصنعون مسيحا دجالا ويرسلونه إلى عاصمة السلطنة العثمانية. يشعلون الحرائق في لندن وغيرها كما يشعلون فتيل حروب الطوائف بين أبناء المسيحية في أوروبا. يبقى الحب ملاذا، ومحطة مضيئة في رحلة بالداسار وفي روحه طالما أن الحياة ارتحال في الأعماق أيضا. أخيرا، لابد من تذكر رواية «الخيميائي» للبرازيلي باولو كويلو ونحن نقرأ رواية أمين معلوف. بطل باولوكويلو يقوم هو الآخر برحلة طويلة وشاقة من أجل كنز كان قد وعد به، فيكتشف بأن الكنز في الرحلة ذاتها، في الاكتشاف والمغامرة، في المعرفة التي يتيحها السفر، وفي الحب الذي يأتيك من حيث لا تتوقع. سأترك هذه الإشارة مفتوحة على دراسة تناصّية معمّقة، وللقاريء فضاء الرواية. غادة جاويش