بيان الكتب: نورمان. ج فنكلشتاين، مؤلف هذا الكتاب هو مؤرخ وباحث امريكي، يعمل استاذاً في جامعة نيويورك وهو احد المساهمين الاساسيين في «مجلة لندن للكتب». قدم مجموعة من الاعمال حول الصراع في الشرق الأوسط، مثل «صورة وواقع الصراع الإسرائيلي العربي» و«امة تحت الاختبار»، الذي اختارته «مجلة نيويورك تايمز للكتب» من بين أهم الكتب التي صدرت عام 1998. بعد سلسلة من الكتب ناقشت موضوع «الهولوكوست» واستغلال معاناة اليهود وتضخيمها بقصد الحصول على دعم اكبر من الدول الغربية للكيان الإسرائيلي، يأتي هذا الكتاب الجديد للمؤرخ والباحث الأمريكي «نورمان. ج. فنكلشتاين» اليهودي، وبالتالي الذي لا يمكن توجيه تهمة الانحياز له لصالح العرب والفلسطينيين منهم خاصة، في الصراع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط منذ اكثر من خمسة عقود من الزمن. لا يمكن اتهام «فنكلشتاين» بـ «التواطؤ» مع العرب وبمناهضة السامية كما حصل بالنسبة للفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي عندما اصدر مؤخراً كتابه المعروف «الاساطير المؤسسية لإسرائيل» والذي كان سبباً في تقديمه للمحاكمة وتغريمه بمبلغ من المال لانه طرح افكاراً «مناهضة للسامية»، هذا مع ان اغلبية المراجع التي استخدمها لاثبات انه قد تم عن وعي وعمد مسبق ومدروس تضخيم عدد ضحايا اليهود في الحرب العالمية الثانية وقمع النظام النازي الهتلري في ألمانيا كانت، اي المراجع، لمفكرين وباحثين يهود. عنوان هذا الكتاب الاصلي «صناعة الهولوكوست» غني بالدلالة على مضمونه، ثم يأتي العنوان الفرعي: «تأملات حول استغلال آلام اليهود» ليؤكد ان الامر يتعلق فعلاً بصناعة وبـ «فبركة» انطلاقاً من بعض المعطيات الخاصة بالآلام والمعاناة التي عاشها اليهود، وحيث ان مسألة «المعاناة» هذه ليست بأي شكل من الاشكال موضوعاً لنقاشات هذا العمل. الموضوع الحقيقي يتعلق بـ «صناعة الهولوكوست»، حيث يرى المؤلف «نورمان فنكلشتاين» ان الأمر يتعلق بصناعة حقيقية وباستخلاص نتائج لا تتماشى ولا تتوافق مع المقدمات التي تأسست عليها. وتجدر الاشارة هنا إلى ان مؤلف هذا الكتاب ليس أول يهودي يقوم بقراءة نقدية لمسألة الهولوكوست التي اصبح الخوض فيها بمثابة «المحرمات» بحيث انه يمكن نقاش اي موضوع يتعلق بتاريخ الحضارة الغربية بل وبتاريخ الكنيسة المسيحية بكل فروعها، ويمكن الذهاب ابعد من هذا ايضاً في هذا المجال ومناقشة «المعتقدات» ذاتها، ولكن لا يمكن مناقشة ما قيل عن الهولوكوست وافران الغاز، ذلك ان الخوض بهذا الموضوع يعاقب عليه القانون في عدد من البلدان الغربية. الاطروحة الاساسية التي يقدم «نورمان. ج. فنكلشتاين» براهينه عليها تقول: مثلما كان الامر بالنسبة لكتاب روجيه جارودي، بان مجموعات منظمة من اليهود «الصهيونيين» قامت بعملية تلاعب مدروسة للتضخيم بصورة مصطنعة لاتستند على اي اساس تاريخي موثق، بتضخيم عدد ضحايا معسكر «اوشو يتز» الذي ضم معتقلين يهوداً تنفيذاً لاوامر ادولف هتلر. ويؤكد فنكلشتاين ايضاً بأن القصد من عملية التضخيم كان يرى إلى زيادة التعاطف والدعم الغربيين للحركة الصهيونية لإسرائيل من اجل ايجاد المسوغات المسبقة للممارسات المقترفة ضد الشعب العربي الفلسطيني، هذا ما يشرحه المؤلف في الفصل الأول من فصول الكتاب الثلاثة، انه يقوم في الواقع بقراءة مسألة «الهولوكوست» ضمن «تاريخيتها» بروح نقدية وبعيداً عن «الاحكام المسبقة» التي غدت بمثابة «حقائق ثابتة يتم ترديدها في قاعات الدرس الجامعية» بامريكا وغيرها من البلدان الغربية على اساس انها غير قابلة للنقاش، وحيث اصبح تعبير «الهولوكوست» ضمن اطار نفس الآليات بمثابة احدى المفردات المستخدمة في قاموس الحياة اليومية لليهود، ولكن ايضاً في المقالات الصحفية. واطروحة اساسية اخرى يقدمها مؤلف هذا الكتاب ولعلها من اكثر الاطروحات جرأة في سياق «المنع» السائد في الغرب حول ما يسمى بـ «مناهضة السامية». وتتمثل هذه الاطروحة في القول بان صناعة «الهولوكوست» هي ذات بعد سياسي اولاً واساساً وليست مجرد «بزنس» تعددت صفقاته في ميادين النشر ووسائل الإعلام والسينما، وحيث يقدم المؤلف براهين ووقائع موثقة لا تحصى في هذا المجال، ان المؤلف يرى في صناعة الهولوكوست وسيلة تستغلها مؤسسات قامت اصلاً في سبيل خدمة أهداف محددة تصب كلها في خدمة المشروع الصهيوني ودعم إسرائيل هذه المؤسسات تعمل احياناً بوجه سافر وغالباً بشكل مستتر خلف عناوين شتى. ولا يتردد «نورمان فنكلشتاين» في توجيه تساؤلاته وشكوكه صراحة لبعض الشخصيات اليهودية المعروفة عالمياً من امثال الروائي والكاتب «ايلي فيزل» الحائز على جائزة نوبل للآداب الذي يصفه بانه يعمل صراحة وبكثير من «الفظاظة» لدعم إسرائيل دون اي تحفظ تمليه النزاهة الفكرية. كما يتحدث فنكلشتاين ضمن هذا السياق عن مشروع مدروس اسمه «صناعة الهولوكوست» يمارس نشاطاته في الولايات المتحدة الأمريكية يتزعمه ويغذيه مجموعة من أصحاب رؤوس الأموال والمثقفين بعيداً عن أي «وازع اخلاقي». ان مؤلف هذا الكتاب يشير «ضمناً» إلى نقص الموضوعية: بل و«نقص النزاهة» التي يبديها اولئك الذين يديرون «صناعة الهولوكوست» لاغراض محددة كانوا قد رسموها. ومقابل هذا «النقص» في الموضوعية والنزاهة، مما يمثل بنفس الوقت انتقاصاً لفضيلة الشجاعة، يركز «فنكلشتاين» على قناعته بالموقف الفكري والانساني الذي اتخذه. يقول: «كان اهلي يتساءلون غالباً عن الأسباب التي كانت تثير لدي هذا القدر من الغضب حيال تزوير عمليات الابادة التي قامت بها النازية واستغلالها. وكانت الاجابة الاكثر وضوحاً وجلاء هي ان ذلك كان يستخدم من اجل تبرير السياسة الاجرامية لدولة إسرائيل وتبرير دعم الولايات المتحدة الأمريكية لتلك السياسة. ويذهب «فنكلشتاين» في نقده الصارخ للقائمين على «صناعة الهولوكوست» وللمتواطئين معها الذين يمثلون، كما يستشم من تحليلاته، الاغلبية الساحقة من اليهود الامريكيين إلى حد اتهام هؤلاء صراحة بأنهم «عنصريون» وبانهم ورغم النجاح المهني الذي حققه الكثيرون منهم في ميادين الطب والفلسفة وبقية العلوم الاخرة، كانوا يطلقون على كل ذي بشرة سوداء «صفة العبد» إلى جانب اوصاف كثيرة اخرى كانوا يعبرون عنها بلغة «الياديش» العبرية. والاطروحة الاساسية الثالثة التي يعرضها مؤلف هذا الكتاب على صفحات كتابه بأشكال مختلفة تتمثل في التأكيد بأن هناك توجهاً واضحاً لدى تيار يهودي امريكي يناضل من اجل «احتكار المعاناة» وحصرها باليهود، وكأنهم كانوا وحدهم ضحايا الحرب العالمية الثانية والنازية. وبهذا المعنى رمت «صناعة الهولوكوست» إلى ان ترسخ في اذهان الناس بان «عمليات الابادة» التي تعرض لها اليهود كانت لا مثيل لها في تاريخ الانسانية. ان مثل هذا الاستثمار «الرأسمالي» الاحتكاري خدم فيما بعد كتبرير لكل ما يمكن ان تقوم به إسرائيل من اعمال عبر استخدام «الآلام» لغايات الكسب على حساب الشعوب الأخرى. وضمن نفس السياق يذهب «نورمان فنكلشتاين» ابعد مما ذهب روجيه جارودي حيث يؤكد المؤرخ الامريكي بان الالحاح بشدة على براءة الضحايا، ويقصد تحديداً الضحايا اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية قد يؤدي إلى جعل الجرائم المرتكبة ضد الشعوب الاخرى «مقبولة» يقول: «عبر الالحاح على البراءة القصوى لليهود، وعلى غياب الأسباب العقلانية الموجبة لتعذيبهم وقتلهم، يتم الوصول بالضرورة إلى اظهار أعمال التعذيب والاغتيال التي يتم القيام بها في ظروف اخرى أكثر معقولية وبالتالي اقل خطورة مما يقال». وعلى هذا الاساس يقدم مؤلف هذا الكتاب رؤية لما يجري في منطقة الشرق الأوسط، وهي رؤية تحتوي على ادانة واضحة وصارخة للسلوك الإسرائيلي يقول: «انها مناسبة جديدة لملاحظة إلى أي مدى يتم استحضار آلام الامس من اجل التقليل من، بل وتبرير، اشكال العنف التي تجري اليوم والتي لم يعد يمكن التسامح حيالها». في النهاية تجدر الاشارة إلى ان مؤلف هذا الكتاب حرص على استخدام قاموس بعيد عن التحريض اذ انه لم يذكر مثلاً: اللوبي اليهودي وانما «المنظمات الطائفية في أمريكا» و«النخب اليهودية». لكنه لم يساوم بنفس الوقت حول قناعاته الأساسية. كتاب عن «الهولوكوست» معاد تماماً للتيار السائد في الولايات المتحدة الامريكية وحيث ان العديد من المعاهد والجامعات احدثت «كراسي دراسية» مخصصة تحديداً لهذه المسألة كما انه «لا يمر اسبوع» دون ان يكون هناك ما يذكر بالهولوكوست، بطريقة أو بأخرى، في «النيويورك تايمز». فهل تمت ترجمة هذا الكتاب للغة العربية؟!