بيان الكتب: كتاب «بحثاً عن إله ووطن» للمؤلف نيل سلبرمن يتحدث عن صراع الدول الغربية على فلسطين والدوافع الدينية والسياسية التي دفعت بهذه الدول الى التسابق ، نحو آثارها بدءاً من حملة نابليون بونابرت وانتهاء بالحملة الصهيونية، متسلحة بالعصبية الدينية، والمكائد السياسية والدبلوماسية، موظفة علوم الآثار التوارتية اداة لها بغية تحقيق الهيمنة المطلقة على فلسطين وتاريخها. يتناول الكتاب عبر 332 صفحة تفاصيل الصراعات بين العواصم الغربية: باريس، لندن، بون، واشنطن، والطرق المشروعة وغير المشروعة التي سلكتها هذه البعثات بحثاً عن الآثار والاماكن الدينية الواردة في التوارة والانجيل، بل وإعادة كتابة تاريخ فلسطين القديمة في ضوء الاكتشافات الاثرية. وفي عرضه لخلفية الحملات الغربية هذه يتوقف الباحث عند العوامل الدينية والعاطفية والايديولوجية التي كونت اساساً روحياً في اعتبار فلسطين أرضا تاريخية لابد من العودة اليها، اذ يصفها المؤلف بـ «ارض الاحلام» ففي ظل صعود الامبراطوريات الاوروبية العظمى انبهر الفكر الديني الاوروبي بالارض المقدسة «فلسطين» وبرزت الرغبة الملحة في استكشافها، وانطلاقاً من هذه الارضية نمت في اوروبا الروايات الدينية المتعلقة بالقدس سواء عن طريق العامل المادي او اللاهوتي، ومن هذه العوامل بدأت مسألة الحج المسيحي الى الاماكن المقدسة في الاماكن، ولاحقاً اندمجت هذه العوامل بالمصالح السياسية والاستراتيجية، وتبلورت المطالبة الغربية بالارض المقدسة، واضحت مدينة القدس تحتل مكانة خاصة في نفوس الجمعيات العديدة التي شكلت باسم القدس وفلسطين رغم ان اعضاء هذه الجمعيات لم يكونوا يعرفون من مدينة القدس سوى اسمها، حتى ان الكثيرين منهم لجأوا الى الخيال لرسم صورة لها ولاماكنها الآثرية والمقدسة، ورغم ان هذه الجمعيات انطلقت انطلاقة مسيحية الا انها في النهاية اتخذت شكلاً يهودياً صهيونياً، ولعل عنوان الكتاب «بحثا عن إله ووطن» يلخص هذا الامر، فالحركة الصهيونية من خلال ابتداعها تاريخاً خاصاً بها ارادت منها ايجاد ايديولوجية لاستقدام اليهود من انحاء العالم الى ارض فلسطين. واعتمدت في ذلك على الاساطير والخرافات لاقامة وطن تم سلفا تزوير تاريخه وثقافته وبنيته السكانية على حساب الشعب الفلسطيني وهويته العربية وحضارته الاسلامية، ولعل معظم الذين انخرطوا في النشاط التنقيبي في فلسطين سواء كانوا يهوداً او لهم خلفيات يهودية قاموا بمهمات قريبة الى التجسس، سواء في مجال تقديم معلومات وخرائط لصالح الحملات التي قامت بها جيوش الدول الغربية او توظيف المعلومات الاثرية والتاريخية لصالح إعادة قراءة تاريخ فلسطين القديمة وفقاً للرؤية التوراتية، ولعل من العوامل التي ساعدت هذه الجمعيات على نشاطها التنقيبي والاثري في فلسطين: ـ الادارات العثمانية التي دخلت في القرن الثامن عشر الى مرحلة الضعف والتراجع والاستجابة لضغوطات الدول الغربية، اذ حظي نشاط الجمعيات الغربية التي قدمت الى الاماكن المقدسة بموافقة الحكام المحليين لدى هذه الادارات، وكثيراً ما شجع هؤلاء قدوم الجمعيات طمعا في المال. ـ ضعف القبائل العربية في فلسطين وحدة الانقسامات والخلافات بينها فضلاً عن غياب العامل الاجتماعي، والفكري الذي يعي مخاطر الهجمة الغربية، فكثيراً ما كانت البعثات تتفق مع زعماء بعض القبائل التي تقع الاماكن المقدسة او الاثرية تحت نفوذها على السماح باعمال التنقيب مقابل المال. ـ الدعم الكبير الذي قدم للبعثات الغربية واعتماد هذه البعثات اساليب اقرب الى المكائد السياسية والدبلوماسية وامتلاك الاموال والسلاح. في الواقع رغم اهمية هذا الكتاب وعرضه لتفاصيل الهجمة الغربية الهادفة الى الهيمنة المطلقة على فلسطين وكشف خلفيات هذه الهجمة ودوافعها الا ان كل ذلك لم يمنع المؤلف من الوقوع في بعض الاخطاء المنهجية، فهو يتحدث على امتداد صفحات الكتاب عن تاريخ العهد القديم «التوراة» والعهد الجديد «الانجيل» في فلسطين، بينما لا يقترب بتاتاً من التاريخ العربي الاسلامي في فلسطين الذي يمتد الى الاكثر من الف وثلاثمئة عام، وتركيزه على العهد القديم وتجاهله للعهد الاسلامي مسألة لا يمكن ان تكون عن طيب خاطر او حسن نية، ان المؤلف في الكثير من العناوين والمصطلحات وحتى في الاستنتاجات التي توصل اليها لم يخرج عن المفاهيم التوراتية، لقد عنون الفصل الاخير من الكتاب بعنوان مثير هو «آخر الحملات الصليبية» وبحث فيه الاحتلال البريطاني لفلسطين، وقرر المؤلف وضع نهاية لهذه الحملات خلال الحرب العالمية الاولى! فيقول: «ليأتي اصحاب الارض، اي اليهود لبداية مشروع جديد في ارض تعود لهم»!!... يتحدث الكتاب عن قصة صراع الغرب على فلسطين وإعادة اكتشافها، ويرجع المؤلف كل ذلك الى الارتباط الوثيق بين السياسة والدين والعلم والتوسع الامبراطوري، حيث اجتمعت هذه العوامل مع صعود الامبراطوريات الاوروبية التي توجهت تحت ضغوط حوافز الحماس الديني والهيبة القومية والمكائد السياسية والدبلوماسية الى تحقيق التفوق السياسي في فلسطين عبر وسيلة علوم الدراسات الكتابية «التوراة» ومن كل هذه المقدمات جاءت الحركة الصهيونية التي تسعى الى امتلاك الارض وترجمة ذلك الى تاريخ ليس هو الماضي.