بيان الكتب: مارست جيرترود هملفارب، مؤلفة هذا الكتاب، التدريس لعدة سنوات في المدرسة العليا التابعة لجامعة نيويورك، وحيث تم تعيينها كأستاذة لمادة التاريخ عام 1978. وهي الآن أستاذة شرف تعيش في واشنطن. والمؤلفة عضو في الأكاديمية البريطانية وفي الجمعية الملكية للتاريخ والجمعية الأمريكية للفلسفة، وكذلك في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. حصلت على العديد من مراكز الشرف والأوسمة والجوائز من بينها جائزة «تومبلثون» عام 1997. لها العديد من المؤلفات: «نزع السمة الأخلاقية عن المجتمع: من القيم الفكتورية إلى القيم الحديثة» و«الفقر والتآلف، المخيلة الأخلاقية لأواخر الفكتوريين»، و«التاريخ القديم والجديد» و«الزواج والأخلاف في الحقبة الفكتورية»..الخ. «أمة وثقافتان» كتاب في التاريخ.. وفي دراسة المجتمع، أو ما يمكن التعبير عنه ب«التاريخ الاجتماعي». البعد التاريخي في تحليلات هذا العمل يقوم على أساس المنهج الذي كان المؤرخ الفرنسي الكبير فرناند بروديل قد أسس له في إطار مدرسة «الحوليات» أو المدرسة التاريخية الفرنسية الجديدة لقراءة التاريخ، وحيث يتم التركيز على مقولتين أساسيتين أولهما محاولة فهم السيرة التاريخية على ضوء مفهوم التبدل على «المدى الطويل»، وثانيتهما التأكيد على أن الأهمية في قراءة الأحداث التاريخية لا ينبغي أن تتركز على الأحداث نفسها وإنما على السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي أنتج تلك الأحداث، وبدون اهمال دور الجغرافيا والمعطيات الديموجرافية. تجدر الاشارة إلى أن المؤلفة تشير منذ الصفحة الأولى في كتابها إلى «فرناند بروديل» وإلى كتابه الشهير «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني. كذلك تعتمد المؤلفة كثيرا على مرجعية مهمة أخرى تتمثل في أحد مؤسسي الفكر الاقتصادي آدم سميث الذي وصف في كتابه «ازدهار الأمم» منظومتين ل«الأخلاف» حيث يقول ما مفاده أنه يوجد في كل مجتمع متمدن منظومتان أخلاقيتان تتنافسان في الوقت نفسه أحداهما صارمة و«متقشفة» والأخرى ليبرالية. منظومتان متعارضتان أم متكاملتان؟ إن الاجابة قدمتها مؤلفة هذا الكتاب على مدى الفصول الستة التي يتألف منها وبحثت فيها الأصول التاريخية ل«مثالب الطيش» و«اعتلالات الديمقراطية» وتاريخية وآليات تشكل مفهوم المجتمع المدني. كما كرست المؤلفة فصلا كاملا لدراسة الأسرة باعتبارها صورة مصغرة للمنظومة الاجتماعية ثم تطرقت لدراسة العلاقة بين القانون والسياسة، وذلك ضمن المعيار الذي تشكل فيه هذه العلاقة الأساس الذي تقوم عليه التشريعات الأخلاقية. وتطرق أيضا لدراسة المكون العقائدي الديني باعتباره الصيغة الأولى للمؤسسات السياسية. ومن خلال مختلف التحليلات التي تقدمها «جيرترود هملفارب» تؤكد على ضرورة البحث عن «نموذج جديد» يؤسس لموقف متصافح مع معطيات العصر، ذلك أن حل النزاعات والخلافات بواسطة اللجوء إلى مصالحات يشكل استراتيجية مفيدة إذا كانت المشكلات مطروحة علي أساس التعارض بين موقفين لكنها استراتيجية تحمل بطياتها الكثير من العبث، إذا كانت الحلول المقترحة رديئة. وفي هذه الحالة الثانية لابد من البحث عن وسائل أخرى. وعلى قاعدة مثل هذا البحث ترفض المؤلفة مقولة «الأمة الأمريكية فريدة» مهما كانت درجة قبولها للاختلافات السياسية وللمعتقدات ولأنماط الحياة المتنوعة. وهي ترفض أيضا مقولة وجود «أمتين أمريكيتين» لأن هذا يعني «حربا بين الثقافات». وضمن هذا السياق تميز المؤلفة بين مفهوم «أمة واحدة» وبين مفهوم «أمريكا موحدة» كأية أمة يجمعها اطار سياسي واحد ولكنها منقسمة إلى حد كبير حيال المشكلات الأخلاقية والثقافية، مما يبرر عنوان «أمة.. وثقافات». والمقصود بالتحديد هو وجود «ثقافتين» تتمتعان بمرجعيتين أو «منظومتين أخلاقيتين» احداهما صارمة أو «تطهرية» والأخرى «ليبرالية». وتعتمد المؤلفة في تحليلاتها على ما شهدته الحياة العامة الأمريكية في المرحلة الراهنة، أو ما تسميه بشكل ما «التاريخ الأمريكي المعاصر». هذا على الرغم من أن التاريخ يخص قبل كل شيء الماضي. والماضي البعيد نسبيا وليس الحاضر. وتنطلق من ملاحظة أساسية تقول بأن الخلافات ذات الطبيعة الأخلاقية والثقافية «تتكدس اليوم» في المجتمع الأمريكي، وحيث أن المرجعيات الأخلاقية قد أصبحت هي الأكثر ترددا في الحكم على أفعال السياسيين والشخصيات العامة. هكذا نرى مثلا بأنه قد تم وصف سلوك الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون أثناء فضيحة مونيكا لوينسكي بأنه «لا أخلاقي» وليس «مخالفا للقانون». المرجعية الأخلاقية أصبحت إذن «أقوى» من القانون. كما أظهرت عمليات استطلاع رأي عديدة قامت بها هيئات ووسائل إعلام مختلفة بأن «القيم الأخلاقية» تحتل المرتبة الأولى بين اهتمامات الأمريكيين وبأن فقدان القيم واهتزاز منظومتها يشكلان الخطر الأكبر الذي يهدد البلاد. وتم وصف الخلافات بين الأحزاب السياسية على أنها «حرب ثقافية» ترمي إلى كسب «قلوب الأمريكيين وعقلهم». إن تعبير «الحرب الثقافية»، كما تقدمه المؤلفة يشمل في واقع الأمر المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية. وضمن الاطار نفسه تحمل المؤلفة العديد من المقالات والدراسات التي تحدث أصحابها عما أسموه ب«الفيدرالية الأخلاقية» للدلالة على «جوهر» الولايات المتحدة الأمريكية. وجاء في مقال نشرته «وول ستريت جورنال» بأن النزعة المحافظة المناضلة تمثل «الهجوم» الأخير في «الحرب الثقافية»، كما أنها محاولة من أجل «إعادة صياغة فكرتنا الثقافية عن الفضلية الاجتماعية». وفي المحصلة أصبحت معالجة مسائل عدم المساواة والتفاوت الاجتماعي الكبير والبؤس حسب معايير ومباديء «المسئولية الفردية والأهلية والقواعد التي يتفق حولها الجميع والمنافسة والمبادرة.. إلى آخر المراوغات التي يمكن أن تنطوي تحت الخانة نفسها أصبحت، أي المعالجة، اليوم تنتمي إلى قاموس «النزعة المحافظة» بينما كانت في السابق تعبيرات عن الليبرالية التقليدية «الكلاسيكية». ومن النتائج الأساسية التي تخلص إليها المؤلفة من دراسة الواقع الاجتماعي الأمريكي القائم على أساس أولوية المرجعية الأخلاقية تقول بأن الرئيس الأمريكي الحالي «جورج دبليو بوش» قد يكون هو «أول من فهم بأنه في خضم حرب ثقافية ينبغي أن تؤدي إلى إعادة السلطة الأخلاقية لقيم أمريكية خالدة». ومن الخصائص الأخرى التي يتم التركيز عليها في دراسة المجتمع الأمريكي المعاصر، وبالاعتماد على أحداث السنوات الأخيرة، تنامي أهمية المكون العقائدي الديني في «الثقافة المعارضة» في المجتمع الأمريكي. هكذا أصبح اليمين الديني أحد المعطيات الأساسية في الواقع السياسي الأمريكي كما لعب العامل الديني دورا مهما في الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية الأخيرة. وتنقل المؤلفة عن السيناتور الأمريكي «ليبرمان» الذي كان المرشح الديمقراطي «آل جور» قد اختاره كنائب له في حال نجاحه بالوصول إلى البيت الأبيض تقول: «ليبرمان، هو يهودي متشدد، اختاره آل جور نائبا له. وقد قال بأن الممارسة الدينية تتماشى تماما مع الالتزام السياسي النشيط والايجابي في مجتمع ذي طبيعة علمانية». إن مثل هذا المثال يبين مدى التلازم بين حيوية المنظومة الأخلاقية والثقافية القائمة على خلفية المعتقد الديني وبين المسائل السياسية والاجتماعية. لكن اليمين الديني يعاني هو الآخر من التبدل، ذلك أن مفكريه الأساسيين ينتمون إلى مشارب اجتماعية وايديولوجية متباينة أكثر مما يمكن أن يتبادر إلى الذهن. كما إن المواقف حيال هذا اليمين الديني نفسه حيث يتحدث البعض عما يسمونه ب«الثقافة المضادة» التي دفعت عددا مهما من الأسر الأمريكية إلى منع أطفالهم من مشاهدة التلفزة وحرمانهم من التردد إلى المدارس «العامة» وإنما تأمين دراستهم عن طريق أساتذة «خاصين» في منزل الأسرة كي تتمركز جهودهم وحياتهم حول الممارسات الدينية. في المحصلة تجد مقولة وجود «ثقافتين»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب، التعبير عنها من خلال «ثنائيات» متعددة مثل «النزعة المحافظة» و«النزعة الليبرالية» أو «الدولة» و«المجتمع المدني» أو«التشاؤم» أو«التفاؤل» أو«السلطة» و«نقيضها»... الخ. ولكن دائما وفيما بين تطرفين بهذا الاتجاه أو ذاك هناك موقع «وسطي» يسود أكثر فأكثر في المجتمعات الحديثة عامة وفي المجتمع الأمريكي خاصة والذي تكرس المؤلفة هذا الكتاب لدراسته. وهذا «الوسط» له انقساماته بين محافظيه و«ليبرالييه» حول موقع السياسة والثقافة والعلاقة بينهما. تقول المؤلفة في الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب: «يرى محافظو الوسط بأن الثقافة وليس السياسة هي التي تحدد نجاح مجتمع من المجتمعات، بينما يعتقد ليبراليو الوسط بأنه يمكن للسياسة أن تغير الثقافة وتنقذها، ويمكن القول بأن البحث في العلاقة بين السياسة والثقافة وتداعيات هذه العلاقة وتداخلاتها تشكل إلى حد كبير الموضوع الأساسي لهذا الكتاب: «أمة.. وثقافتان» الذي وصفه «بول جونسون» المعلق في مجلة «كومنتاري» التي يعتبرها مراقبون عديدون بأنها أحد مراكز النفوذ والتأثير على وضع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، لقوله: «من بين جميع أولئك الذين كتبوا حول الوضع الأخلاقي في أمريكا، لاشك بأن السيدة جيرترود هملفارب» هي أفضلهم.. وهذا يعود جزئيا لأنها مؤرخة.. وجزئيا لأنها تمتلك ذوقا رفيعا لرؤية الأشياء بجرأة ووضوح، وجزئيا بسبب رزانة عقلها.. وأخيرا جزئيا لأنها تكتب بشكل جيد وبارع»