بيان الكتب:تحقيق معمق ومفصل انطلاقا من رسالة قارئة مغمورة نشرتها احدى المجلات اليابانية في «باب القراء» تشكو فيها ان زوجها كان أحد ضحايا مترو الأنفاق في طوكيو بتاريخ 20 مارس 1995. هاروكي موراكامي هو أحد أهم ـ ان لم يكن أهم ـ الروائيين اليابانيين المعاصرين، من مواليد كيوتو ويعيش حاليا في طوكيو، سبق له وقدم العديد من المؤلفات التي تمت ترجمتها إلى أكثرية اللغات العالمية الأساسية، ومنها «نهاية طائر مدمن» و «رقص، رقص، رقص» و «غرب الشمس» و «في جنوب الشاطئ» و «نهاية فيل» وهذه مجموعة قصص قصيرة.. إلخ. هذا العمل الجديد ليس رواية، ولكن يمكن قراءته كرؤية انه تحقيق معمق ومفصل انطلاقا من رسالة قارئة مغمورة نشرتها احدى المجالات اليابانية في «باب القراء» تشكو فيها بأن زوجها كان أحد ضحايا مترو الأنفاق في طوكيو بتاريخ 20 مارس 1995، حيث أراد أفراد مجموعة ينتسبون إلى منظمة «اوم » ان يقتلوا آلاف البشر من ركاب مترو طوكيو بعد تسريب غاز قاتل كان العلماء الألمانيون قد توصلوا إلى انتاجه خلال الفترة التي كان فيها أودولف هتلر يعد العدة لخوض الحرب العالمية الثانية. مؤلف هذا الكتاب الروائي الياباني الشهير، انطلق من رسالة تلك القارئة في عملية تحقيق طويلة وواسعة حاول فيها ان يقتفي آثار من شاء حظهم العاثر ان يصعدوا إلى «المترو» المشؤوم في ذلك اليوم، وبحث عن الذين نجوا منهم وسألهم عن حياتهم بعد الحادثة وعما إذا كانوا قد استطاعوا مواصلة حياتهم العادية، استمر ذلك التحقيق منذ بداية عام 1996 وحتى آخره حيث التقى بعدد من الناجين الذين كان لهم مواقف متباينة إذ قبل بعضهم الحديث ورفض آخرون وقبلت فئة ثالثة بـ «شروط». الهدف الذي كان المؤلف يبحث عنه، كما يبدو في تحليلاته كان معرفة الأسباب العميقة التي تسمح بوقوع مثل ذلك الحادث في المجتمع الياباني، كان الشخص الرئيسي في الإعداد لذلك الحادث وتنفيذه المدعو «هياشي» هو أحد كبار الأطباء البارزين في وزارة العلوم والتكنولوجيا باليابان، والذي كان يدين بالولاء لزعيم تلك الفئة المنظمة قليلة العدد المعروفة باسم «أوم» قام «هياشي» بوضع كيس يحتوي على الغاز السام في احدى عربات مترو طوكيو ثم غادر المكان ليجد أحد الأشخاص في انتظاره قاده إلى مقر منظمة «اوم» ، لقد انتهت المهمة بنجاح، وقام أفراد آخرون يوالون هذه الفئة الصغيرة بعمل نفس الشيء في خطوط أخرى لمترو الأنفاق في طوكيو. إن المؤلف يصف على مدى صفحات عديدة الأعراض التي عانى منها ركاب ذلك المترو المشؤوم وذلك على لسان الضحايا انفسهم، فهذه هي الآنسة كيوكا ازومي البالغة من العمر 26 سنة التي كانت في طريقهاإلى مكان عملها بدأت تشعر بالاختناق بعد لحظات من صعودها إلى العربة التي كانت تحتوي على الغاز السام ثم اعترتها موجة من السعال الشديد واختناق في الصدر، كانت تلك هي الأعراض المشتركة التي عانى منها الجميع، وعند الوصول إلى أول محطة أخطر بعض الركاب أحد العاملين في المحطة الذي لم يكن منه إلا ان ذهب إلى العربة وأخذ معه الكيس المشبوه، وكان ذلك سببا في وفاته بعد ذلك، ازداد عدد أولئك الذين كانوا يعانون من أعراض التسمم وحيث استلقى الكثيرون على الأرض بانتظار الإسعاف الضروري، ما تؤكده «ازومي» في نهاية شهادتها هو انها لم تعد تفكر بالجريمة التي اقترفها معتنقو أفكار «أوم» ولكن كل ما يشغل بالها هو أنه ومهما كانت العقوبة التي سينالونها، لا شيء يمكن ان يعوض أسر الضحايا أو الضحايا أنفسهم. عندما شرع مؤلف هذا العمل بمشروع كتابته قرر ان يتحاشى قراءة أية تحقيقات صحفية أو إعلامية أخرى تتحدث عن عقيدة «أوم» وحاول بالوقت نفسه ان يتقمص جلد أولئك الذين وجدواأنفسهم يواجهون فجأة خطر الموت الجماعي، وهنا تأخذ التحليلات المقدمة بعدا فلسفيا يتحدث فيه المؤلف عن مسألة الموت والمسائل التي يطرحها لحظات المواجهة الأخيرة، لهذا لم يول أي اهتمام مهما كان بسيطا لشرح أفكار «أوم» ولم يستعرض في كتابه أبداً وجهات نظر تلك الفئة أو خلفيات بواعثها واقدامها على مثل ذلك العمل الذي قامت به. بالطبع إذا كانت أفكار عقيدة «أوم» ووجهة نظرها حول عملها، غائبة عن صفحات هذا الكتاب فلا شك بنفس الوقت انها كانت حاضرة «الغائبة الحاضرة بقوة» حيث لبست ثوب «الكارثة المجهولة» التي حلت على الجميع، لقد وصفها إذن من خياله على أساس انها قارئة يمكن لمقارنة صفاتها كما أوردها مع ما هو معروف عن عقيدة «أوم» بفهم أفضل وأعمق لهذه الفئة الصغيرة المعنية، لقد كتب «هاروكي موراكامي» من موقع الروائي الذي يغرف من عالم خيالاته وقدراته الابداعية وليس من موقع الخبير في الأديان والعقائد أو عالم السوسيولوجيا الذي يبحث في علاقات البشر وبين المجتمع الذي يعيشون فيه. ان صفحات هذا الكتاب كلها باستثناء مقدمته والصفحات التي أضافها مؤلفه في نهايته ، هي عبارة عن حوارات قدمها المؤلف الواحد بعد الآخر مع الناجين من حادثة مترو الأنفاق. وبدأ ان كل حوار بمثابة قصة قصيرة فيها شخصيتين احداهما هو هاروكي موراكامي ذاته والاخر هو الضحية. هؤلاء الضحايا كلهم هم شخصيات انسانية، يمكن لكل منها ان يكون بطل عمل روائى او احدى الشخصيات فيه، تعبر عن طريقتها وعلى قاعدة تجربتها الانسانية عن الكيفية التي عاشت بها تجربة مواجهة الموت. هكذا يأخذ العمل بعداً روائياً ولو كان اشخاصه بشر حقيقيين من لحم ودم. تبقى مقدمة هذا الكتاب، وخاتمته التي قدم فيها المؤلف قراءته الشخصية لما سمعه من شهادات، بمثابة عرض لموقفه من مجموعة اوم ولكن دائما دون استعراض لافكارها او لوجهة نظرها، وانما عبر شهادات انصارها اثناء المحاكمات التي حضر عدداً منها بعد ان كان قد اعد نهائياً حواراته مع ضحاياها، كما يشير هو نفسه في المقدمة. وما يستنتجه في المحصلة هو ان اتباع تلك العقيدة فقدوا ايمانهم بزعيمهم الذين اكتشفوا انه «داعية مزيف». كما ادركوا بأنه كان يحركهم ويتلاعب بهم وفقاً لرغباته وبحيث انهم اندفعوا وقاموا بارتكاب فظائع يندمون عليها اليوم اشد الندم. هكذا انصب غضبهم على زعيمهم وليس على الافكار التي تبنوها والتي يرون انها سليمة الاساس ونبيلة الغرض.. ويلاحظ المؤلف بأن مثل هذا الاحساس يعبر عنه حتى اولئك الذين هجروها تماما. ويرى موراكامي في شهادة احد معتنقي مبادئ اوم واسمه «كانو» ما يمكن ان يوضح حقيقتها. ان كانو هذا يتمتع بحس فلسفي اوصله الى حالة من السوداوية المفرطة تتساوى امامها العيوب والمزايا. هذا الحس الفلسفي المتطرف دفع بصاحبه الى التأمل والتفكير في معنى الحياة والموت. لم يجد اجابات شافية امامه الا بعد قراءة كتاب عن افكار اوم ولقائه برئيسها وزعيمها الاكبر، اساهارا الذي كان يدعى بأنه يعرف كل شيء عن الشخص الذي امامه بمجرد النظر اليه. هكذا انخرط كانو في هياكل اوم التي كان قد اصبح لها انصار كثيرون في اليابان. وكان حادث مترو الانفاق الذي عرف به كانو عن طريق شبكة الانترنت. انه لم يشك لحظة واحدة بأن جماعة اوم يمكن ان تكون هي التي دبرته ونفذته. بل لم يخامره الشك بأية لحظة، وحتى بعد القاء القبض على زعيمها، في انها وراء ذلك العمل الاجرامي، ولكن في النهاية وبعد القاء القبض على العديد من اتباع عقيدة اوم بدأ يدرك انها فعلاً متورطة في حادث المترو، لم تكن مسألة معرفة اذا كانت اوم مذنبة او غير مذنبة هو صلب القضية بالنسبة له، وانما ما يهم هو استمرار الانسان في التأمل والتفكير بالامور بتعمق اكثر من القيام بردود فعل سريعة. ويختتم ذلك الشخص «كانو» شهادته امام المحكمة بالاعتراف بأن حادث المترو كان بشعاً ولم يكن من المفروض ان يحدث، وانه اصبح بالنسبة له بمثابة كابوس بسبب ما يحمله من تناقض بين القول والفعل. في المحصلة النهائية، وبعد الحوارات الطويلة والعديدة التي اجراها المؤلف مع ضحايا حادث مترو الانفاق الذين نجوا من الموت، وايضاً بعد الاستماع الى عدد من محاكمات مجموعة اوم يصيغ موراكامي تفسيره لظاهرة اوم في المجتمع الياباني بالجملة التالية: «ترددت في المجتمع الياباني بعد حادث مترو الانفاق تساؤلات عديدة عن اسباب انضمام نخبة كبيرة من ابناء هذا المجتمع الى جماعة اوم التي يرى فيها البعض انها مجرد مذهب خطير ومخرب وحتى ان كانت واجهته روحانية، غير ان تلك النخبة وجدت في افكار اوم الملاذ في مجتمع بدا لهم فاسداً وظالماً ومليئاً بالتناقضات. هكذا وفرت له اوم من وجهة نظرهم، نوعاً من الامان النفسي والروحاني».