بيان الكتب:موميا ابو جمال، مؤلف هذا الكتاب، هو احد «أشهر» المحكوم عليهم «بالموت في الولايات المتحدة الأمريكية». يبلغ من العمر الآن 47 سنة، وهذا الكتاب هو عمله الثالث بعد «مباشرة من رواق الموت» و«الموت مكفناً بالزهور». يخاطب موميا ابو جمال قراءه في هذا الكتاب، كما في كتابيه السابقين اللذين ألفهما أيضاً في زنزانته التي تبلغ مساحتها ثمانية امتار مربعة ولا يغادرها مدة اثنتين وعشرين ساعة كل يوم منذ عام 1981، بقوله: «مباشرة ومن رواق الموت، موميا ابو جمال يتحدث اليكم». لقد جعل من الكتابة متنفسه الوحيد ورابطته المتينة مع الحياة. وهو يستعرض في أعماله الثلاثة بشيء من السخرية والمرارة بنفس الوقت تأملاته وآراءه حول عالم السجن والمساجين. وهو يعود في كل مرّة إلى مأساته التي تعود إلى ليلة التاسع من شهر ديسمبر 1981 حيث كان يمارس مهنة سائق «تكسي» كي يؤمن سبل العيش. وكانت المؤسسة التي يعمل معها صرفته من العمل قبل دقائق فقط بسبب «نزعته النضالية المتطرفة» على حسب رأي ادارتها. وشاءت الصدفة وهو في طريقه إلى المؤسسة لـ «تسليم» سيارته ان يواجه موقفاً يتكرر باستمرار في أمريكا اليوم ويمثل شرطياً «ابيض» وهو يضرب شاباً «اسود». لم يكن ذلك الشاب سوى أخ موميا ابو جمال الذي خرج من سيارته كي يجد نفسه في «فخ» لاطلاق النيران بين الشرطة ومجموعة من الشباب. عندما انتهت «المجابهة» وانقشع الدخان الابيض الذي كان قد تم اطلاقه للتعمية، بدا رجلان ممددان على الارض ويتخبطان بدمائهما. كان احدهما هو «دانييل فولكنر» الشرطي بينما كان الثاني موميا ابو جمال الأول ميت والثاني مصاب بجروح خطيرة. ثمّ نقل موميا أبو جمال الجريح إلى المستشفى كي يجد نفسه عندما استعاد وعيه متهماً بارتكاب جريمة قتل الشرطي «دانييل فولكنر». كانت جريمته الوحيدة هي، وعلى حد قوله، بأنه ظل على قيد الحياة. اضف إلى ذلك صحيفة «سوابقه» التي كانت تثير اهتماماً خاصاً لدى أجهزة الشرطة الأمريكية في بلدته «فيلادلفيا» اذ كان موميا ابو جمال منذ سنوات مراهقته احد مناضلي حركة الفهود السود المعروفة كأحدى الحركات الأكثر نشاطاً و«عنفاً» في ميدان المطالبة بضرورة ان ينال السود الأمريكيون ذوو الاصول الافريقية حقوقهم المدنية في امريكا التي تعود اصولهم فيها إلى فترة تجارة العبيد قبل قرون من الزمن. وكان موميا ابو جمال احد المساهمين منذ سنه المبكرة تلك في تحرير المجلة الصادرة عن حركة الفهود السود، ومنذ تلك الفترة ايضاً اصبح له ملف خاص لدى رجال مكتب التحقيقات الأمريكي. كانت النشاطات الأولى التي مارسها موميا ابو جمال هي في عالم الصحافة. لقد ظهر تميزه بسرعة في هذا المجال بحيث انه غدا خلال فترة قصيرة نسبياً رئيس جمعية الصحفيين السود في فيلادلفيا بحيث انه كان لحظة اعتقاله احدى الشخصيات الصاعدة بين السود. لذلك كانت الشرطة «مهتمة» به اذن وتريد بأي شكل من الاشكال اسكات ذلك الشاب الذي اطلقوا عليه في احياء السود الفقيرة تسمية «صوت الذين لا صوت لهم»، حيث انه كان لا يكف عن المطالبة بحقوق السود وشجب اشكال الظلم المختلفة التي كانت الادارة البلدية تمارسها. وما يكرره، ويؤكده، موميا ابو جمال في هذا الكتاب، كما في الكتابين السابقين هو انه موجود في السجن ليس بسبب جريمة قتل كما تزعم الاتهامات الموجهة له وانما لان الشرطة وجدت في حادثة التاسع من ديسمبر 1981 مناسبة ملائمة لاسكات صوته مرّة واحدة وإلى الابد. ويضيف بأنه لو كان سبب سجنه فعلاً هو جريمة القتل المزعومة، فانه يفترض ان يكون الآن خارج السجن حراً طليقاً لان الاحكام على جرائم القتل في الولايات المتحدة الأمريكية هي تسع سنوات سجن تقريباً، وها هو قد امضى أكثر من تسع عشرة سنة. ان موميا ابو جمال يشرح الظروف «الغريبة» التي شهدتها محاكمته حيث لم يتم منحه حق ان يتولى هو نفسه الدفاع عن قضيته، كما ان المحامي الذي خصصته المحكمة للدفاع عنه لم يكن على المستوى المطلوب وحيث انه تمّ شطب اسمه بعد سنوات بسبب «عدم كفاءاته» اضف إلى هذا كله واقع ان هيئة المحلفين التي تمّ اختيارها لمحاكمته واصدار الحكم عليه كان كل اعضائها من السود. وللمفارقة أيضاً كان احد رجال الشرطة يخالف في الرأي ما جاء على لسان احد شهود الاتهام لكنه كان «غائباً» في عطلة، وكما لو ان الأمر محض صدفة. لقد بدا كل شيء وكأنه كان مقرراً عن «سابق اصرار وتصميم «وبحيث انه ورغم وجود كم كبير من المخالفات الشكلية» قانونياً في سير المحاكمة، فان طلب المتهم لدى محاكم استئناف عديدة قوبل بالرفض ولم يتم الاعتراف ابداً بالطبيعة العنصرية والسياسية لتلك المحاكمة. وكل ما استطاعت لجان الدعم لمؤلف هذا الكتاب، على الصعيد العالمي لم يتم التوصل إلى اكثر من تأجيل تاريخ تنفيذ حكم الاعدام به لاجل غير معروف. ولا يبدو ان مرور الزمن قد خفف ابداً من تصميم موميا ابو جمال على الاستمرار في «معركته» ضد «الظلم» الذي احاط بمحاكمته، ولكن أيضاً، واساساً، ضد ادارة السجون التي ترى بأنه «لا يكفي انتظار الموت، وانما تنفيذه بصمت». كما انه لا يزال محتفظاً بحسه النقدي وبمواقفه المبدئية، بل والتي يمكن وصفها دون اي تحفظ بالثورية، حيال النظام السياسي والاداري السائد في الولايات المتحدة الأمريكية والذي لا يزال السود يشكلون في اطاره مواطنين أمريكيين من الدرجة الثانية. اما السلاح الذي «يقاتل» به موميا ابو جمال فانه ليس اكثر من مجموعة من اقلام الحبر التي يرفعها في وجه اصحاب القرار في امريكا التي لها «حقائقها» الاخرى غير تلك التي يبرزها «الحلم الأمريكي». يقول موميا ابو جمال: «هذه هي أمريكا: انها تمتلك اكبر عدد من المساجين في العالم، وعدالة مكتظة بأصحاب الملايين البيض ذوي الاحكام المسبقة الجاهزة. «...» باختصار انها امّة مقيدة». و«معكم مباشرة موميا ابو جمال... من رواق الموت»