«باولو كويلهو» هو الروائي البرازيلي الاكثر شهرة اليوم، وهو احد الروائيين المشهورين على الصعيد العالمي. كان لسنوات طويلة ثورياً يسارياً متطرفاً ثم غير مساره بصورة عميقة كي يتحول نحو الكتابة، وحيث قدم رواية «الخيميائي» التي بيع منها ملايين النسخ وتمت ترجمتها الى اغلبية اللغات العالمية الحية، ثم كتب عدة روايات نالت شهرة اقل من «الخيميائي» ومبيعاتها ادنى بكثير كثير مما حققته تلك الرواية الاولى. اذا كان باولو كويلهو قد اسس روايته الشهيرة «الخيميائي» على مقولة «الاسطورة الشخصية» لكل انسان وحيث الكنز الحقيقي موجود في اعماق النفس الانسانية وليس في الارض البعيدة التي ذهب بطل «الخيميائي» ليجد فيها الكنز الذي تراءى له فيها، فإنه في هذا العمل الجديد يطرح تساؤلا جوهرياً حول الطبيعة الانسانية وهل هي طبيعة شريرة ام هي طبيعة خيرة؟ ان الاجابة عن مثل هذا التساؤل الذي طرحته الفلسفة منذ بداياتها الاولى ولم تتوقف، ليس هناك ما يدل على انها يمكن ان تتوقف مستقبلاً، عن طرحه، يحاول الروائي «باولو كويلهو» ان يقدمها عبر مصير قرية صغيرة نائية لا يزيد عدد سكانها عن 281 نسمة. قرية نائية وصغيرة كانت تعيش حياة هادئة ويعرف اهلها حالة من الفرح رغم الامكانيات المتواضعة التي يمتلكونها. وظلت امور هذه القرية على ما هي عليه اصلاً ودائما الى ان وصل اليها ذات يوم شخص مجهول لم يكن يعرفه احد من سكان القرية واقام في المنزل الصغير والوحيد. بدت مظاهر الثراء الكبير جلية على هذا النزيل الجديد الذي اصبح سلوكه المرفه حديث القرية كلها. لقد كان يمثل الآخر النقيض او الحلم الذي يمكن ان يراود اذهان سكان القرية المتواضعة الذين كانوا يعيشون على الكفاف. ان «باولو كويلهو» يصف على مدى صفحات عديدة وبكثير من العمق والشفافية ما يمكن ان يعاني منه صاحب الحاجة في مواجهة الذي لا يعرف معناها. ذات يوم اقترح ذلك الثري المجهول على اهل القرية «صفقة» فيها الكثير من «السخاء» في العرض ولكن الكثير من البشر في نفس الوقت ادرك ان ذلك الشخص لم يكن في الواقع سوى الشيطان الذي اراد ان يغوي اهل القرية البسطاء ـ مثل اغلبية البشر العاديين، بالتخلي عن جميع اخلاقياتهم ومبادئهم ونزعات الخير فيهم. وكانت الصفقة تتمثل في ان يقوموا بقتل احد سكان القرية والذي حدد لهم المجهول هويته مقابل ان يتقاسم معهم سبائك الذهب الكبيرة والكثيرة التي يحملها في حقائبه. كان الشخص الذي حدده الشرير المجهول انساناً طيباً. لم يعرف عنه انه قد تسبب في اذية احد من ابناء القرية طيلة حياته. كان رد الفعل الاول لسكان القرية هو الرفض بل واعلان الغضب الشديد حيال مثل ذلك العرض «الخسيس» ولكن، وبعد هذه الحركة الاولى من رد الفعل المنسجم مع اخلاقية ناس القرية بدأ طرح الاسئلة والتساؤلات واثيرت النقاشات بخجل وحياء اولاً ثم اخذت ابعاداً اخرى على قاعدة الكسب والربح والخسارة والمستقبل والنهاية مع الفقر مرة واحدة والى الابد. واستمر ذلك النقاش ليل نهار فالوقت كان ضيقاً. والثري المجهول لم يعط سوى ثمانية ايام كمهلة للتفكير ينبغي على اهل القرية ان يحددوا اجابتهم وقبولهم للصفقة او رفضهم لها في نهايتها، وكما في «الخيميائي» يضع «باولو كويلهو» ثقته مرة اخرى بالانسان. الحديث في هذه الرواية لا قيمة له والشخصيات هي رموز اولاً واخيراً. وهناك مواجهة كبرى وابدية بين الخير والشر. موضوع قديم وجديد ومتجدد باستمرار. لكن هناك تساؤل كبير حاول المصدر الذي استقى منه الروائي البرازيلي الكبير «باولو كويلهو» موضوعه. وكأشارة مرة اخرى الى «الخيميائي» من المعروف ان موضوعها الاصلي كانت تتضمنه حكاية اسطورية تقول بأن احدهم رأى في الحلم مراراً وتكراراً موقع كنز في بلاد بعيدة فما كان منه الا ان ذهب للبحث عنه حيث تم القبض عليه واقتادوه الى القاضي، هذا القاضي، وبعد ان عرف حكايته وحكاية حلمه، قص عليه هو نفسه حلماً مشابهاً فكرر ايضاً مرات ومرات عن وجود كنز في بلاد بعيدة ووصف له المكان بدقة متناهية ادرك فهيا «المتهم» بأن المكان المعني هو ساحة دُره وبأنه قد جاء الى ارض بعيدة بحثاً عن كنز موجود لديه اصلاً. واذا كان كويلهو قد استفاد من هذه الاسطورة كي يؤكد على اهمية الثروة الكامنة في اعماق كل نفس انسانية، فهذه مسألة يمكن ادراكها والاسطورة هي مشاع انساني لكل ابناء البشر حق فيها، فإن المسألة مختلفة بالنسبة لهذه الرواية الجديدة الشرير، الشيطان والآنسة بريم.. لماذا؟ في سنوات الخمسينيات قدم الكاتب السويسري فريدريك دورفمات عملاً مسرحياً تحت عنوان: «زيارة السيدة العجوز». بطلة هذا العمل هي امرأة ثرية مجهولة وصلت ذات صباح الى قرية «جولن» الصغيرة واقامت في منزلها الوحيد. واقترحت على السكان ان يقوموا بقتل شخص ما مقابل اغراق القرية بالثروات. كانت تريد، وهي ابنة تلك القرية اصلاً لكنها تركتها وجمعت ثروة كبيرة بعيداً عنها، ان تنتقم من ذلك الشخص الذي طالبت بقتله لانه كان قد اغراها وتخلى عنها. هل هي مجرد مسألة تشابه وتوارد خواطر بين الكاتبين البرازيلي والسويسري؟ ام..؟