بيان الكتب: بداية يطرح «جوناثان سبنس» في كتابه الصادر في شهر مارس الماضي عن دار فايكنج للنشر مسألة الصراع البارد بين المعسكرين الغربي والشرقي من خلال التشكيك في ذلك الكم الهائل من الموروث الثقافي ، الصيني المتسلسل عبر العصور ومن خلال طرحه تفاصيل الصراع بين السلطة السياسية وبين معارضيها الذين عملت على احتوائهم باستمرار وان كان يتحدث عن الأولى بشكل غير مباشر. وعن العلاقة بين السلطة السياسية وبين معارضيها الذين يأتي في مقدمتهم المثقفون يرى سبنس انها تحددت منذ البداية أي منذ ما يؤرخ له بالقرن الثامن عشر الميلادي حين بدأ الامبراطور يونج زنج باستخدام سلطته المطلقة لاحتواء وقمع حركات التمرد السياسي. تبدو مقدمة المؤلف كالرواية التاريخية وفيها يقول: في اكتوبر سنة 1628 تلقى يونج زنج نميمة من احد اعوانه تفيد بأن جماعة من المثقفين يخططون للقيام بمحاولة انقلابية ضد عائلة ما نشو ذات الاصول البربرية التي استولت على الحكم بالقوة بعد سقوط عائلة مينج قبل ثمانين عاماً. ولكونه شخصية مستبدة خائفة متطيرة فقد تجاوب مع الاشاعات باعتبارها شيئاً مما يمس ذاته الامبراطورية غير القابلة للانتقاد الامر الذي تحتم معه ان يبادر باحتواء الموقف وهي الحادثة التي ظلت جذورها راسخة ضمن تاريخ آليات القمع السياسي في الصين التي عبر عنها كتابه الذي يحمل عنوان «الافاقة من الوهم» الذي تحول إلى احد أهم التعاليم الثقافية الاجبارية التي تقرأها الاجيال حتى يومنا هذا. كما ان الامبراطور لم يكتف بعد ذلك باعطاء توجيهاته وقام بإدارة التحقيقات التي استهدفت الكشف عن كل المتورطين في المؤامرة وباحيائه لهذه الجذور القديمة لما صار يعرف بالحكم المطلق في الصين القديمة الذي بدأته عائلة مانشو فان جوناثان سبنس ينجح من جانب آخر في الترويج لصحة الفكرة الجاهزة التي كونها الغرب عن طبيعة النظام السياسي البوليسي في الصين والتي لا تزال كما يرى تلقي بظلالها على الحياة السياسية المعاصرة وكتاب «الخيانة العظمى حسب الاصول» هو كتاب يعني بجملة من الامور السياسية المثيرة والفلسفية والسياسية الاجرائية يناقش فيه المؤلف مشكلات الحكم المطلق المعروف باجراءاته البيروقراطية المعقدة وبنظامه القانوني الذي يضع تلك الاجراءات موضع التنفيذ. ولا يمكن للقاريء كذلك ان ينسى طريقة معالجة الامبراطور للأمور السياسية التي لا تقل أهمية عن تلك البيروقراطية التي انتهجتها الصين منذ القدم باعتبارها كما يرى المؤلف جزءاً من الموروث الثقافي الصيني. يتراوح أسلوب المؤلف بين الرواية التاريخية والبحث في اعماق الموروث السياسي والثقافي الصيني وهو ما يجعله قادراً على تفنيد ودحض حجج النظام السياسي الصيني القديم والحديث بوصفه هو الاخر نظاماً امبريالياً استناداً إلى ممارساته القمعية التي ظلت تستهدف المنشقين من المثقفين من ابناء الشعب الصيني. عن آليات السياسة القمعية البوليسية يتحدث المؤلف بشيء من التفصيل عن امور كالتحقيقات التي تستمر طويلاً والاعتقالات التي تشمل عدداً من المشتبه في مشاركتهم في المؤامرة وتفتيش المكتبات الخاصة وكلها من الامور التي تسعى الحكومة الصينية من خلالها إلى تبديد الشبهات التي تحوم حول رمزها «الامبراطور» الذي يلقي بدوره اللوم على رجل الدين الكنفوشي ليويانج الذي يعتبره السبب الأساسي في ترويج الشائعات ضد أسرته الحاكمة ليبدأ مفاوضات رسمية مطولة ومكتوبة مع زعيم المنشقين «زنج». يؤكد المؤرخ الأمريكي الشهير «جوناثان سبنس» على أهمية الدور الذي يمكن ان يلعبه شيء كالكلمة المكتوبة خاصة في استخدامها في فرض الرأي وفي الحوار وفي الاقناع والهجوم ومنذ حوالي 300 عام كان النظام الصيني قد عمد الى تشديد قبضته بواسطة الافكار التي كانت تنشر ويروج لها بين الناس كتعاليم. وكما اوردت بعض المصادر الغربية فان ما يتوقعه الكثيرون من وثيقة سبنس التي تؤرخ للحياة السياسية في الصين منذ القرن الثامن عشر تبدو مناسبة جداً لان يطلع عليها حتى تلاميذ المدارس الصينية المعاصرة الذين يعيشون طفرة الحداثة ويمكنهم ان يميزوا السياسات القمعية البوليسية التي تضرب بجذورها عميقاً لتصل إلى النظام الحالي الذي يشبهه المؤلف بأنظمة العصور الوسطى الأوروبية. وجوناثان سبنس بوصفه استاذاً جامعياً «يعمل حالياً في جامعة يال» مختصاً في الشئون التاريخية الصينية إلى جانب اصداراته العديدة في هذا المجال بما في ذلك كتاب «سيرة حياة ماوتسي تونج» يصور هذا الكتاب الذي لابد وان يكتشف قارئه فيما بعد انه ليس سوى دراسة مفصلة للشخصية الصينية بدءاً بالشخصيات السياسية الحاكمة وانتهاء بالمتمردين والمثقفين وغيرهم من المنشقين وهو ما يتصل بلا شك بمحاولة جادة لاعادة اكتشاف المجتمع الصيني بأكمله من قبل الغرب. وعلى الرغم من مآخذ الكثيرين على أسلوب سبنس الذي يجمع ما بين الكتابة الروائية وأسلوب البحث العلمي الا انك كقاريء تشعر بأن ذلك لا يزيد على كونه تقنية كتابية اخرى يلجأ اليها المؤلف لتبصير قارئه بعمق بالاوضاع السياسية السائدة في الصين وبتداعياتها التاريخية على نحو دقيق. صدر لجوناثان سبنس عدد من الأعمال التاريخية التي يجمع فيها بين الكتابة الادبية والتاريخية منها «البروفيسور والمدام» و«موت ومن وانج» والمعروف ان سبنس يعمد في مؤلفاته هذه الى الاستعانة بالوثائق التاريخية الموجودة في بكين وتايبيه. ومن أهم مؤلفاته كتاب «ماوتسي تونج بوابة السلام المقدس». مريم جمعة فرج