ضوء خافت لفانوس غازي انتصب وسط طاولة التخييم، احاطت به الخنافس والفراشات، فكانت ظلال اجنحتها تتراقص عبر تقاسيم، وجر الصياد توني ريفيرا. يقول ريفيرا وقد طرقت سماعه اصوات ليلة، امضى ساعاتها في شبه جزيرة يوكاتان المكسيكية. يعتقد الناس المحليون ان النمر المرقط يعيش في كل جبل هنا وهم يرددون اصداء اغنية قديمة تقول: اعشق ان اكون احد نمور الجبال المرقطة.. اقتادك الى احد الكهوف المظلمة.. كي افتح صدرك.. لعلي ارى قلبك.. ان كان لديك قلب. في صباح اليوم التالي، انضم ريفيرا الى ستة من كلاب الصيد ومدربيها بالاضافة الى اثنين من قصاصين الاثر هناك للكشف عن اي اثر جديد لنمر مرقط. وقد وجدوا اثار مخالب بعيدا عن جثة ممزقة لماعز تركوها واخريات مقيدات في تلال عديدة لاغراء القطط الكبيرة. واطلقت الكلاب من قيودها لتقتفي اثر الطرائد. وعلى جميع الجوانب، امتدت محمية «كالاكمول بايوسفير» والبالغة مساحتها حوالي 1.8 مليون هكتار. لقد كانت هذه المناطق جزءا من اكبر رقعة عشبية للغابة الاستوائية الواقعة في الامريكيتين الى الشمال من منطقة الامازون ـ اورينوكو. وهي تشكل ايضا جزءا من مناطق حضارة «المايا» التي استمر عصرها الذهبي من القرن الثالث الى العاشر الميلادي وتميزت ببناء الاهرامات الكبرى وشهدت مراسيم «القربان البشري». وفي الطريق سعيا وراد النمر، تجلت امامنا بقايا حضارة المايا بصخورها المبعثرة هنا وهناك، ثم مررنا «بقشور» تسعة من حيوان المدرع (وهو حيوان ثديي ضخم) قال لي احد الدليلين ان النمور قد التهمتها. واخيرا ازداد صدى اصوات قادمة من مكان واحد. وبعد ان ازلت العرق من فوق جبيني ورفعت شباك بيوت العنكبوت المعلقة امامي، نظرت من ادغال كثيقة لارى ذكر نمر يزن حوالي 140 رطلا منتصبا فوق اغصان احدى الاشجار. وعندما سقط ضوء الشمس على خضرة اوراق الشجر، تلألأ جلد الحيوان كأنه تبر ذهب وتوهجت عيناه كأنهما نار خضراء. توجد النمور المرقطة التي تعتبر ثالث اكبر الحيوانات في عائلة السنوريات بعد الفهد والاسد في العالم الجيد فقط فهي اذن اكبر القطط فيه. يمتد موطنها في شمال الارجنتين الى شمال المكسيك، وهي اليوم من الحيوانات المهددة بالانقراض وهو ما حدا بالعلماء والحكومات المحلية بالعمل على مساعدة تلك الاجناس طالما انها تحتفظ الآن بفرصة البقاء. يقول ألن رابنويتس ـ الذي تولى اجراء البحث عن القطط في مدينة بيليز المكسيكية وساعد في صياغة استراتيجية دولية لحمايتها: النمر المرقط حيوان قوي بحكم حقه الشرعي لانه يمثل نموذج الرمز القادر على استحداث الاهمية والتمويل. انه يمتلك القوة الكافية للمحافظة على مساحة ارضية واسعة تضم العديد من الاشكال الاحيائية. تمتد جذور كلمة «جاغوار» أو «نمر مرقط» الى مناطق الامازون عندما تحدث هنود الغواراني عن حيوان يقتل بوثبة واحدة يسمونها «ياغوارا». وهو حقيقة هكذا، يباغت فريسته بقفزة واحدة موجها «عضة» الى الجمجمة او الرقبة بدلا من الامساك بالحنجرة كما تفعل اغلب القطط الكبيرة. وهو ايضا الحيوان المفترس الاكثر ضراوة في امريكا اللاتينية ويزداد حجما كلما اتجهنا جنوبا حيث يمتد الذكر لاكثر من ثمانية اقدام ويزن اكثر من 300 رطل. ومع هذا وبرغم كل الاساطير التي تناقلت شراسة النمر المرقط، فانه نادرا: ما يهاجم الانسان ـ لكنه اذا ما ادرك ان انسانا قد ضايقه او اصابه بجرح او ضايق أما وصغارها، فانه سيبحث عنه وعن مخبأه اينما حل. ولا تخجل النمور المرقطة من الانسان فحسب، بل هي حيوانات انعزالية جدا، تتجول ما بين شروق الشمس وغروبها، وتفضل الاماكن الكثيفة كالغابات المنخفضة وادغال ضفاف الانهار والمستنقعات. وعليه فاننا لا نملك الا القليل من المعلومات حولها تتراوح مصادرها بين كثرة الاقاويل حولها وقلة الحقائق. وليس هناك ايضا من احصائية دقيقة لاعدادها، فربما يوجد منها المئات وقد يبلغ الرقم الآلاف. وهناك نسبة قليلة منها ذات لون قاتم يتراوح ما بين البني الى الاسود. وكل ما هو ثابت لدينا هو ان مواطن النمر المرقط اخذت تنكمش حتى فقدت اكثر من ثلث مساحتها في امريكا الجنوبية وحوالي الثلثين في المكسيك وامريكا الوسطى. لقد جاء المستعمرون بقطعان ماشيتهم وسلاحهم الناري واناطوا بالنمر المرقط دور العدو الذي يجب تصفيته. فقد كان هذا الحيوان موجودا بكثرة حتى منتصف القرن العشرين عندما ازداد الطلب على جلد النمر وفرائه واستمرت الاسعار في الارتفاع كلما توجه الصيادون على طول امريكا اللاتينية وعرضها بحثا عن مصدر رزق جديد لهم وجدوه في النمر المرقط وثلاثة حيوانات سنورية اخرى هي الاسلوت (ويشبه النمر) والمارج (وهو هر نمري) والاونسيلا فخلال الفترة ما بين 1946 ـ 1966، صدرت اكويتوس في البيرو 12.700 جلد نمر مدبوغ، وباعت البرازيل اكثر من 6 الاف جلد خلال منتصف الستينيات، بينما استوردت الولايات المتحدة وحدها ما بين عامي 1968 ـ 1970 31.104 من جلود النمر، بينما دخلت اتفاقية الحد من تجارة جلود اغلب القطط حيز التنفيذ منتصف السبعينيات. يحتاج ذكر النمر المرقط الى مساحة ارض تبلغ بين 10 ـ 60 ميلا مربعا ويتخطاها الى مناطق اصغر تحتلها الانثى وصغارها ـ وغالبا ما تلد الانثى اثنين من الصغار يبقيان في حضانة الأم لسنتين ونصف تقريبا. ويميل النمر داخل موطنه الى الصيد من منطقة مجاورة محددة لبضعة ايام يغادرها بعد ذلك الى جوار آخر. يقول كاتب الموضوع: ادركت ان اقرب موطن للنمور يبعد عنا في رحلتنا هذه حوالي 140 ميلاً الى الجنوب حيث تتجول في غابات ضفاف التقاء نهري ياكي واروي في ولاية سونورا المكسيكية. فهل ستبقى تلك الحيوانات على قيد الحياة لقرن اخر من الآن؟ سؤال قد يكون الجواب عنه لدى الانسان.